للدعوة سياق

اقتضت سنة الله أن يواجه الاستكبار عبر التاريخ البشري دعوات الإصلاح والتغيير، حيث يجند كل إمكانياته -سحرة فرعون قبل أن يتوبوا نموذجا- ليحول بينها وبين بسط رؤاها التغييرية ومشاريعها الإصلاحية على الشعب، وعيا منه -الاستكبار- أن الشعب سيلتف حولها وينخرط فيها.

واقتضت مشيئة الله تعالى أن يصطفي لهذه المهمة خيرة خلقه من الأنبياء والرسل عليهم السلام ليسيروا في أقوامهم بالحق مقاومين كل المكائد والمعيقات فأحقوا الحق وأزهقوا الباطل. وعلى دربهم سارت دعوات التغيير تستنهض همم المسلمين مصداقا لقوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وأولئك هم المفلحون.

هذا هو سياق دعوات الإصلاح والتغيير الذي لم تحِـدْ عنه جماعة العدل والإحسان متمسكة بنهج الموعظة والنصيحة المسؤولة منذ فجر دعوتها عام 1974؛ حيث وجه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين الرسالة ـ النصيحة لملك البلاد آنذاك “الإسلام أو الطوفان” لتتوالى بعد ذلك مواقف الصدع بالحق، فجاءت “رسالة القرن الملكية في الميزان” و”مذكرة إلى يُهمه الأمر” و”حلف الإخاء” ووثيقة “جميعا من أجل الخلاص” عام 2007.

إذن هو مسار رسالي تنهجه جماعة العدل والإحسان، وواجب ديني انبرت له متوكلة على ربها ومتأسية برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عانى والرعيل الأول من الصحابة أنواعا من التنكيل والتشهير والتضييق والحصار ومصادرة الأموال والممتلكات ثمنا للرجولة الإيمانية وثباتا على الحق ويقينا في نصر الله وتمكينه لعباده الصابرين المجاهدين. يقول عز سلطانه: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلَهُم أئمة ً ونجعلَهُمُ الوارثين.

وللاستكبار مساق

ذكرنا بسياق دعوة العدل والإحسان التاريخي، وحري بنا أن نذكر بأصول الاستكبار التاريخية ومساقه. لقد أورد القرآن الكريم قصص المستكبرين الذين طغوا في البلاد وساموا العباد أبشع تنكيل واستغلال، وعبثا حاولوا وأد دعوات الإصلاح والحيلولة بين رجال الإصلاح وبين أقوامهم. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الإسلام على القبائل ويعرّف بني شيبان بمشروعه العدلي ويخبرهم أن الإسلام يقتضي شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله. فأجابوه قائلين: “هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك”.

يقول عبد الرحمان ابن خلدون في “المقدمة”: واعلم أن الشرع لم يَذُمَّ الملك لذاته ولا حَظَرَ القيام به. وإنما ذَمَّ المفاسدَ الناشئة عنه من القهر، والظلم، والتمتع باللذات. ولا شك أن هذه مفاسدُ محظورةٌ، وهي من توابعه. كما أثْنَى على العدل، والنَّصَفَةِ، وإقامة مراسِم الدين، والذَّبِّ عنه. وأوجب بإزائها الثوابَ وهي كلّ من توابع الملك. فإذن إنما وقع الذم للملك على صفة وحال دون حال أخرى. ولم يذمَّه لذاته) 1 .

يعلق الأستاذ عبد السلام ياسين على كلام العلامة ابن خلدون قائلا: إذا كانت مفاسد القهر، والظلم، والاستبداد، والانحلال الخلقي، ناشئةً عن المُلك، لازمة له، فكيف تـنـتظر أن يصبح الفساد صلاحا؟ وكيف نبرئ “ذات” المُلك وهي لا تـنفك عن صفات المُلك؟ إن فسادَ النظام من أساسه لا يمكن أن يغيب عن العاقل بظهور أفراد صالحين من الملوك والأُمراء. فتلك استثناآت من القاعدة. ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه ملكا عاضا أو عضوضا بصيغة المبالغة) 2 .

هذه خصائص المُلك أو الأنظمة الشمولية التي تحتكر السلطة وتستبد بالقرار والمبادرة. احتكار جعل مؤسسات الدولة المنتخبة صورية، لتهمش بذلك إرادة الشعب واختياراته، وتغدو الانتخابات والاستشارات الشعبية بهرجة تزين نظاما استبد بالسلطة وسيج صلاحياته بفصول أضفي عليها طابع القداسة وجعلها غير قابلة للمراجعة أو التعديل.

إذا كان هذا هو حال نظام سياسي سمي في القاموس المغربي “مخزنا” فإن كل دعوة للتغيير أو الإصلاح يعتبرها مهددة له؛ وبالتالي لا يسمح بتبلورها فيسعى لوأدها قبل التشكل، وإن انفلتت وظف لها من يتولى النيل منها أو التشويش عليها حتى لا يبدو للعموم أنه في مواجهة مع أي تيار إصلاحي أو حركة تغييرية وعيا منه أن ذلك ينال من مصداقيته.

سنة الله سياقا ومساقا

يقول الحق سبحانه: كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين مما يستفاد من الآيات أن لله تعالى سننا لا تحابي ولا تجامل، وأن لا شيء يخرج عن مشيئته سبحانه، وأنه ضامن النصر والتمكين لعباده الصالحين ما استوفوا شروط النصر وحققوا العبودية له.

وبالمقابل توعد القهار الجبار بالبوار والخسران من استكبر على عباده وحارب دعوته ودعاته. وفي الحديث القدسي: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب..”

إذن فسياق دعوات الإصلاح واضحة معالمه متوقعة عقباته وشدائده مكفول نصره. ومساق الاستكبار معروفة أساليبه ضيق أفقه مهزوم صفه ولو بعد حين. وهذه جماعة العدل والإحسان تمكنت بفضل من له الحول والطول ـ جل وعلا ـ أن تصمد وأن تحافظ على تماسكها ومواصلة أداء رسالتها؛ بل إنها جعلت من هذه المحنة منحة، ومن المتاعب حوافز على المقاومة والتحدي، وإبداع الوسائل الكفيلة بمواصلة العمل بكل أبعاده…) 3 ؛ مما ساعد على تصعيد الحيوية في أطرنا وكفاءاتنا، وفي استثمار ذكائنا الجماعي لتجويد أساليبنا التنظيمية الدعوية الحركية، وحفز الجميع ليساهم كل بما يستطيع، برأي أو فكرة أو اقتراح أو مشروع أو غير ذلك، مما جعل العدل والإحسان لا تعرف الرتابة، وتتمتع بحيوية موصولة ما نحسب أن هناك تيارا سياسيا أو مجتمعيا يسامينا فيها.) 4

إن جماعة العدل والإحسان مؤمنة بموعود ربها، مصدقة بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سـائرة على نهجه، مقتفية أثره، قوية بولائها لله ورسوله، واثقة في قيادتها ومؤسسـاتها وضوابط اشتغالها؛ تسير بثبات وتـأن لمعانقة النصر والتمكين والعزة إن شاء الله تعالى الذي وعد -ووعده حق- أن العاقبة للمتقين.


[1] ص:341.\
[2] الخلافة والمُلك. للأستاذ عبد السلام ياسين، ص:81.\
[3] من حوار أجراه موقع الجماعة مع الأستاذ عبد الواحد متوكل عضو مجلس الإرشاد والأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان. نشر بتاريخ: 2009.6.3.\
[4] من حوار أجراه موقع الجماعة مع الأستاذ عبد الواحد متوكل عضو مجلس الإرشاد والأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان. نشر بتاريخ: 2009.6.3.\