أي عقل هذا الذي فكر وقدر ثم قرر أن يضيف إلى مأساة “أسطول الحرية” مأساة أخرى لا تقل في وزرها وشناعتها ودناءتها عما فعله الغباء الصهيوني بالمشاركين في الأسطول الموؤود؟؟؟

وأي بلد هذا الذي يصبح فيه التضامن مع غزة وأهل فلسطين بدعة سيئة الذكر والتداول، ويمسي فيه التطبيع مع قتلة الأطفال والولدان والشيوخ والعجزة والنساء والأنبياء سنة محمودة يصفق لها آناء الليل وأطراف النهار؟؟؟

وأي سلطة هاته التي تسمح للمواطن بالاحتفال بالشذوذ وأهله والإسراف وقومه والميوعة وذويها والرذيلة وأتباعها وتمنعه في نفس الوقت بل وتقمعه بوحشية سافرة إن هو فكر في الاحتفاء والاحتفال بذوي المروءة والفضيلة والأخلاق الحميدة والخصال الطيبة؟؟؟

أسئلة طرحتها على نفسي وأنا أتابع فصول ومجريات وتبعات الهجوم الإسرائيلي الغادر على أسطول ملؤه مدنيون مسالمون، وحمولته مساعدات إنسانية، وسلاحه رايات بيضاء وأيادي تلوح بالسلام من بعيد، وشعاره رفع الحصار عن غزة، مطلب كل حر شريف ومبتغى كل عاقل ونزيه؛ ففي الوقت الذي خرجت فيه كل الشعوب بمختلف ألوانها وأشكالها وباختلاف ألسنتها ودياناتها وبتنوع مشاربها السياسية ومناهجها الفكرية والثقافية لاستقبال العائدين الناجين من مجزرة مرمرة وتقديم التحية المناسبة لهم وشكرهم على تمثيلهم لأوطانهم والنيابة عن بلدانهم ودعوتهم إلى إعادة الكرة من جديد، أبت السلطات المغربية إلا أن تصنع الحدث كعاداتها في مثل هذه المناسبات التاريخية، إذ حشدت عتادها وجنودها وتحركت بما لها من آليات قمعية ووسائل ردعية وحاصرت المطار الذي حطت به طائرة المغاربة المشاركين في أسطول الحرية وفرضت بقواتها متعددة التلاوين والتخصصات حالة طوارئ غايتها الكبرى الحيلولة دون التقاء المخلصين للقضية الفلسطينية والمهتمين بها من أبناء هذا الشعب بمن كان لهم شرف الوجود مع الأحرار الأبطال بين ظهراني متضامني أسطول الحرية. وهكذا كان، فقد اختلطت الزغاريد ودموع الفرح وباقات الزهور والورود بتدخلات الدرك والشرطة والاستخبارات وقوات التدخل السريع، وآثرت السلطات المغربية المظفرة إلا أن تغرد خارج سرب الديمقراطيين وفضلت أن تكون النغمة النشاز في قائمة نغمات السلطات العربية التي تعاملت مع مواقف ورغبات شعوبها هذه المرة بنوع من التعقل والتحضر، ليتأكد للعالم أجمع أن العقل الذي فكر وقدر ثم قرر محاصرة العائدين من حصار الصهيونيين ما هو إلا عقل محزني أسير ماض أكل عليه الدهر وشرب، يرى في الانتماء السياسي والإيديولوجي للمواطن ذنبا لا يغتفر وجرما يستحق صاحبه أبشع عقوبة وأسوأ جزاء.

من حصار إلى حصار هذا هو العنوان الأبرز الذي يصف أجواء استقبال المغاربة المشاركين في أسطول الحرية، والسبب والتهمة والذنب انتماء بعضهم لجماعة العدل والإحسان وتشبعهم بأفكارها ومبادئها، ليبقى السؤال مطروحا عن جدوى تشبث المغرب برئاسة لجنة القدس وسر تمسكه بها والقيمة المضافة لهذه اللجنة مادام كل من يدافع عن القدس وشعبها ينكل به حتى يكون عبرة لمن يجعل غزة قبل تازة.

إن الذين حوصروا بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء، هم أولا وأخيرا مغاربة قبل أن يكونوا من العدل والإحسان أو من العدالة والتنمية، والاحتفال بهم والافتخار بما صنعوا من حق الشعب المغربي، أما التنكيل بهم وقمع كل من حضر لاستقبالهم ورصد تحركاتهم والتضييق عليهم في الحاضر والمستقبل وتربص الدوائر بهم ما هو إلا غباء سياسي كبير ونفاق بلا حدود وخرق جديد لحقوق الإنسان من قبل سلطات ثقلت موازينها من كثرة الخروقات التي توقعها بلا استحياء بمناسبة وبغير مناسبة.

بين ورود الاستقبال وأقفال الحصار مفارقات تسجل، ورسائل تبعث، وحقائق تكتب، ولسان حال يردد بتصرف: “وتصهين ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع كل حسام مهند”.