عملية سهلة، متحكم في مسارها وتمت دراسة تفاصيلها بكل دقة في المجلس الوزاري المصغر ثم أعطي لها الضوء الأخضر. المهمة كانت غايتها واضحة، وتتحدد في وقف أسطول الحرية ومنعه بكل السبل من إتمام رسالته الإنسانية التضامنية ثم إرهاب من فيه وكل من ستسول له نفسه، مستقبلا، القيام بمبادرات في نفس السياق. كان الكل في دولة الغصب الصهيوني ينتظر إنجازا عسكريا وسياسيا يرجع لهم بعضا من هيبتهم المفقودة… لكن ما لم يتوقعه حتى أكثر المتشائمين هو أن تنقلب هذه المهمة إلى كابوس مرعب وفضيحة أمام الإنسانية جمعاء جلبت اللعنة والمقت والتنديد من العالم كله. بل إن معظم الصحف الصهيونية أجمعت اليوم على خطورة العواقب والتبعات التي ستلي هذه المغامرة الصهيونية وتساءلت عن السبب في ملاحقة الفشل والإخفاق لكل خطوات دولتهم وانقلابها ضد أهدافها وغاياتها. لقد أراد الصهاينة ومن يساندهم ومن يواليهم أن يلقنوا أحرار العالم وضمائر الإنسانية درسا بليغا ملخصه أن “إسرائيل” هي من يملي القواعد وأنها فوق كل اعتبار ولا تأبه لأحد، وهذا ما صرح به نائب وزير خارجيتها حيث قال إن دولته لا تخشى أحدا و أن حصارها لغزة قرار لا رجعة عنه وهي من سيبقى متحكما في الوضع ولن تسمح لأي كان بمعارضة قرارها.

الصهاينة يفكرون بمنطق العنجهية والقوة لأنهم ألفوا الاحتماء بالأقوياء الذين يغطون جرائمهم ويبررونها سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا. كما تعودوا على تواطؤ الأنظمة العربية. لكنهم هذه المرة تورطوا فعلا بشكل خطير وصاروا في مرمى النقد والتنديد العالمي وانفضحت حيلهم فلا أحد يصدق افتراءاتهم ولا أحد مستعد لإضفاء المشروعية على همجيتهم.

إن هذا الحدث رغم صغر حجمه فإن تداعياته على الصهاينة ومشروعهم أخطر من أن تستوعبها عقولهم الضيقة الحصرمية التي درجت على الإجرام وسفك الدماء دون حسيب ولا رقيب. ولعل معظم المحللين الذين تناولوا هذه القضية خلصوا إلى ثلاث نتائج إستراتيجية مهمة هي:

1 – أن المستفيد الأكبر، في المقام الأول، هو غزة المحاصرة وشعبها الأبي ومقاومتها الباسلة. فلا حديث للعالم الآن إلا عن لا إنسانية الحصار وضرورة رفعه عاجلا وبدون شروط ووصف استمراره بالجريمة البشعة والفضيحة النكراء. وهذا هو جوهر ما سعى المتضامنون في قافلة الحرية إلى إبرازه. وقد تحقق هذا الإنجاز بأوضح ما يكون جلاء. ففي الوقت الذي بذلت “إسرائيل” وحلفاؤها الغربيون وأعوانها العرب كل الجهود لجعل حصار غزة مسألة طبيعية و إضفاء الشرعية على استمراره، انقلب السحر على الساحر وظهر المحاصرون في أبشع صورة ونالوا الاستنكار وأثاروا الاشمئزاز في نفوس الضمائر الحية تجاههم. وهذا ما يبشر بقرب رفع هذا الظلم البالغ أو التخفيف من وطأته على الأقل في انتظار تعاظم التضامن العالمي ضده. ثم لا يمكن إغفال المستفيد استراتيجيا من الحدث وهو خيار المقاومة والتجليات التنظيمية المعبرة عنه داخل فلسطين وخارجها. فلا أحد من أحرار العالم، وهم في تعاظم مطرد، ينكر حق شعوب المنطقة، فلسطين ولبنان أساسا، في مقاومة الهمجية الصهيونية التي تعرت كأبشع ما يكون أمام العالم.

2 – أضاف هذا الحدث مؤشرا آخر إلى وقائع كثيرة دفعت للتنبؤ بحدوث تحول استراتيجي في العالم ككل، وفي منطقة الشرق الأوسط بالتحديد. ولعل أبرز هذه المؤشرات تتلخص في الفشل الذريع الذي مني به المخطط الأمريكي/الصهيوني لإعادة بناء شرق أوسط جديد وفق رؤية أمريكية/صهيونية. ثم فشل أمريكا سياسيا وعسكريا وانكماشها اقتصاديا. وهي حقائق فرضت على هذه الدولة إعادة النظر في استراتيجيتها العامة بحيث قررت الانطواء إلى الداخل والاهتمام أكثر بوضعها الداخلي الآخذ في التدهور اقتصاديا على الأقل. ثم اعترافها ضمنا بمحدودية قوتها العسكرية وفشل استراتيجية العنجهية والاستكبار ضد المسلمين أساسا وخاصة في العراق وأفغانستان. وبطبيعة الحال يواكب هذا الوضع فشل مواز للكيان الصهيوني على كل الأصعدة. فقد أخفق في فرض منطقه العدواني على المنطقة وعلى شعوب العالم، خاصة بعد هزيمته في حربي لبنان 2006 وغزة 2009. كما أن حقيقته الوحشية تنكشف يوما بعد آخر للعالم مما يؤدي إلى تآكل شرعيته التي بناها على أساطير المظلومية. وهذا ما يضفي مصداقية على ما صرح به الكثير من المؤرخين والاستراتيجيين ومنهم يهود، من أن “إسرائيل” كدولة عدوان لا تستطيع أن تضمن لنفسها الاستمرار في الوجود خاصة في ظل تهاوي أسس شرعيتها ومبررات بقائها. فقد وقِّع أكثر من ثلاثة آلاف يهودي أوروبي من بينهم مفكرون مرموقون على عريضة تندد بسياسات “إسرائيل” الاستيطانية وتحذر من خطورة دعم الحكومة الإسرائيلية دون تحفظ. وتقول العريضة إن إسرائيل تواجه خطرًا يتمثل في الاحتلال ومواصلة سعيها لإقامة المستوطنات في الضفة الغربية والأحياء العربية من القدس الشرقية). كما أن المؤرخ الإسرائيلي، البروفسور بيني موريس قال في كتابه الجديد الصادر سنة 2010 والمعنون ب ‘1948 ـ تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى’: كان هناك انتصار في العام 48، ولكن ذلك لا يضمن بقاء دولة إسرائيل. فقيام الدولة في العام 48 أثار ردود فعل رافضة في وسط العرب وغريزة شديدة للانتقام. العالم العربي يرفض تقبل وجودنا. وحتى لو تم التوقيع على اتفاقيات سلام، فان رجل الشارع والمثقف والجندي يرفضون الاعتراف بإسرائيل. وإذا لم يكن هناك حل سلمي بين الشعبين، فإن النهاية ستكون مأساوية لواحد منهما). وخلص إلى القول انّه من الصعب أن تكون لديه أسباب للتفاؤل بشأن احتمالات “إسرائيل”، حيث إن العالم العربي، وبمساندة العالم الإسلامي، يزداد قوة ومن الممكن أن يكون لديهم سلاح نووي.

3- ضم أسطول الحرية الذي توجه إلى غزة، بالإضافة إلى الكثير من فضلاء العالم، المئات من النشطاء العرب والمسلمين ومعظمهم من أبناء الحركة الإسلامية من المغرب إلى ماليزيا. كما انطلقت المظاهرات في كل العالم الإسلامي يتزعمها الإسلاميون والفضلاء في المجتمعات الإسلامية. وقد عبر هذا الزخم التضامني عن حيوية في الحركة الإسلامية وانتعاش في أدائها وتواصل مع مكونات الأمة السياسية والجماهيرية. وهذا مؤشر مهم لنهضة أمة الإسلام. فما أروع تلك اللوحات التي رسمتها التحركات التضامنية على طول العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه عن وحدة الشعوب الإسلامية رغم كيد الكائدين ومكر الماكرين ممن يمعنون في فصل المسلمين عن بعضهم البعض ويحاولون إطفاء جذوة التهمم بأحوال ومصائر بعضهم البعض و شغلهم بسفاسف الأمور وإغراقهم في أوحال الفقر والرذيلة وغيرها.. وعلى رأس هؤلاء الحكام المفروضون قهرا على رقاب المسلمين. ولعل من أبرز بشائر هذه النهضة المرجوة، عودة تركيا الدولة القوية إلى حضن الأمة، وهي التي راهن الصهاينة ولا يزالون على إبقائها حليفا استراتيجيا لكيانهم اللقيط. فإذا بها تتحول إلى سند قوي لقضايا أمتها ومددا عظيما لمستضعفيها وخاصة بفلسطين الحبيبة. وهذا ما يحسب له الصهاينة ألف حساب وقد يكون أحد أضخم الأسافين التي تدق في نعش كيانهم الغاصب.

لقد تساءل روبرت فيسك -الصحفي الإنجليزي المشهور في مقال له اليوم في صحيفة الأندبندت- هل فقد الإسرائيليون صوابهم؟ وبالفعل فالمحلل الذي يرى الأمور من زاوية الأحداث والتدبير المادي والتخطيط البشري يحار أمام مثل هذه الإخفاقات المفضوحة التي لا تتورط فيها حتى الدول الصغيرة فما بالك بدولة تحشد ما لا قبل لكثيرين في العالم به من الخبراء والإمكانات المادية والتقنية والدعم السياسي والغطاء الإعلامي لكل خطواتها وتحركاتها. وقد يسند سبب ذلك إلى خطأ في الحسابات أو في تقدير الموقف أو في التخطيط أو التنفيذ. لكن المؤمن العاقل عن ربه لا يجب أن ينساق وراء هذا المنطق السطحي بل ينبغي أن يعتبر ما يحدث في الكون وفي أحوال البشر توقيعا ليد العناية الإلهية. إنه التدبير الإلهي والمكر الرباني. فالله عز وجل هو من استدرج الصهاينة ليرتكبوا ما لم يكونوا يتوقعون انعكاسه ضدهم. وهو سبحانه من نصر المستضعفين المظلومين في غزة وكشف حقيقة الوحشية والهمجية الصهيونية أمام الإنسانية وفضح نفاق الدول الغربية. وهو جلت قدرته وتقدست عظمته من يهيئ للمؤمنين الصالحين سبل النصر والتمكين الذي تلوح بشائره من خلال ما تصنعه الأقدار الإلهية في عالم البشر من أحداث ووقائع، مهما طغى المجرمون وتجبر المستكبرون. وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا. صدق الله العظيم.