أقدمت الولايات المتحدة مؤخرا، في خطوة استفزازية، على تمديد العقوبات الاقتصادية على سوريا لمدة سنة كاملة، وقد كانت سوريا تعرضت خلال حقبة حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش سنة 2004 إلى عقوبات اقتصادية بسبب ما وصف أنها من الدول الداعمة للإرهاب في إشارة إلى ما قد يكون دعما تقدمه سوريا لحزب الله.

وقد عرفت العلاقات السورية الأمريكية تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، مما جعل الكثير من المراقبين يتوقعون أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية على سوريا، خصوصا وأن الجهات الرسمية السورية كانت قد انفتحت على حوار غير رسمي مع الكيان الصهيوني الذي ظلت ترفض الجلوس معه على طاولة مفاوضات ومباحثات مباشرة كما فعلت أغلب الأنظمة العربية لحل مشكل الجولان المحتل، وطبعا وفق أجندة إسرائيلية.

وتتمثل الأجندة الإسرائيلية للتقارب السوري أساسا في:

– تكسير جبهات المقاومة الأخيرة للدول العربية خصوصا الجانب السوري الذي ظل لزمن طويل يرفض مبدأ “الانفتاح” و “التطبيع” مع العدو الصهيوني منذ عهد الراحل حافظ الأسد.

– زحزحة الجبهات المحيطة بالعدو والمتمثلة في جبهة حماس، وجبهة حزب الله بجنوب لبنان المدعوم من طرف إيران، والجبهة السورية.

– فك الترابط الموجود بين لبنان وسوريا خصوصا وأن سوريا كانت دائما السند العسكري والسياسي لبعض القوى النافذة في الحقل السياسي اللبناني، وبذلك يستطيع الكيان الصهيوني الإنفراد بلبنان الممزق والمنهك عشائريا وسياسيا واقتصاديا وطائفيا.

– ضرب التقارب السوري اللبناني الإيراني، خصوصا بعد لقاء القمة الثلاثي الذي جمع بين الرئيس الإيراني أحمدي نجاد والرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، ولقد كان هذا التقارب سببا في إشعال فتيل الأزمة بين سوريا والولايات المتحدة الأمريكية خوفا على الحليف الاستراتيجي “إسرائيل”.

– ضرب التواجد الخارجي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، فمعلوم أن مجموعة من القادة السياسيين لحركة حماس يتخذون من دمشق مقرا لهم، كما أنهم يحضون بتأييد سياسي وشعبي من طرف سوريا يتعدى التواجد والإقامة إلى التنسيق الأمني والسياسي.

غير أن الذي مهد الطريق أمام “إسرائيل” لطلب الدخول في مفاوضات مباشرة مع سوريا هو الاحتضان الذي تقدمه الدول العربية للدولة السورية رغم محاولات النظام الأمريكي وحليفه الصهيوني إظهار سوريا على أنها دولة داعمة للإرهاب وتسعى إلى تقويض الأمن الداخلي لبعض الدول العربية لفائدة إيران. كما أذكاه التقارب السوري الأمريكي في السنوات الأولى لحكم الرئيس الأمريكي أوباما، خصوصا بعد إقرار النظام الأمريكي بالدور السوري الإيجابي على الساحة العراقية.

ناهيك عن الانشغال الأمريكي بالجبهات المفتوحة، وتتمثل في جبهة العراق وجبهة أفغانستان وجبهة الصومال والجبهة الإيرانية وكذا الخوف الدفين من الدب السيبيري الروسي.

غير أن التقارب الأخير بين “قوى الممانعة” سوريا وإيران وحزب الله جعل الكيان الصهيوني يعيد النظر في حساباته وتطلعاته، مما جعله يستنفر الحليف الأمريكي، قصد رفع العصا والتلويح بالعقوبات الاقتصادية ومؤخرا قضية الصواريخ لفائدة حزب الله للضغط على سوريا قصد التخلي عن “المارد” الإيراني وعزل “الخصم” في جنوب لبنان.

وتبقى الإشارة إلى أن احتمال التدخل التركي، الذي لن تستطيع “إسرائيل” الفكاك منه خصوصا مع وجود حزب العدالة والتنمية في الحكم في تركيا، قد يزيد من الضغط على الجانب الإسرائيلي الذي طالما كان يعتبر نفسه المحرك الوحيد للسياسات والتوجهات في منطقة الشرق الأوسط.