وبعد، فهذه قصيدة من ذاكرة الحصار، نظمتها في ذلك الموقف الرجولي الذي وقفه المؤمنون من جماعة العدل والإحسان يوم الثلاثاء 13 شوال 1410/8 ماي 1990، بمدينة الرباط، بمناسبة انعقاد الجلسة الأولى، بمحكمة الاستئناف، للنظر في ملف استئناف السادة أعضاء مجلس إرشاد الجماعة المعتقلين، وهو الموقف الذي فضح الوجه البوليسي القمعي للنظام المخزني؛ في جملة، إنها وصفٌ من شاهد عيان:قد كذّب الفعلُ ما قد غنّت الخطبُ1 *** ومُزّقت عن مخازي قومنا الحجبُ
يا رُبّ يوم به الأصنام قد خُذلت *** وأقلق الزحفُ صفّ القوم فاضطربوا
وبدّدت شمعة الإيمان ليلهُمُ *** قد خاب ما بيّتوا مكرا، وما حسبوا
ويوم محكمةٍ ذكراه تحفزني *** جدْ يا شعوري، ولا تبخلْ بما يجبُ
حدّثْ عن الرّعب كيف الأمنُ معدِنُه2 *** قد ساء أمنٌ هو التّسليم والرّهبُ
يومٌ به استنفر الإرهابُ قلعته *** من كل لون من الألوان3 قد جلبوا
قواتُ رعب، ولا أمنٌ، قد انتشرت *** يوم “الثلاثاءِ من مايو”، فما السببُ؟
أهْوَ اللحى أن تصيب الشعبَ غيرتُها، *** ويفضحً الصدقُ دعوى كلُّها كذبُ؟
أهْوَ الشبابُ الذي شعّت طهارتُه *** فهْو الدّماء لهذا الأمر4 والعصبُ؟
نجابةٌ في ثرة الإيمان مغرِسها، *** عروقُها ثرّة، أغصانُها رُطُبُ
(إن الغصون إذا عدّلتها اعتدلت *** ولا يقوم إذا عدّلته الحطبُ)
نبعُ الفتوّة أعمارُ القلوب، فقد *** تذوي الجسومُ وروح القلب منتصبُ
سلْ بالفتوّة من حبّوا ومن صحبوا *** ومن همُ في رضاء الله قد رغبوا
ودعْ خطابا على الأوراق عمدتُه *** إن الرجولة لا تدري بها الكتبُ
أم أجمعوا أمرهم خوفا كما زعموا *** على الرعيّة أن تجتاحها الكُربُ؟
بل تهمة القوم للفتيان أنهمُ *** في مركب العدل والإحسان قد ركبوا
ترصّدوا لهم كل المراصد قد *** أملى لهم أن حق الناس مغتَصب
فأثقلت نفْرة البوليس عاصمةً *** كأن أمرا خطير الشان مرتَقَب
كم عُدّةٍ جنّدوا في مكرهم فإذا *** مكرُ السفاهة بالخسران ينقلب
كمْ من سِيارة رُعب حُرّكت هدَرا *** فالمالُ يُنفق والآثام تُكتَسَب
والناس في الحجز لم تضعف شكيمتُهمْ *** نعم البلاءُ، ونعم الأجر ما كسبُوا
لم يَثنهم عن جميل الحِلم ما سمعوا *** من الأذى، فجميل الصبر مُحتَسَب
ورُبّ محكمةٍ ضجّت مرافقها *** من شدّة الرّعب، فيها العدل مُغتَرِب
قد أمّها الناسُ من كلّ المناطق لمْ *** يمنعهمُ الرّصدُ والطّوق الذي ضربوا
تجمّعوا وجمالُ السِّلم سمتُهُمُ *** أما “العُبَيْدُ”5 فقد أزرى به الغضبُ
قد أحنقته جموعٌ لا يُفزّعُها *** لحنُ الولاة، فإن العار إن هربوا
تجمّعوا لانتزاع الحق يسلبه *** حكمُ الذين عن المنهاج قد نكبوا
فالعينُ من موقف الإخوان قد دَهِشت *** والقلب من روعةٍ قد مسّه العجب
و(البرلمان) سكوتُ الموت حقره *** ما البرلمان، وهذا الجرمُ يُرتَكَب؟
أبرلمانٌ وهذا الدّين مُتّهمٌ *** بجنبه6، هو ذا في لبّه اللعبُ
أين العدالة في الحكم الذي صنعوا، *** أهْي التجاوزُ والتّزوير والرُّعُبُ7؟
أبرلمانٌ يُزكّي عنفَ أجهزة *** في ظهر شعب لها من حرّه8 لهب
أبرلمانٌ وبالقرب الهراوة قدْ *** سادتْ، وفي مجالسه الأمداحُ والأدبُ
ما البرلمانُ إذا كانت شريعته *** مضغَ الكلام، ونار الظلم تلتهبُ
إنْ يسكت البرلمانُ اليومَ تزكيةً *** فإن موعد صبح العدل يقتربُ
والشعبُ قد رشدت بالدّين همّته *** إن الوصايةَ قد أودت بها الحقب
صبرا، أخي، إن رمانا القومٌ مظلِمةً9 *** إنا، بجدٍّ، ضياءَ الفجر نرتقب
لا السّجن، لا الرّعب، لا التزوير، يُسكتنا *** إنا رجالٌ إلى الإحسان ننتسب
نحبّ في الله، أما الظلم نبغضه *** اِركبْ أخي، في سبيل الله نصطحبُ10
أبو عمر، في مراكش: الخميس 22 شوال 1410 / الموافق ل17 ماي 1990.

1- المقصود ما تروج له الخطب الرسمية من شعارات في شأن حقوق الإنسان.

2- اللفظة هنا تعم جميع المؤسسات البوليسية.

3- المقصود أنواع مختلفة من قوات القمع بأزيائها المميّزة.

4- أي أمر الدعوة الإسلامية.

5- الإشارة بالعُبَيْد هنا إلى والي العدوتين (الرباط وسلا)، الذي حضر إلى مكان التجمع، فلم يعجبه ذلك السلوك السّلمي، ولم يرض حتى أسالت الهراوة دم المُسالمين.

6- الإشارة هنا إلى محكمة الاستئناف التي تقع بجوار (مجلس النواب)، بشارع محمد الخامس بالرباط.

7- في اللغة، رَعَبَه يرعَبه رُعْبا ورُعُبا أفزعه وخوّفه.

8- الضمير يعود على (عنف) الأجهزة.

9- أي ظلما.

10- لا أعتبر الرفع هنا ضرورة ولا لحنا، وذلك لأمرين، أولهما أن قاعدة جزم جواب الطلب ليست مطّردة في لسان العرب، وثانيهما أن آراء النحاة في المسألة فيها اعتبارات توجب الرفع وأخرى تجوزه.