قدم الوزير الأول تصريحا أمام البرلمان عرض خلاله حصيلة حكومته التي مر على تشكيلها ما يقارب نصف ولايتها.

وكما كان منتظرا، فقد خلف هذا التصريح ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض ومتحفظ على ما جاء فيه من إنجازات.

لن أتكلم هنا عن غياب الوزير الأول الملحوظ عن المؤسسة التشريعية والدلالات السياسية لذلك، والتي لا يمكن أن تفهم إلا في سياق الانتقاص من قيمة هذه المؤسسة، وهي التي لا تبذل أدنى جهد لاسترجاع قيمتها لأن الجالسين على كراسيها الوثيرة غير مهمومين بذلك ولأن حرصهم على الاحتفاظ بصفتهم البرلمانية أكبر من حرصهم على إعادة الاعتبار إلى هذه المؤسسة وتفعيلها في الاتجاه الذي يخدم وظيفتها الأساسية. ولا شك أنهم بهذا السلوك يعلمون بأنهم لا يمثلون الشعب، كما يدركون حقيقة الانتخابات التي أفرزتهم نوابا ومستشارين.

ولن أتحدث عن طول الخطبة وطغيان اللغة الإنشائية على مختلف فقراتها وخلو العرض من الأرقام والمقارنات بين التعهدات والإنجازات.. فهذا كان منتظرا لأن الجميع يعلم بأن هذه الحكومة فرطت في كل صلاحياتها واختصاصاتها منذ لحظة تشكيلها وطيلة كل مراحل اشتغالها، كما يعلم المتتبعون بأنها حكومة لا تشتغل بمقاربة اندماجية وفق سياسة عمومية متكاملة موجهة إلى البرامج القطاعية. ويكفي إلقاء نظرة خاطفة على الأوراش المفتوحة في البلاد ومصدرها وطرق تمويلها ومساطر تنفيذها ومتابعتها لتتضح معالم الضعف الحكومي.

ولن أعقب على الصيغة المبالغة في التفاؤل التي طبعت كل فقرات العرض، لأن تلك أصبحت سمة مرافقة لخطابات مسؤولين احترفوا لغة الخشب وتسويق الأوهام.

لن أقف عند كل ذلك، بل سأركز على فقرة تحدث فيها السيد الوزير الأول عن ضرورة الإصلاح السياسي وأولويته، وهو المطلب نفسه الذي أكدت عليه أحزاب المعارضة البرلمانية، وهو المطلب الذي ترفعه المعارضة غير البرلمانية منذ مدة طويلة.

إن الإجماع الحاصل حول هذا المطلب يشكل منطلقا لعمل جماعي ووحدوي من شأنه نقل البلاد من وضع إلى وضع أفضل، وبإمكانه أن ينقل فئات واسعة من المواطنين من سلبية العزوف إلى المشاركة الإيجابية. وللتذكير، فهذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الإجماع، إذ بعد مهزلة انتخابات شتنبر 2007 ارتفعت أصوات طالبت بضرورة فتح نقاش وطني حول أسباب تلك الكارثة، ولكنها دعوة لم تلق استجابة ولم يتم تفعيل مقتضياتها.

للوهلة الأولى، نرى أن إعادة جدولة هذا المطلب بهذه الآنية والملحاحية دليل آخر على فشل الانتقال الديمقراطي الذي قادته حكومة التناوب التوافقي، ومؤشر على فشل المقاربة التي تصورت أن الانتقال الديمقراطي في شقه السياسي وصل إلى مرحلة متقدمة وأن البلاد بحاجة إلى انتقال آخر في الشق الاقتصادي والاجتماعي، وإشارة إلى فشل التنظيرات التي سوقت لانتقال ديمقراطي بخصوصية مغربية. هذه خلاصات مهمة لم يكن البعض ليصدقها لولا هذا الإجماع حول أولوية الإصلاح السياسي.

أما الأمر الآخر فهو الاختلاف الملاحظ حول ماهية هذا الإصلاح السياسي ومحتواه. فهناك من يختزل هذا المفهوم في إصلاح انتخابي لا يتجاوز الإطار القانوني والتنظيمي والإجرائي للانتخابات، وهؤلاء يخلطون بين الإصلاح السياسي والانتخابي. وهناك من يحصر الإصلاح السياسي في تعديلات تقنية على بعض فصول الدستور بإضافة كلمة أو حذف أخرى أو تلطيف عبارة أو التشديد في أخرى. وهناك من يربط الإصلاح السياسي بالحرص على توافق هش ومعطل لعجلة البلاد لأنه يفقدها التنافسية اللازمة للتطوير والإغناء. وهناك من يتحدث عن جيل جديد من الإصلاحات، ولكنه لا يجسد ذلك في مطالبه لأنه ما زال متقوقعا في دائرة المطالب التي رفعتها الكتلة الديمقراطية في مرحلة التسعينيات.

وهذه كلها مقاربات ترقيعية لا تستحضر أن الإصلاح السياسي ورش مجتمعي يعني كل المواطنين، وأن النقاش حوله يجب أن يكون على مرأى ومسمع من الجميع وبمشاركة كل قوى المجتمع دون الاقتصار على تلك التي تشتغل من داخل المؤسسات الرسمية المفتقرة إلى المصداقية والنزاهة والشعبية والعاجزة عن تأطير المواطنين وجذبهم للتفاعل الإيجابي مع قضايا بلادهم.

إن مشكل المغرب أكبر من إصلاحات انتخابية أو مؤسساتية أو دستورية، فنحن نعاني من مشاكل في كل هذه المجالات لأننا لا نتوفر على فصل متوازن للسلط ولا وجود لتواز بين السلطة والمسؤولية والمحاسبة، وعلاقة السلطة بالثروة ملتبسة، ونتوفر، للأسف، على مؤسسة تنفيذية برأسين ومؤسسة تشريعية بدون صلاحيات وحكومة موظفين سامين بدون هوية سياسية ودستور ممنوح شكلا وغير ديمقراطي مضمونا وقضاء غير مستقل وانتخابات مزورة وإدارة مرتشية وغير محايدة وأحزاب ضعيفة وشعب غير مبال.. والملفات الأساسية تدار خارج دهاليز الحكومة وبعيدا عن قبة البرلمان ودون علم الأحزاب. والهيئات الاستشارية والمؤسسات المستحدثة تتناسل ، إذ أصبح عددها يفوق العشرين، وهي التي تتولى تدبير ملفات حساسة بشكل مواز للحكومة. وكل هذا أضفى على المشهد السياسي حالة من الغموض والضبابية تجعل الكل حائرا ومتوجسا ومتحفظا على المساهمة، وحتى المشاركون يستحيون من ذكر الحقيقة مخافة إدانة أنفسهم وحتى لا يظهروا كالدمى التي يحركها من هم في الكواليس خلف الستار.

ورغم كل هذا يأبى بعض أعضاء الحكومة، وفي مقدمتهم الوزير الأول، إلا أن يغالطوا أنفسهم والرأي العام فيتحدثون عن سلطة الحكومة وحصيلتها وإنجازاتها وبرنامجها ومبادراتها، وهم لا ناقة لهم ولا جمل إلا مسؤولية أمام الشعب تورطهم وتورط أحزابهم وتقود المواطنين إلى العزوف عن العمل الحزبي وما يترتب عنه.

إن ما يثار حول تدبير الشأن العام في بلدنا يتطلب إعادة النظر في السلطة وشكلها وطريقة تشكلها واختصاصاتها ومسؤولياتها وعلاقاتها بباقي السلط. وهذا موضوع أكبر من مجرد تعديل دستوري جزئي وسطحي، وأضخم من مقاربة دستورية تقنية لأنه يطرح سؤال النقد حول فلسفة الدستور وهوية السلطة وطبيعة المجتمع الذي نريد، أو، على الأقل، نستحق مقارنة بتضحياتنا وإمكانياتنا. وهو موضوع يتطلب إصلاحا مجتمعيا وسياسيا عميقين، لأن إصلاح المجتمع هو الأساس الذي يؤهل المواطن ليكون فاعلا ويقظا ومشاركا وإيجابيا.

وبوابة ذلك هي حوار وطني مفتوح بدون خطوط حمراء، وبمنهجية تشاركية بعيدا عن التعليمات الصادرة من جهة واحدة.. وحينها يمكن أن نتحدث عن التعاقد والتوافق، وإلا فإن الأمر لا يتجاوز عقد إذعان أملاه الطرف القوي على الضعيف.

مفتاح الحل منهجية تشاركية وحل جماعي من خلال حوار وطني يفضي إلى ميثاق جامع، وبدون ذلك فإن أية مبادرة، مهما حسنت النيات، لن تؤدي إلا إلى استنساخ الوضع القائم بسلبياته الكثيرة وإخفاقاته المعيشة في كل المجالات والميادين.

هذا هو الإصلاح السياسي الحقيقي، وإلا فإننا ندور في حلقة مفرغة لا أول لها ولا آخر، ولا طعم لها ولا رائحة، وجربت ولكنها لم تتمر إلا تخلفا وعزوفا وانفرادا بالسلطة واحتكارا للثروة وقتلا للمبادرة.

نحتاج إلى إصلاح سياسي يرجع السلطة للشعب والمبادرة للمجتمع. بهذا فقط سنكون في مستوى التحديات التي تنتظرنا.

هل سنرقى إلى هذا النقاش؟.

أشك في ذلك.