نواصل في الجزء الثاني من المائدة الحوارية، التي نظمها موقع aljamaa.net إحياءً للذكرى الرابعة لانطلاق الحملة المخزنية الظالمة على جماعة العدل والإحسان، تسليط الضوء على جوانب متعددة من هذه الحملة التي انطلقت في 24 ماي 2006.

فإلى الجزء الثاني:

سؤال:

بالنظر إلى اشتداد الحملة على العدل والإحسان، هل يجد هذا القمع صدى لدى المدافعين عن حقوق الإنسان؟

جواب:

ذ. محمد بارشي: لا بد أن نشير إلى بعض ما تعرضت له الجماعة لندرك حجم شراستها، فلأول مرة يعتقل الأطفال ويجز بهم في مخافر الشرطة، وأيضا النساء والشيوخ. لأول مرة تقتحم على الناس مناسباتهم العائلية، فقد اقتحمت على إخواننا وأخواتنا حفلاتهم سواء كانت تأبينا أو زيارة مواساة، أو زيارة لحجاج، أو حتى من احتفل بما من الله عليه من مولود، فقد اقتحمت بيوت كانت المناسبات فيها عقيقة أو عرسا.

ومن الأشكال الشرسة للحملة نهب ممتلكات الناس من بيوتهم، فقد كسرت أبواب بيوت واقتحمت، وسرقوا ببشاعة ممتلكات الناس رجالا ونساء.

أيضا يتم التضييق على إخواننا وأخواتنا في قوتهم اليومي، فمحلات أغلقت، وموظفون أوقفوا قسرا وعمدا وظلما وجورا. كما منع كثير من الأعضاء من جوازات السفر وما زال بعضهم ممنوعا. ومن أبشع مظاهر الاضطهاد منع كل منتسب للجماعة من الخطابة والوعظ في المساجد.

النظام استعمل كل ما يستعمله خصم غير نزيه، خصم شرس، خصم لا يعرف للكرامة والمروءة سبيلا، بل ذهب بهم الأمر إلى أن يلفقوا إلى بعض إخواننا تهما لا أخلاقية للمس بكرامة الجماعة، فإذا كان خصمك من هذه الطينة وهذا النوع فماذا تنتظر منه؟!

وفي المقابل أغلب الجمعيات الحقوقية، ولا نقول كلها، كانت صامتة ولم تحرك ساكنا إلا من بعض الأسطر في بلاغات محتشمة لا توازي حجم القضية.

سؤال:

هنا يطرح سؤال؛ هل الاضطهاد يستهدف فقط العدل والإحسان خصوصا أن النظام يدعي الديمقراطية ونقاء صفحته من أي خروقات إنسانية؟

جواب:

ذ. محمد أغناج: ينبغي أن ننظر إلى الحملة في محيطها العام، فهذه الحملة، كما تحدث الأستاذ محمد بارشي، لا تشكل إلا امتدادا لواقع التدافع، والاعتداء الذي قامت به السلطات العمومية في المغرب على جماعة العدل والإحسان منذ نشأتها وحتى قبل ذلك منذ الرسالة الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974 التي أرسلها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين إلى ملك البلاد، والتي بسببها اعتقل الأستاذان محمد العلوي رحمه الله وأحمد الملاخ لمدة تقارب العامين، واحتجز الأستاذ المرشد بدون محاكمة لمدة ثلاث سنوات ونصف في معتقلات غير قانونية، وتتالت الاضطهادات والانتهاكات في حق الجماعة، منها منع الأستاذ المرشد من إلقاء الدروس في المسجد ومن حقه في الإعلام والتنقل، ومنع أعضاء الجماعة من حقهم في الاجتماع والتجمع ومن حق تأسيس الجمعيات ومن حقهم في الصحافة، جاء الحصار على الأستاذ المرشد ليمنع حق الزيارة والتنقل، ثم جاءت الإقامة الإجبارية، واعتقل إخوتنا في مناسبات متعددة وحوكموا في محاكمات غير عادلة بأحكام جائرة، وكانت هجمة السلطة على قطاعات من الجماعة وعلى رأسها القطاع الطلابي، وما ملف طلبة وجدة الذين قضوا 18 سنة سجنا نافذة عنا ببعيد….

وفي المقابل ينبغي أن نعلم على أن المغرب لا يمكن أن يصنف كدولة حق وقانون، فما تتعرض له الجماعة يمس بشكل ما مكونات أخرى وكثيرا من أفراد المجتمع. ورغم ما يسوق له النظام من وجود مكتسبات أو مفهوم جديد للسلطة وتصالح مع حقوق الإنسان فإن العالم يشهد، ولسنا وحدنا، أن المغرب يعرف من الانتهاكات الجسيمة المتكررة والممنهجة لحقوق الإنسان، ما يكذب ذلك الوجه الذي يقدم به نفسه على أنه دولة حق وقانون. فما زلنا نرى أشخاصا يفقدون حقهم في الحياة في مخافر الشرطة، ولا زلنا نرى أشخاصا يساقون إلى محاكمات غير عادلة ويتعرضون للاعتقال والاختطاف والتعذيب وتزور عليهم أقوالهم وتلفق لهم التهم ويحالون على قضاء غير نزيه أو مستقل أو حتى مهني، ويتحكم في الملفات منطق التعليمات، لا زلنا نرى أن السلطة تهيمن على المجتمع هيمنة لا يمكن أن توصف إلا بأنها انتهاك جسيم لحقوق الإنسان، لا زلنا نرى بأن المغرب يعرف ظاهرة الاعتقال السياسي، والمعتقلون بالمئات لأسباب سياسية أو لأسباب تتعلق بحرية الرأي والتعبير والصحافة… في هذا السياق إذا لا بد أن نرى أن مدافعتنا للحملة المخزنية الواقعة علينا هو مساهمة إيجابية منا في فرض هامش من الحرية في هذا البلد.

سؤال:

هل نفهم أن معركتكم الآن هي معركة من أجل الحرية ومن أجل كرامة الإنسان وحقوق الإنسان في هذا البلد؟

جواب:

دة. فاطمة قاصد: نعم هذا جانب من الجوانب الأساسية في مشروعنا الذي يقوم على أساس العدل والإحسان، ومن العدل السعي لأن تعيش هذه الأمة بكرامة وأن يعيش الشعب المغربي في ظل واقع يدبر على أساس العدل في الحكم والعدل في القضاء والعدل في قسمة الثروات والأرزاق، ونحن نركز، من خلال تمسكنا بهذا الشق الأساسي في مشروعنا، على هذا المبدأ الأساسي ألا وهو الحرية. وتحضرني هنا قولة سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه التي تأكد مضمون الرسالة النبوية التي نشتغل بمبادئها وهي أن الله قد ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة). فالحرية التي نتشوف إلى أن يعيشها الشعب المغربي نعتبرها من المبادئ الأساسية التي تمكن من اختيار من يحكمه، لأنه دون حرية لن يملك هذا الشعب إرادة مستقلة ولن يملك إرادة حقيقية للتغيير، والحرية هي أكبر من أن تكون مرتبطة فقط بما هو دنيوي فنعتبر الحق الأساسي في الحرية الذي نسعى لضمانه لهذا الشعب، ونحن معه، هو حريته في معرفة ربه عز وجل، وحقه في أن يعيش كريما، فالكرامة الآدمية من المبادئ الإنسانية، فالله تعالى خلق الإنسان وكرمه، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه.

فنحن من خلال ما نقوم به نسعى إلى تغيير واقع الفساد السياسي، وواقع القمع الذي تعيشه البلاد، وواقع احتكار السلطة، وواقع الانحرافات المالية والاقتصادية، وواقع التردي الأخلاقي والتربوي الذي تعيشه مجتمعاتنا، وذلك لضمان مجتمع أفضل تسود فيه الكرامة والعدل والحرية.

سؤال:

ما هو تأثير القمع الذي تتعرضون له على علاقاتكم مع الآخرين؟

جواب:

ذ. محمد أغناج: إن تاريخ الجماعة تاريخ من التضييقات ومن المنع. كما أن التضييق تجاوز الجماعة ليشمل حتى المتواصلين معها، فكم يعتذر المعتذر ويتهرب المتهرب، ونجد الجمعيات أو المنظمات تتهرب من إثارة موضوع العدل والإحسان لمجرد أن تكون مستهدفة بمنع أو حصار أو تضييق، بل حصل الحصار والتضييق والمنع لهيئات ومنظمات لمجرد أن كان من بين أعضائها عضو من العدل والإحسان.

والتضييق أيضا يستهدف تخويف محيط أعضاء الجماعة وترهيب أهليهم، ويمكن هنا أن نشير إلى الغرض الحقيقي من تشميع البيوت، فكما يعلم الجميع أن السلطات قامت بتشميع عدد من بيوت أعضاء الجماعة دون أن تلجأ إلى أية مسطرة قانونية ودون أن تقدم أي مبرر قانوني، هذا الخرق الفظيع لا يمس فقط الحقوق السياسية بل يمس أحد الحقوق الأساسية وهو حق التملك، واستمر هذا الخرق في الزمان لمدة أربع سنوات لحد الآن رغم أن المحاكم سبق أن صرحت في مناسبات ما بأنه يعتبر إجراء غير قانوني.

سؤال:

كيف تنظرون إلى سياق وأبعاد السلطات من التضييق المتواصل على الجماعة؟

جواب:

دة. فاطمة قاصد: قبل الوقوف على أبعاد هذه الحملة لابد من التذكير بالواقع الذي تُفرض فيه الحملة علينا، الحملة والتصعيد المتبع في حق جماعة العدل والإحسان يتم في ظل واقع الفساد على جميع المستويات، وفي الوقت الذي عجز فيه النظام المغربي عن تدبير جميع الملفات وفي المقابل نسمع عن إنجازات العهد الجديد وعن المكتسبات التي تم تحقيقها وعن حقوق الإنسان، في وقت يحصل تدهور خطير في عديد من الميادين، ويكفي أن نشير إلى مستوى التعليم في المغرب الذي تراجع إلى مستويات خطيرة بحيث نسجل بأن أحسن جامعة في المغرب تحتل الرتبة 3950 على المستوى العالمي، ناهيك عن تنامي الانحرافات الأخلاقية والمالية، والتراجع الواضح في مجال حقوق الإنسان، مع ارتفاع وتيرة اعتقال الحقوقيين والسياسيين والصحفيين وغيرهم.

أما عن أبعاد النظام من اضطهاده للعدل والإحسان فيمكن إجمالها في مجموعة من النقط:

أولا: النظام يسعى بكل الأشكال للحفاظ على نفسه، وبالتالي فهو يتصدى لكل من يتصدى للكشف عن زيف شعاراته المرفوعة ويعري حقيقة الإنجازات المزعومة.

ثانيا: جماعة العدل والإحسان تقترح حلا جماعيا لواقعنا المغربي وتدعو النخب السياسية وتدعو الشعب المغربي إلى ميثاق جامع، فهي بذلك تُعتبر مُهدّدة لمصالح من ينفردون باستغلال البلاد سياسيا واقتصاديا، فلا يجدون أمامهم إلا حصارها وذلك بسد كل المنافذ المفضية إلى تأسيس هذا الميثاق بمعنى منع أي صلة بالأطراف السياسية وأطراف الشعب المغربي عبر تخويفهم وترهيبهم وعبر قمع جماعة العدل والإحسان.

ثالثا: جماعة العدل والإحسان رغم كونها جماعة سلمية تنبذ العنف فإن النظام المغربي وأعوانه يرون فيها خطرا عليهم، لأنها تملك السلاح الذي لا يقهر، وهو سلاح الدعوة إلى الفطرة، وهذه الدعوة تلقى صدى لدى كل مسلم فاضل، ثم سلاح الاعتصام بحبل الله المتين وانجماع السلوك على الله سبحانه وتعالى، لأنه ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

رابعا: إنه برغم التضييق وكل محاولات النظام لإخضاع الجماعة فإنها ظلت وفية لمشروعها ومبادئها واستطاعت أن تكسر هذا الحصار وتتجاوزه بحضورها في قلب هموم الشعب المغربي واهتماماته، وتمثيلها في العديد من مؤسسات وهيئات المجتمع النقابية والمهنية والجمعوية، وبتنظيمها لمئات من المظاهرات، وباستمرارها وحفاظها على رسالتها التوعوية لهذا الشعب، وبالتالي فإن النظام المغربي يحاول دائما أن يحاصر هذه الجماعة.

سؤال:

لا يخفى عليكم أن كل حركة لها مقاصد ومطالب تروم الوصول إليها، فما هي المطالب الأساسية لجماعة العدل والإحسان؟

جواب:

ذ. محمد أغناج: أعتقد أن مشروع جماعة العدل والإحسان هو حمل رسالة الإسلام إلى الأمة، وأعتقد أن أهم مطالبها في المرحلة هو مطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يطوف ببطحاء مكة ويقول “خلوا بيني وبين الناس”.

نحن نعتقد على أن رسالة الإسلام في هذا الواقع تجذب إليها هذا المجتمع المسلم، يكفي فقط أن يُسمح للدعاة أن يمارسوا مهمتهم التربوية والدعوية، وهي وراثة عن رسول الله صلى الله عليه، والتي غفل عنها أو تناساها ورثة الأنبياء “العلماء” تحت ضغط قرون حكم العض والجبر التي بعث الله لها في هذا الزمان هذه الحركة الإسلامية المباركة وهذا البعث الإسلامي الذي لا يطلب إلا أن يُخلّى بينه وبين الناس وأن يسمح له بأن يبلغ هذه الدعوة كاملة بما هي إسلام وإيمان وإحسان، بما هي عدل وإحسان وشورى، كاملة متكاملة.

سؤال:

في نفس السياق يتساءل البعض بشكل مباشر: ماذا تريد العدل والإحسان؟

جواب:

ذ. محمد بارشي: أن يسود العدل والإحسان، أن يسود السلم ويتعايش الناس فيما بينهم وفق ما أمر الله عز وجل به. وكل من يعارض هذا الأمر فهو ينصب نفسه خصما لما أراد الله عز وجل أن يكون، فلِمن يناهضون العدل أغراض ومن تم لا شك أنهم سيقفون ضد هذا المطلب، ولمن لا رغبة لهم في الدين مطالب لا شك سيقفون في وجه مطلب الإحسان.

نحن جماعة تتوب إلى الله عز وجل وتدعو إلى التوبة وإلى التكافل الاجتماعي والمواساة بين الناس والتعاون والتآزر.

سؤال:

أخيرا كيف ترون مستقبل جماعة العدل والإحسان؟

جواب:

ذ. محمد بارشي: مستقبل زاهر إن شاء الله تعالى، وعد الله عز وجل المؤمنين بالنصر وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، فوعد الله صدق، وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلافة الثانية على منهاج النبوة صدق، لا يأخذنا في ذلك شك ولا ريب.

النصر آت بإذن الله عز وجل، نسأل الله تعالى أن يعطينا من الإيمان واليقين ما نتقوى به لنعمل لهذا النصر، وما نتقوى به لنسير بخطى ثابتة قوية صلبة متينة حتى يحقق الله عز وجل ما بشر به رسوله الكريم وما أخبر به سبحانه في كتابه الحكيم.