لم يكن أحد يتصور هذا الذي حدث، لستُ أعني هنا “مجزرة الحرية” على المياه الدولية التي ارتكبتها الدويلة اللقيطة “إسرائيل” في حق أعضاء أسطول الحرية وهم في طريقهم إلى قطاع غزة المحاصر، بل أقصد ما حدث أمس من “حصار الحرية” على الطريق المؤدية إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء.

أنْ يَطبع الله على عقل بني صهيون السياسي فيقدم جنوده على فعلتهم الشنيعة ويستعدوا عليهم العالم فهو الشيء غير المستغرب لطفل مُدلل غِرٍّ أعماه تمادي العالم في الصمت عن كل كبائره العسكرية وعلى رأسها الاحتلال، لكن أن يصل “عمى الألوان” بنظام حُكم إلى حد أن يخالف كل الدنيا التي حيَّت واحتفلت بمواطنيها وأرسلت لهم الطائرات الخاصة وهيَّأت لهم الاستقبال الرسمي والشعبي الفاخر لهو الأمر الذي يُصيب المرء بالعجز عن الفهم والاستيعاب.

في البر والبحر.. أعداء الحرية يترصّدون

كنَّا، يوم وصول أعضاء الوفد المغربي الخميس 3 يونيو 2010، نتوقع أن تتساوق التدابير الميدانية مع التصريحات الرسمية التي طلعت علينا قبل أيام لتؤكد أن وزارة الخارجية ومن خلال اتصالاتها الخاصة تأكد لديها أن المغاربة السبعة لم يصابوا)، وأن الوزارة بناء على الأوامر الملكية السامية تدخّلت وتأّكد لديها بأن أعضاء الوفد سيُطلق سراحهم ويصلون الأردن بين الفينة والأخرى). هذا ما قالته الوزارة والعهدة على وكالة المغرب العربي للأنباء. ولكن يا لخيبتكم.

كنا نظن أن يضع الساسة الرسميون في الاعتبار والحسبان معطى سياسيا ودبلوماسيا لا يقفز عليه عاقل، وهو الوضع الجديد الذي أحدثته قافلة الحرية وفرضه الضغط الشعبي الدولي والموقف التركي الرسمي، والذي حشر “الحصار على قطاع غزة” في زاوية غير مسبوقة من المساءلة الإنسانية والحرج الأخلاقي. ولكنّ بعض الظن إثم.

وكنّا نتمنى ألا ينزل الحد الأدنى للموقف الرسمي المغربي عن نظرائه العرب، الكويت التي انسحبت من “المبادرة العربية للسلام”، ومصر التي فتحت معبر رفح لدوافع إنسانية، والجزائر التي تبنت رسميا مشاركة وفدها، وسوريا التي كرّرت دعوتها للتعامل الحازم مع دويلة الاحتلال الصهيوني، وقطر التي جددت ضرورة دعم المقاومة، كل ذلك ولو من باب “الذكاء السياسي”، ولو من باب “المرحلية”، ولو من باب انحناءة الحكيم “للعاصفة”. ولكن يا للأسف.

أسف مزدوج مع الأسف، لأننا، من جهة، مغاربة ونستشعر عميقا هذا الانتماء الذي يتقاسمه معنا –أوراقا إدارية على الأقل- مسؤولون يفتقرون الحدود الدنيا من الحكمة السياسية والذكاء الدبلوماسي والحس الإنساني، ولأننا من جهة ثانية لا نخفي خصومتنا السياسية والشرعية لنظام حكم فاقد للشرعية، وكنّا نتمنى، ونستحق، خصما أكثر نضجا ينتزع احترامك لشرف الوسيلة وحكمة التدبير وإن اختلفت معه في جوهر المشروع وغايات الحكم.

في طريقنا إلى المطار، نحن مجموعة من أعضاء جماعة العدل والإحسان، كانت الأرواح تسابق الأجساد، متشوقة للقاء أربعة رجال من خيرة أبناء هذا البلد، وكان الفكر يجول بنا عن حفل الاستقبال وبرنامجه، واشتط الخيال بنا للحظات وتساءلنا عن إمكانية التمثيل الرسمي، ولو في حدوده الدنيا، ولو من باب “رفع العتب” و”تأدية الواجب” ما دام ضمن الوفد، البرلماني المغربي من حزب العدالة والتنمية الدكتور عبد القادر عمارة.

ولكن في طريقنا، وقبيل مطار محمد الخامس بحوالي 2000 متر، اعترضنا –كما اعترض المئات- حاجز بشري أمني يمنع المرور والوصول، فالقرار السياسي اتُّخذ بمنع الاستقبال والاحتفال بالشكل الكبير والمشرِّف، لماذا؟ لأن غالبية الوفد المغربي –ثلاثة أعضاء- من جماعة العدل والإحسان!!

ورغم أن أعضاء الجماعة هم مواطنون مغاربة في النهاية، ورغم أن كل الدول لم تستقبل وفودها في المطارات فحسب بل خصّصت لهم مهرجانات جماهيرية في فضاءات عمومية وندوات صحفية في مرافق عامة لأن الموقف يستدعي ويوجب ذلك -في ميزان الربح السياسي للنظم السياسية نفسها على الأقل-، فإن مخزننا العتيد أبى إلا أن يكون الاستثناء ويصطف مع “لصوص الحرية”، في البحر كانوا أو في البر، في الطريق إلى غزة أو في الطريق إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء.

على سبيل الختم.. حوار خصمين

وأنا أشاهد مفاوضات قيادات العدل والإحسان مع عدد من المسؤولين الأمنيين للاستفسار عن أسباب “قرصنة الاستقبال” في “عُرض الطريق السيّار”، واستحضرت مفاوضات وفد أسطول الحرية مع قراصنة البحر الصهاينة في عرض المياه الدولية قبل “مجزرة الحرية”، تذكَّرت التصوير الرائع للحوار، الذي صاغه الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه “هكذا علمتني الحياة”، والذي جرى، ويجري، بين الخصمين الأبديين “الحق” و”الباطل”. أُورِده بتصرف طفيف:

يمشي الباطل مع الحق يوما، فيقول الباطل: أنا أعلى منك رأسا.

فيقول الحق: وأنا أثبت منك قدما.

فيقول الباطل: أنا أقوى منك. فيجيبه الحق: وأنا أبقى منك.

فيتزعزع اعتداد الباطل بنفسه ويقول: أنا معي المترفون والمستكبرون وعلية القوم.

فيرد الحق في يقين: “وكذلك جعلنا في كل قرية أكبار مجرميها ليمكروا فيها، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون”.

فيشتد حَنَق الباطل ليقول بغيض شديد: أستطيع أن أقتلك الآن.

فيجيبه الحق في ثبات: ولكن أبنائي سيقتلونك ولو بعد حين.