موعد يتجدد كل سنة منذ ما يقرب عقدا من الزمن، موعد مع الغناء والموسيقى، إنه مهرجان موازين الدولي الذي يترأسه مدير الكتابة الخاصة للملك. ميزانية قدرت بملايين الدراهم، وهي في ارتفاع مستمر، خصصت لتوزيعها على مشاهير الغناء العالمي الذين تستقبلهم عاصمة المملكة. من خمسين دولة قدموا، ومن قارات العالم الخمس قد نزحوا يتقدمهم مغني الجاز الأمريكي “آل جارو” والمغني الإنجليزي المعروف بشذوذه الجنسي والذي سبق أن أساء لنبي الله عيسى عليه السلام في حوار له في مجلة “بارايد” الأمريكية حيث قال: إنه يعتقد أن يسوع المسيح كان مثلي الجنس ويفهم مشاكل الرجال). منع هذا الشاذ من دخول مصر، لكنه مرحب به في المغرب، بلد “الانفتاح” و”الحريات”، الذي تصادر فيه الكلمة الحرة وتغتال، ويساق الشرفاء إلى المعتقلات لأنهم صاحوا في وجه الاستبداد: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟).

لا يستطيع المرء أن يكتم أحزانه وهو يرى هذا المستوى من الفساد، والانحطاط، وفي دوامة الأحزان تنطلق علامات استفهام وتعجب تطرح نفسها دفعة واحدة، متوجهة إلى كل ضمير وطني فيه بقية من إيمان وحب للوطن.

أي مصلحة للوطن في تنظيم هذه المهرجانات بهذا الحجم، وبهذا المستوى من التبذير والعبث في أموال الشعب وهو في أمس الحاجة إلى لقمة تسد رمقه، ودواء يسكن ألمه، وعمل يسترد به كرامته، وبيت يأويه…؟

هل يعقل صرف 3 ملايير درهم في أسبوع واحد على أهل الغناء والطرب، وبلدنا يحتل المرتبة 96 بين 135 بلد حسب مؤشر الفقر البشري (IPH-1)، مع احتمال الوفاة قبل 40 سنة لـ6،66% من السكان.

كيف يسمح هؤلاء لأنفسهم أن ينفقوا من أموال الشعب هذه المبالغ على المهرجانات، و%17 من السكان لا يستخدمون مصادر الماء الشروب؟

لماذا لا تستثمر هذه الأموال في حل مشكلة الأطر المعطلة التي تطاردها العصا المخزنية في شوارع العاصمة التي ستكون مسرحا للمهرجان؟

لماذا لا توظف هذه الأموال في توفير الأمن والأمان في مدننا التي تتزايد فيها حدة الجريمة، حتى ما عاد المرء يأمن على نفسه في واضحة النهار؟.

لماذا هذا الإصرار على تبذير أموال الشعب فيما يضره ولا ينفعه في شيء؟

لماذا هذا التحدي في استقدام الشواذ ضدا على كل قيم وأخلاق المجتمع، وهل يمكن أن يوصف ذلك كله بأقل من أنه تمييع للمجتمع، ومساهمة بشكل مفضوح في تدمير حصونه.إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبواوأعظم مصيبة تصاب بها الأمة هي أن تصاب في قيمها وأخلاقها، لأنها إصابة في مقتل.وإذا أصيب القوم في أخلاقهم *** فأقم عليهم مأتما وعويلا لقد أصبح هذا الوطن يشكو من إفلاس كبير في مضمون أخلاقه، وهذا يظهر من خلال هذا الانحدار غير المسبوق في هذا المجال، وعلى هذا النحو الذي تجاوز فيه كل الحدود، أعراس للشواذ وجمعيات لهم، واستدعاؤهم واستقبالهم بحفاوة، إنها العناوين الكبرى للعهد الجديد، عهد “الانفتاح” و”الحرية”، وهذا الحدث ليس مفاجئا، ولكنه كاشف لحقيقة مخجلة، خلاصتها أن النخبة الماسكة بزمام الأمور والتي تتصدر الواجهات في هذا الزمن مقطوعة الصلة بتاريخ وثقافة هذه الأمة وإن زعموا عكس ذلك. قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

ما أبعد البون بين من يبنى وطنا وبين من يدمره، تذكرت قصة مفجر الثورة الصناعية اليابانية “تاكيو أوساهير” أرسلته حكومته للدراسة في جامعة هاسبورغ الألمانية لدراسة الميكانيك العلمية، فذهب وكل حلمه وأمله أن يتمكن من تعلم صناعة المحركات، وأثناء دراسته علم الإمبراطور الياباني بجده واجتهاده، والحلم الذي يسيطر عليه أن يرى وطنه من بين الأمم الصناعية، فأرسل إليه من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهبا ليستعين بهذا المبلغ في المشروع الذي يحمله. أنهى تاكيو أوساهيرا دراسته وعاد إلى وطنه لينشئ مصنعا للمحركات. يقول أوساهيرا: وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة محركات صنعت في اليابان، قطعة قطعة، حملناها إلى القصر، ووضعناها في قاعة خاصة، بنوها لنا قريبا منه، وأدرناها، ودخل الميكادو -أي الإمبراطور- وانحنينا نحييه، وابتسم وقال: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة).

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.