غطرسة إسرائيلية مبررة

ظلت “إسرائيل” وفية لأسلوب الغطرسة والاستهتار بالقيم والقوانين الدولية، وكيف لا تفعل وهي الطفل المدلل لقوى الاستكبار، تلوي ذراع أوروبا تارة بملف المحرقة المزعوم، وتحملها وزر أنظمتها الفاشية إبان الحرب العالمية الثانية، وتنوم الولايات المتحدة تارة أخرى بقضية مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط موظفة لوبياتها الصهيونية التي لا تملك الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلا محاباتها وخطب ودها. عامل ثان مهم يشجع الكيان الصهيوني على الغطرسة هو انخراط النظام العربي الرسمي -لا سيما ما يسمى محور الاعتدال- في المشروع الأمريكي حفاظا على مصالحه وعلى رأسها: احتكار السلطة والثروة وتوريث الحكم.

لهذه الأسباب تعتبر “إسرائيل” نفسها كيانا فوق القانون الدولي ما دام الفيتو الأمريكي يحميها من أي قرار أممي يدينها أو يحملها مسؤولية ما تقترف ولو من طرف خفي؛ والقرار الأممي في شأن جريمة العدوان على قافلة الحرية خير مثال، إذ توحي صيغته وكأن الفاعل مجهول. فكيف لا تتصرف “إسرائيل” بغطرسة وحماقة غير محسوبة العواقب؟

رب ضارة نافعة

غير أن “إسرائيل” بغطرستها صنعت هذه المرة الحدث، فقتلت الأبرياء العزل واعتدت على سيادة دولة من عيار تركيا العثمانية لتبتلع دويلة الاحتلال بذلك الطعم وتقع في المصيدة فأحرجت حلفاءها التقليديين:

* أحرجت “إسرائيل” بروعنتها الولايات المتحدة الأمريكية، فتوارت كاتبة الدولة في خارجيتها ولم تقو على أن تبدو كالعادة تتوعد وتهدد وتستنفر مجلس الأمن وبنده السابع، مثلما تفعل إذا تعلق الأمر بالملفين النوويين الإيراني والكوري أو ملف البارجة الكورية الذي يجري الإعداد لاستصدار قرار أممي رادع في شأنه. ترى كيف تتصرف الولايات المتحدة الأمريكية مع ملف كل شروط القرصنة وإرهاب الدولة متوفرة فيه، والضحية تركيا التي لن ترضى بالحلول الشكلية ولن تقايض سيادتها بصفقة من قبيل غض الطرف عن تجاوزات في مجال حقوق الإنسان أو السماح بتوريث الحكم أو بضعة ملايين دولارات للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية.

أحرجت “إسرائيل” بروعنتها فرنسا ولم تجد بدا من أن تعترف في شخص رئيسها بأن ما وقع ما كان يجب أن يقع لولا الحصار الجائر على قطاع غزة. مسكينة فرنسا اكتشفت حقيقة مفادها أن المشكلة هي الحصار، لذلك تطالب برفع الحصار مثلما طالب به الرئيس الأمريكي الموشح بدرع جائزة نوبل للسلام في أسرع زمن قياسي.

أحرجت “إسرائيل” بروعنتها النظام الرسمي العربي فأوضحت لهم بالصريح الفصيح أن المبادرة العربية للسلام سراب، وأنها لا تساوي الورق الذي كتبت عليه كما سبق أن صرح زعيم الكيان الإسرائيلي شارون، وأن المراهنة على السلام خيار خاسر. أحرجت أصدقاءها حكام العرب، فسارعوا للتنديد بالفعل الشنيع الذي اقترفته الآلة الهمجية الإسرائيلية. أحرجتهم أمام شعوبهم وكشفت تواطؤهم لوأد مقاومة يرون في ثباتها خطرا على عروشهم لأنها تمثل ضمير الشعوب العربية وتؤشر على نبضه وحيويته وهم الذين يظنون –واهمين- أن سحرهم واستخفافهم بشعوبهم قد أتى أكله.

نجاعة الضغط المدني الأهلي

كثيرا ما يُستخف بالحركات الاحتجاجية السلمية: مسيرات، وقفات، مهرجانات، خطابية، ويُحكم عليها أنها مضيعة للوقت وتبذير للجهود، وأنها غير ذات جدوى. فما الفائدة من رفع الأصوات وبح الحناجر وحرق الأعلام والاحتلال يدك المنازل على رؤوس أهاليها، ويقتل ويقنبل ويفجر، في حين يكتفي الطرف الآخر بالشجب والتنديد وتهييج العواطف وتجييشها ليعود المحتجون بعد حين إلى بيوتهم يمارسون حياتهم ويبقى الشعب الفلسطيني الأعزل يواجه مصيره ويعيش مأساته اليومية.

لكن الأحداث بيَّنت خطأ هذا الرأي، فالاحتجاجات الشعبية العالمية كانت أهم أسباب وقف العدوان على غزة كما صرح بذلك قادة العدو، احتجاجات من شأنها أن تُنمّي رصيد التعاطف مع أهالي غزة العزل، وفي ذات الوقت تفضح حقيقة الكيان الصهيوني وتحرج الأنظمة -لا سيما الأوروبية- أمام شعوبها ومنظماتها المدنية؛ مثلما تحرج النظام العربي الرسمي أمام الشارع العربي الذي يستغرب لسكوت بل لتورط بعض من قادته في العدوان على غزة وأهاليها.

ثم إن قافلة الحرية لكسر الحصار على غزة ليست سوى ثمرة جهود مضنية لحركات مدنية مع فضلاء العالم وأحراره، وحصيلة ملتقيات غير حكومية لدعم صمود أهالي غزة، لتنجلي جدوى الفعل السلمي المدني توعية للشعوب وحشدا لأشكال المساندة للقضايا العادلة ونصرة المستضعفين.

فلا عجب أن تتصدى الأنظمة العربية لهذه الأنشطة وعيا منها بنجاعتها وجدواها ولو بعد حين؛ وإلا من كان يتصور أن يحصل مثل هذا الإجماع الدولي على ضرورة كسر الحصار الجائر عن قطاع غزة، رغم ما يشم فيه -خاصة في الخطاب الأمريكي- من التفاف عن فضيحة “إسرائيل” وتورطها في جريمة حرب وإرهاب دولة من شأنها أن تضعف المشروع الأمريكي الهيمني وتقوي بالمقابل محور المقاومة والممانعة للاستكبار العالمي ممثلا في تركيا وإيران وفنزويلا.

تحيـات

تحية إكبار لشهداء قافلة الحرية لكسر حصار غزة الأبية.

تحية تقدير لمن سعى وحضر ولمن خطّط ودبّر لرحلة تحفظ للبشرية بقية كرامة.

تحية إجلال لذوي المروءة والفضيلة من أحرار العالم الذين فضحوا زيف شعارات النظام العالمي المستكبر، وبينوا بالملموس ازدواجية المعايير التي تتعامل بها الدول المستكبرة إمعانا في ظلم المستضعفين وإصرارا على مناصرة الغاصبين.

تحية أخوة إسلامية لتركيا الصمود والشموخ والعزة التي قادت محور الأحرار لفضح تآمر الاستكبار العالمي وتواطئه لتجويع أهالي غزة الأبية لتركيع المقاومة وتطويعها؛ وأنى لهم ذلك؟ََ