في كثير من المناسبات، أو بدون مناسبة، تعقد هنا وهناك مؤتمرات ولقاءات رسمية أو شبه رسمية يطرح من خلالها موضوع التسامح بين الثقافات والأفكار والديانات، موضوع يكتسي أهميته بالنظر إلى ما يسود عالمنا اليوم من صراع وتدافع سياسي وحضاري تسعى فيه دول وثقافات إلى السيطرة والهيمنة والتحكم في مصير دول وثقافات أخرى تخوض من جانبها صراعا بمختلف الأشكال والدوافع من أجل البقاء وتحصين هوياتها وخصوصياتها المهددة بالدروس والاندثار، من هنا تأتي أهمية التسامح بما يفشيه من مبادئ الاحترام والاعتراف بثقافة الآخر، وإرساء تفاهم جماعي متبادل بين مختلف الفئات والشعوب، لينعم الكل بنعمة الأمن والسلام عوض مشاعر الكراهية والعنصرية المفضية إلى تكريس أعمال العنف والقتل والإفساد في الأرض لأن جميع شرائع الأرض والسماء أقرت مبدأ تكريم الإنسان واعتبار آدميته كما أثبت القرآن في قول الله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم، ذلكم هو التسامح الحقيقي الذي يتم تغيبه اليوم في أغلب مقاربات هذا الموضوع المثير للجدل لصالح ما يراد ترويجه من مفاهيم زائفة، ظاهرها المناداة بالحب والاحترام والمعاملة بالمثل، وباطنها إصرار القوى الاستكبارية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية على إلغاء ثوابت الشعوب وخصوصياتها وفق مواقف منظري أطروحتي صراع الحضارات ونهاية التاريخ هنتكتون وفوكوياما، وهي من أجل خدمة أهدافها تعمل أمريكا بمساعدة من يوالونها على بسط سياساتها في شتى بقاع الأرض، تارة بدعوى نشر الديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان، وأخرى بذرائع مكافحة الإرهاب،إلا أن المتتبع لا يعدم أدلة على ما ينقض هذه المزاعم إذا ما وقف على جرائم أمريكا وحلفائها في العراق وأفغانستان وفلسطين التي ترزح مند عقود تحت نير احتلال إسرائيلي غاشم يزيد في عمره صمت المنتظم الدولي عن الإرهاب الصهيوني الفاضح وجرائمه النكراء التي كان آخر فصولها ما اقترفته العصابات الصهيونية في عرض البحر عندما أقدمت على مهاجمة واقتحام سفن أسطول الحرية غير المسلح الذي يحمل مساعدات إنسانية لأهالي قطاع غزة المحاصرين في المياه الإقليمية واستخدام الذخيرة الحية في هذا الهجوم البربري البشع مما أسفر عن قتل وجرح العشرات من المتضامنين من جنسيات مختلفة، هجوم أدانته هذه المرة كل شعوب العالم بعد أن استفزها السلوك الصهيوني البربري تجاه قافلة الحرية المتوجهة إلى غزة. وكم سيبدو الأمر سخيفًا للغاية عندما يحاول دعاة التطبيع مع دولة الإرهاب اليوم إفهام الشعوب بل إيهامها بإمكان التعايش مع هذا العدو الصهيوني الغاصب وما يعنيه ذلك من تبرير لاحتلاله ولجرائمه البشعة بعد أن تركت له الحرية الكاملة في ممارسة كافة أشكال الإرهاب.

أما في مغربنا الحبيب فإن صمت أغلب الفعلة الطبيعيين والتطبيعيين عن إدانة الهمجية “السامية” يعري دعاوى التسامح والتفاتهم ويشكك في مبدإ الولاء للوطن.

ختاما يمكن القول إن التسامح قيمة دينية وإنسانية يجب على الكل احترامها ومراعاتها، وتقاسمها مع المؤمنين بها حقا وليس مع من يحتل الأرض ويهتك العرض ديدنه المكر والخديعة وهضم الحقوق، وفي المقابل يجب تفعيل كل أشكال المقاومة السلمية لمخططات التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي لتحصين الأمة من إي اختراق يوهن عزيمتها أو ينسيها فلسطين، قضيتها المركزية التي تتعرض لمؤامرات تصفية محكمة، مؤامرات نراها اليوم –بحمد الله- تنكسر على صخر صمود المقاومين الأبطال الذين ينجزون أروع الملاحم والبطولات على أمل الوعد الصادق بإرجاع الحق الزاهق.