تتطلع الشغيلة عالميا إلى هذا اليوم كل سنة للوقوف على إنجازاتها النقابية وإخفاقاتها وعوائق مسيرتها النضالية تشوفا إلى مستقبل أفضل تحفظ فيه كرامة العامل و تصان فيه آدميته.

وتأتي مناسبة العيد الأممي للعمال هذه السنة 2010 م في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية التي أودت بملايين مناصب الشغل وأثرت بشكل سلبي خصوصا على الاقتصاديات الضعيفة التابعة للرأسمال العالمي.

ترى كيف يستقبل المغرب هذه المناسبة؟ وما الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية على سوق الشغل؟ وما مصير “الرؤى الاقتصادية الحكومية” و”الأوراش الكبرى”؟ وما مسئولية الإطارات النقابية في ما آلت إليه أوضاع الشغيلة؟

فاتح ماي 2010 بالمغرب.. مشهد “سريالي”!!!

تستقبل الشغيلة المغربية عيدها الأممي هذه السنة في مشهد أقل ما يقال عنه أنه “سريالي” بفعل التصرفات اللاعقلانية للنقابات والحكومة المغربية، هاكم بعض من لقطاته:

• الحكومة تدشن “حوارا اجتماعيا” مع الفاعلين النقابيين، وبعد جولات تخرج علينا بإجراءات أحادية.

• نقابات لأحزاب حكومية تدخل في إضرابات وأخرى معارضة تمتنع عن الإضراب.

• نقابات معارضة تخوض الإضراب فيما بعض نقابات الحكومة تصدر “فتاوى” نقابية تحرم الإضراب وتجرم القائمين به.

• تمرير مدونة النقل في قاعة للتشريع شبه خالية يرهن مصير ومستقبل مآت الآلاف من السائقين، واستدعاء الداعين للإضراب احتجاجا على ذلك من طرف ممثلي السلطات العمومية بالمدن و تهديدهم وإرغامهم على الامتناع عن الإضراب.

• نقابة موالية لحزب في الأغلبية تعدد إنجازات الحكومة في المجال الاجتماعي وتلوح بعدم الاحتفال بعيد العمال في مزايدة على نقابات معارضة.

هذه الخلفية المتخلفة في التعاطي مع نضالات العمال من طرف الدولة والنقابات، وهي قليل من كثير، تسوغ لنا وصف المشهد النقابي ببلدنا بالعبث، وتؤشر لتراجع خطير على مستوى القيم النضالية المتعارف عليها.

“الرؤى الاقتصادية الحكومية”.. وواقع الأزمة العالمية

الخطاب الإعلامي الرسمي ما فتئ يبشر بـ: “الرؤى الاقتصادية الحكومية “ويمجد” الأوراش الكبرى” التي تمخضت عن أكاذيب عظمى من قبيل: المخطط الأزرق و10 ملايين سائح ومدن بدون صفيح… إلخ.

فالأزمة العالمية التي أتت على مراكز الاقتصاد الغربي القوي و المهيكل و أطاحت بإمبراطوريات مالية وصناعية ضخمة كان ولابد أن تعصف باقتصاد ضعيف يعتمد أساسا على الريع وتنعدم فيه شروط المنافسة الشريفة كالاقتصاد المغربي.

وهكذا شاهدنا تبخر العديد من المشاريع الاستثمارية الكبرى أو إعادة برمجتها برأسمال محلي بعد انسحاب مساهمين على الصعيد الدولي كالوحدة الصناعية للسيارات بطنجة وتهيئة ضفتي أبي رقراق وغيرها كما سحبت العديد من فروع الشركات العابرة للقارات أموالها من البنوك المغربية لمواجهة آثار الأزمة ببلدانها الأم فيما قلت وبشكل خطير تحويلات المغاربة بالخارج وتراجعت عائدات السياحة، مما هدد بشكل خطير السيولة ببنك المغرب ودفع واليه لرفع “الفيتو” في وجه الوزير الأول بخصوص الزيادة في أجور العمال إبان جلسات الحوار الاجتماعي مع الفرقاء النقابيين.

و مع ما سبق بيانه، لم تجد الحكومة حرجا في زيادة أجور الموظفين الكبار واقتطاع ملايير محترمة من أموال الشعب لصالح الشركات الكبرى فيما أجور صغار الموظفين جامدة تحت سطوة الأسعار الملتهبة، مما وسع بشكل فظيع الهوة بين المترفين والمستضعفين بالبلد عملا بالمثل الشعبي: “زيد الشحمة في ظهر المعلوف”.

قد يقول قائل: هذه أزمة عالمية أصابت كل بلاد الدنيا، ولسنا بدعا من الأمم.

لا بأس، لكن إطلالة سريعة على بعض مؤشرات سنة 2009 م الكارثية قد توضح الوضع العام وتكشف الحالة المزرية لبلدنا:

* تراجع المغرب للرتبة 89/180 في مؤشر إدراك الرشوة بحسب “ترانسبارنسي المغرب” بفقدانه 9 نقط.

* احتلاله للرتبة 93/178 في مؤشر الدول الفاشلة، حسب تقرير “مؤشر الدول الفاشلة”.

* حيازته الرتبة 106/128 في مؤشر تطور التعليم حسب تقرير اليونسكو حول التعليم.

* تراجعه إلى المرتبة 127/175 في حرية الصحافة بناءً على التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تعده منظمة “مراسلون بلا حدود”، والمرتبة 140/195 حسب ترتيب منظمة بيت الحرية “فريدم هاوس”.

* تصنيفه في الرتبة 120/167 حسب مؤشر الديمقراطية في تقرير دولي أعدته “وحدة الايكونوميست” البريطانية ضمن خانة البلدان ذات النظام السلطوي.

وبعيدا عن هذه التصنيفات المهينة والمراتب المخجلة، نسوق مثالا واحدا للشحنة التخريبية للفساد بالمغرب والمتجسد في سرقة 115 مليار درهم من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وهو المبلغ الكافي لتوفير 4 ملايين منصب شغل بحسب الادعاء العام للمحكمة الرمزية التي بثت في النازلة.

بهذا نصل إلى نتيجة ساطعة لا ينكرها إلا مكابر أو بوق للدعاية المخزنية مفادها أن بلدنا مهدد أكثر من أي وقت مضى بفعل السياسات الاقتصادية والاجتماعية اللامسؤولة واللاشعبية لفئة من المتنفذين الذين لا يهمهم سوى سرقة مقدرات هذا الشعب الكادح وامتصاص دمائه.

“النقابية المغربية”.. والعجز المزمن

لا يكاد يختلف اثنان على حقيقة العجز المزمن الذي تعيشه “النقابية المغربية”، بفعل ترهل القيادات وشيخوختها مع تمسكها المرضي بكراسي الزعامة، وضعف الانخراط في العمل النقابي الناتج عن فقدان الثقة في أغلب الإطارات النقابية وتبخيس الممارسة النقابية بسبب الصورة النمطية السلبية للعمل النقابي التي روج لها الإعلام الرسمي خلال سنوات عديدة.

ففي زمن التكتلات والتحالفات الكبرى لا زال المشهد النقابي المغربي يفرخ بين الفينة والأخرى نقابات بفعل انشقاق الأحزاب السياسية أو الخصومات الطفولية بين بعض القيادات النقابية، كل ذلك بفعل انعكاسات الجو العام الذي يطبع الحياة العامة بطابع الجمود والتكلس الناتج عن الاستفراد بالقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهلم تسلطا.

ولئن كان المنزع التسلطي الاستبدادي قد أفرغ الحياة السياسية المغربية من محتواها و تكفل بدفع حوالي 80% من المغاربة لمقاطعة انتخابات شتنبر 2007م، فإن عجز النقابات المغربية عن تحقيق الحد الأدنى من الديمقراطية الداخلية وضمان التداول على القيادة والتوحد فيما بينها أو تنسيق الجهود في المعارك النضالية على الأقل، قد أسقط الممارسة النقابية في أعين الكثيرين وضخم عندهم نظرة الازدراء لكل فعل نقابي.

وبالمحصلة، ما يقع في المشهد النقابي يعد انعكاسا طبيعيا لما يقع في الميدان السياسي بشكل عام، وعليه لا يرجى الخروج من العجز المزمن “للنقابية المغربية” من دون التوافق على “جبهة نقابية” بما هي إطار يحقق أشواق العمال في الوحدة والتكاتف و تحقيق المطالب العادلة بعيدا عن كل تأثير سياسوي، ويفرض قواعد تعامل عادلة تحكم العلاقة بين ثلاثي العملية الإنتاجية: الرأسمال والدولة والعمال.

وكل عام والشغيلة المغربية تسمو فوق جراحها… تشوفا إلى غد العزة والكرامة.