ذكرى وذكرى

للأمم المتقدمة أيام للذكرى، ولنا نحن هذا الشعب المسكين في هذا البلد الأمين أيام للتألم والشكوى من البلوى تلو البلوى يأبى المخزن العتيد إلا أن يجعل دهره موسوما بها وبكل ما ينغص على الناس ذكرياتهم. مناسبة هذا الكلام أنه تحل بنا هذه الأيام الذكرى الرابعة للحملة المخزنية الشرسة على جماعة العدل والإحسان تلكم الحملة التي ليست إلا استمرارا لتاريخ طويل من التسلط الذي يتقنه زبانية الجبر منذ أن كان. وإن المرء لتعجزه الحيلة والأعذار أن يجد للحكام في بلدنا على تواليهم عتيقهم وجديدهم مكرمة تحسب لهم، فأينما وليت وجهك وقلبت أوراقك لا تجد إلا ذكريات القمع والمنع والحصار لكل صوت حر لا يدخل جوقة المبجلين المادحين المنبطحين زورا وبهتانا.

وكان الحصاد

إلى حدود نهاية أبريل 2010، وحسب ما أعلنت عنه الهيئة الحقوقية للجماعة بلغ حصاد الحملة المخزنية على الجماعة منذ انطلاقها في نسختها المتجددة ما مجموعه (6481) معتقلا، من بينهم 1026 امرأة، و بلغ عدد المتابعين أمام القضاء (1268)، من بينهم 73 سيدة، ووصلت الغرامات المالية (5527215.00 درهما)، زد إلى ذلك البيوت المشمعة، والتضييق على الأرزاق، والحرمان من الوثائق الإدارية، وغير ذلك من الانتهاكات المتعلقة بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ناهيك عن أنواع من التعسفات التي عانى ويعاني منها عشرات الآلاف من أعضاء الجماعة وأقاربهم).

حصاد الحملة إذن -وبئس الحصاد- اعتقالات بالجملة لا تفرق بين الرجل والمرأة والطفل والرضيع والجار والمار.

مراقبة دقيقة للبيوت وإحصاء للأنفاس وتنصت على الهواتف.

مطاردة في الأرزاق وطرد من الوظائف وإغلاق لمحلات الاسترزاق.

مداهمات خارج القانون ونشر الإشاعات والتجسس ومحاولات التجنيد

أينما وليت وجهك لا تجد إلا القمع والمنع.

لنتذكر ونذكر، لا نمل ولا نكل: إن هذه الحملة ليست إلا نسخة جديدة منقحة ومزيدة (رديئة على كل حال، جبانة في كل الأحوال) من القمع المسلط على الجماعة وأنشطتها منذ أن قامت وكانت، فهي ليست جديدة على الجماعة وليست مستغربة من مخزن جوهر تكوينه ولب بنيته القمع والمنع.

سر الثبات

لا أعتقد أن يستهدف المخزن العتيق من حملته هذه ترهيب الجماعة والحد من فعاليتها إنما يقصد منها ترهيب الناس وبث الرعب في قلوبهم.

إن غاية المخزن ليست تخويف الجماعة فقد خبر طوال سنوات أنها بحمد الله لا تخشى إلا الله عز وجل، ولكنها الأماني غير المعسولة يمني بها المخزن وأذنابه أنفسهم.. عسى.. وعسى أن تكون العصا مجدية بعد أن لم تنفع الجزرة، جزرة الإغراءات والمساومات والاحتواء. فالغرض أساسا بعد الاستمرار في تجربة العصا علها تؤتي أكلها يوما هو إشغال الجماعة عن مهماتها الأساسية المتمثلة في الدعوة إلى الله من خلال صرفها عن تربية وتكوين وتأطير أعضائها وتنويع مجالات أعمالها، فلا يكون لها من شغل سوى الغرق في تفاهات المخزن وحماقاته، ثم هي حملة موجهة إلى عامة الشعب لعزل الجماعة عنه وتخويفه وترهيبه فيحجم عن الجماعة، وهو ما خسر فيه المخزن خسرانا مبينا لاستمرار الجماعة في خطها اللاحب تربية متكاملة وتكوينا مستمرا وامتدادا متزنا.

ربحت الجماعة كما في الحملات المتتالية والمتزايدة، المتنوعة والمختلفة:

• نجاعة التربية لدى الجماعة، فأعضاؤها المعتقلون يعودون لنفس البيت للاستمرار في أنشطتهم، بل كل ما زاد التضييق إلا وانتعشت المجالس وتقوت وكثر الوافدون.

• تمحيص صفها واختبار أعضائها فالفتن لا تزيد المومن إلا نقاء وارتقاء. وقد أثبتت النتائج أن الجماعة لا يقعقع لها بالشنان ولا تغمز تغماز التين.

• تماسك صفها وتداعي أعضائها للتضامن والمواساة والتآخي وتقوية الجانب الاجتماعي والنفسي، وتقوية معاني الاحتضان والمواساة والتحفيز على الحضور الدائم، وحمل هم الدعوة تقوية الجبهة الداخلية.

• زيادة إسماع كلمة الجماعة وتطلع الناس لمعرفة لماذا يقمع هؤلاء ويحاصرون. فيكتشف الناس معدنا جديدا صافيا نقيا، وتتعرف شرائح جديدة ومختلفة على الجماعة وفكرها.

• التأكيد على جدية المقاربة التي تطرحها الجماعة، وعلى فضح دعاوي المخزن العتيق الجديد وادعاءاته في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية. وعلى أنه مادام الاستبداد قائما والتجبر كائنا فلا إصلاح يرجى ولا تغرر يتمنى، إنما هو تسويق للأوهام والأحلام.

إن الدعاوى التي ينشرها المغرضون، وتدعمها الآلة الإعلامية الجبارة المائعة المتسلطة ومن يقتات من فتات موائدها من الجبناء والمغرضين والمرجفين الكذابين ومحترفي الإشاعات وصناع الأكاذيب لم تفلح في إقناع أحد بتراجع الحركة الإسلامية ولا بتراجع مد الجماعة. إنما هي سياسة زرع التشكيك والتيئيس التي برع المخزن في صناعتها منذ زمان.

يحق للجماعة ولأبناء الجماعة أن يفخروا بنصر الله لهم، لأنه أن تجابه مخزنا عتيدا أفلح في قتل الناس، وهزم الناس، وترويض عتاة المناضلين وإدخالهم حلبة الطبالين المزوقين شهادة الزور، أن تبقى واقفا في معركة غير متكافئة الموازين مع دولة لها أساطينها من المخبرين والمتسلطين والقامعين لهو انتصار بكل المقاييس، قد لا تفهم كيفيته بالمعايير البشرية لأنه لا قياس مع وجود المخزن ولكن عناية الله حاضرة وقائمة.

يكمن سر الثبات، ثبات الجماعة في:

• اللجوء الدائم لباب الله واستمطار نصره. إنها واجهات السماء، وسهام الأقدار في ليال الأسحار دعاء وحسبلة وتفويضا لجناب المولى الجبار يقصم ظهور الظالمين ويأخذهم كما أخذ من هم أشد بطشا وأقوى جندا.

• التربية الدؤوبة الحنونة المتواصلة في المحاضن ومجالس الخير، مجالس الذكر والنصيحة بصحبة القيادة الربانية الموصولة بالله التي تجتنب العنف وردود الأفعال.

• وجود منهاج عمل واضح محدد للأهداف وانشغال تام بالغاية الكبرى: الإحسان، والهدف الاستراتيجي الذي هو الخلافة على منهاج النبوة التي يخيف ذكرها خفافيش الظلام.

• القدرة على التواصل والخروج من شرنقة الحصار لبث دعوة الله ودعوة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، من خلال إبداع أشكال جديدة ومتنوعة لتبليغ الدعوة واستمرار المجالس وإنجاح اللقاءات دون كلل أو ملل.

أصل البلاء

أصل بلائنا وسبب مصائبنا الاستبداد والجبر.

قولوا لي: بالله لماذا تحاصر جماعة العدل والإحسان؟ ألأنها نظمت أبوابا مفتوحة للتواصل مع الشعب؟ ألأنها نظمت مخيمات في البحر للاستجمام؟ ألأنها وزعت ملابس ومساعدات لمن أصابتهم الفيضانات؟ ألأنها تعقد مجالس “غير مرخص لها وتجمعات غير قانونية”؟ ألأنها “خارجة على الإجماع”؟ ألأنها تدعو إلى “العنف” وتدعو إلى “الميوعة والفساد”؟

لا ثم لا…، إنما تحاصر الجماعة وتمنع وتقمع لأنها تشير إشارة واضحة لا لبس فيها إلى رأس المصائب الذي هو الاستبداد بالحكم والاستفراد بالرأي والتحكم في البلاد والعباد، فبأي منطق؟ وبأي شرع؟ بأي قانون؟ يجيز أناس لأنفسهم ولأفراد دولتهم أن يدعوا القدسية لآرائهم ولقراراتهم ولمقولاتهم، وقد أقر الشرع الحكيم والعقل الإنساني والحكمة البشرية أن: “كل ابن آدم خطاء وأن خير الخطائين التوابون الراجعون إلى الله”.

عند حلول الاستبداد تغيب الحرية، يغيب الإبداع، فتنشر أوبئة الفساد وتستشري جراثيم الإفساد والرشوة وتكثر الأمراض والرذيلة، وهي أمراض ولله الحمد الذي لا يحمد على مكروه سواه نحتل المراتب الأولى فيها حسب التقارير الدولية والوطنية، فالاستبداد إذن صنو الفساد وأخوه بل أمه وأبوه.