لم يتأخر الحراك التركي كثيرا، بل لقد جاء أسرع من المتوقع، وذلك لما لمسه من تطور في الدور الأمريكي في المرحلة الراهنة، وجاء الحراك التركي على واجهتين أساسيتين.

الواجهة الأولى كانت على شكل قمة ضمت إضافة إلى سوريا الغريم الحالي للولايات المتحدة، دولة قطر الدولة العربية الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية والتي تضم قاعدة عسكرية أمريكية دائمة بالشرق الأوسط، وهذا الحضور اللافت لقطر من شأنه إرسال رسالة مهمة إلى كل من الكيان الصهيوني الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية مفادها أن الدول العربية لن تتخلى عن الدولة الشقيقة سوريا، وأن الحراك الأمريكي الرامي إلى زعزعة الوضع السوري ودفعه إلى القبول بخيار التطبيع والحد من الممانعة والانحياز لإيران غير مقبول على الأقل بالأسلوب الترهيبي الحالي.

الحضور القطري قد يدفع في اتجاه تحرك المملكة العربية السعودية، الأمر الذي ستضطر معه مصر إلى الإسراع بإيجاد موطئ قدم لكي تبقى في واجهة الزعامة العربية بدعوى الاهتمام بالدبلوماسية العربية، على اعتبار أنها تضم مقر الجامعة العربية وأمينها العام وأن كل الحلول مع الطرف الإسرائيلي تمر عبر “الوسيط” المفاوض المصري.

القمة الثلاثية التي ضمت تركيا وسوريا وقطر وهي دول مجاورة لسوريا وتضم قواعد وعناصر من القوات الأمريكية، كانت يحمل في ثناياها كذلك رسالة إلى الجانب الأمريكي وتطمينا للجانب السوري، يتمثل في أن الدولتين لن تفتحا مجالاتها الجوية قصد ضرب الأراضي السورية في حالة إقدام الولايات المتحدة على التفكير في إنجاز ضربة عسكرية، وهذا هو الأمر الذي سعت إليه “إسرائيل”، ذلك أن الحربين الأخيرتين، بين الكيان الصهيوني وحزب الله ثم حماس، أبانت عن ضعف عسكري في الجانب الإسرائيلي، مما يدفعه إلى التفكير في رد الاعتبار والذي لا يرى له سوى أسلوب الردع باستعمال القوات العسكرية الأمريكية قصد إعادة “التوازن” وترهيب الدول العربية، وكذا إنذار “المارد” الإيراني.

وقد جاء الرد العملي للتعاون التركي السوري على شكل منصات مضادة للصواريخ، قامت تركيا بنصبها بإحدى القرى التركية القريبة من الحدود السورية، الهدف منها منع الطائرات الإسرائيلية من اختراق المجال الجوي التركي وهي في طريقها لشن غارات على سوريا أو على إيران.

الواجهة الثانية، وهي الشوكة في حلق الولايات المتحدة الأمريكية وكذا الكيان الصهيوني، جاءت على شكل استضافة الرئيس الروسي، والذي قام قبل زيارته لتركيا بحط الرحال في سوريا حيث ثم الاتفاق على صفقة تزويد سوريا بمجموعة من العتاد العسكري، لكي تتمكن سوريا من اعتراض أي عدوان على أراضيها، الشيء الذي أثار غضب وحنق الجانب الصهيوني. “إسرائيل” التي باتت اليوم في قلق متزايد من صواريخ حماس التي طالت الأراضي الإسرائيلية، وكذا من صواريخ حزب الله التي أرغمت “الشعب الإسرائيلي” على الاختباء في الملاجئ أكثر من 30 يوما، قررت نصب “القبة الفولاذية” وهي مجموعة من المنصات المضادة للصواريخ القصيرة المدى في مجالها الترابي لاعتراض صواريخ حماس وحزب الله، والتي عجزت المقاتلات والطائرات الإسرائيلية في التصدي لها.

ويبقى الوضع مرشحا للتصاعد خصوصا وأن المنطقة تعتبر من أكثر المناطق تسلحا في العالم، وتبقى “إسرائيل” وسط الهلع بعد أن اختلت موازين القوة التي كانت تحمي الكيان الصهيوني ومجاله الترابي.