تدخل الحملة الأمنية على جماعة العدل والإحسان في المغرب عامها الخامس، منذ بدئ تنظيم الجماعة “الأبواب المفتوحة” الرامية إلى التعريف بالجماعة وتكثيف التواصل مع جميع فئات الشعب المغربي.

وقد اتخذت هذه الحملة أشكالا تصعيدية متعددة، خصوصا بعد التصريح الغريب لوزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى الذي قال فيه: إن جماعة العدل والإحسان بتكثيفها لأنشطتها تكون قد أصبحت خارج دائرة القانون)، والذي أكد استمرار مسلسل الانتكاس الديمقراطي الذي يشهده المغرب رغم كل شعارات “العهد الجديد”.

اضطهاد العدل والإحسان لازمها منذ التأسيس، فقد زجت الأجهزة الأمنية بمرشدها في مستشفى الأمراض العقلية أثناء رسالته الشهيرة: “الإسلام أو الطوفان” التي بعث بها إلى الحسن الثاني، ثم اعتقلته سنتين بعد رده على رسالة القرن الملكية، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية لمدة عشر سنوات واعتقلت مجلس إرشاد الجماعة سنة 1990.

كما كان للذراع الطلابية للجماعة نصيب وافر من القمع المخزني الممنهج للحد من نشاطه وتمدده في الساحة الجامعية، سواء من خلال اعتقال الطلبة أو “الدورية الثلاثية” سنة 1997 أو غيرها من الأشكال التضييقية ضد فصيل العدل والإحسان في الجامعات المغربية. كذلك تم افتتاح ما يسمى بـ”العهد الجديد” بمنع المخيمات التي كانت العدل والإحسان تنظمها كل صيف في عدد من الشواطئ المغربية ومنع المصلين، وكثير من السلوكيات المشينة التي تفضح القائمين على الحكم في المغرب.

لكن الجديد في موضوع الحصار على الجماعة أن المخزن قد أعلن هذه المرة حربا شاملة على كافة نشاطات العدل والإحسان، سواء منها السياسية المتمثلة في قمع بعض الفعاليات التضامنية مع قضايا الأمة، أو الاجتماعية وما تقرير منظمة العفو الدولية الأخير عن المغرب إلا خير شاهد على ما يتعرض له العمل الجمعوي للجماعة من تضييق، أو الدعوية حيث تعرضت مجالس الذكر والنصيحة والرباطات التربوية بدورها لاقتحام متكرر وصل لحد سرقة بعض الممتلكات في المنازل المقتحمة بل وتشميع بعضها وتشريد عائلات بعد طردها من سكنها، واعتقالات بالآلاف شملت حتى النساء والأطفال.

وقد تعرض الجانب الإعلامي بدوره للمنع ولعدة محاولات لإسكاته فلم يكتف هؤلاء بالاستمرار في حظر جرائد الجماعة بل قاموا بحجب متكرر لمواقع العدل والإحسان الإلكترونية. واستمرت العصا الغليظة تلاحق فصيل العدل والإحسان والتعرض لأنشطته ومنها منع محاضرات لبعض قيادات الجماعة في الجامعات.

طوفان القمع هذا يكرس الاستمرارية في النهج الاستبدادي الذي يمارسه النظام بحق كل حر شريف في هذا البلد، ومدى الجريمة التي يرتكبها بحق الشعب المغربي بمنعه لقطاع واسع من أبنائه من التواصل معه، ويظهر حالة العجز التي يشعر بها النظام تجاه أي مخالف له خصوصا إذا كان يتمتع بحضور واسع في المجتمع المغربي وحيوية متدفقة ومشروع متكامل مثل جماعة العدل والإحسان.

لم يَسَع المؤسسة المخزنية وهي ترى خطاب العدل والإحسان يظهر تفوقه على خطابات الزيف والبهتان التي يشيعها المنتفعون من أذناب النظام إلا أن تصاب بالهيستيريا، وبدل أن تستنفر جهودها للتصالح مع الشعب المغربي وتعويضه عن العقود العجاف التي حكمت فيها المغرب بعد “الاحتقلال” إذ بها تستنفر كل جحافلها لقمع العدل والإحسان التي أضحت كابوسا مؤرقا لها لأنها تفضح شعارات عهده الجديد.

يظن النظام أن القمع سيجعل الجماعة تحيد عن مطلبها العدلي وتعطي الدنية في دينها وتتسابق مع الأحزاب والنخب المفلسة على الفتات المخزني الذي يجود به على المتملقين، لكن أنى لهم أن ينالوا من جماعة تتوب إلى الله، فستثبت الأيام كما في السابق عجز مقارباته هذه في تطويع العدل والإحسان، لأن الجماعة لا تزيدها المحن إلا قوة وثباتا وتمسكا بالمبادئ، فالابتلاء في الله شرف لا يحوزه إلا عباد الله المخلصون.