مهرجانات بالجملة، ومسلسلات مدبلجة بالعشرات، ودعم سخي لأفلام تحارب القيم والفضائل وتدعو للانحلال والرذائل، إنه الثالوث الذي يشكل أساس “السياسة الثقافية” الرسمية ببلادنا.

فإذا كانت الثقافة تجسيدا حضاريا لهوية المجتمعات والأمم، وإذا كان الفن بجميع أجناسه وأشكاله واحدا من تجلياتها التعبيرية، وركيزة من ركائز دعم قيمها وتطوير منظومتها، فإن السياسة الثقافية مدعوة لتحمل مسؤولية انهيار القيم وتقهقر الذوق الجمالي الذي يعرفه مجتمعنا، خاصة في صفوف الشباب الموكول إليهم أمر الحفاظ على نقاء وصفاء الإرث الحضاري لثقافتنا المغربية.

ذلك أن الترويج الرسمي للبعد الترفيهي للمهرجانات والأفلام، واعتبار موضوعاتها وأشكالها مجرد محاكاة للواقع وتجاوب معه ومع حاجياته، يخفي حقيقة القوة الضاربة للتأثير النفسي والاجتماعي الذي تملكه هذه الوسائل الفنية، وقدرتها الخارقة على تفتيت الأخلاق والقيم وتشويه الهويات وتهجير الوعي، والانشغال عن الذات وهمومها وحقوقها بنوبات سرابية، إنه الوضع المناسب للمتاجرة بآخر وأثمن ما تبقى من ثروات هذه البلاد.

وإن لم يكن الأمر كذلك فأين هي الثقافة المغربية من كل هذا؟ أين سندها الفكري وممارساتها العريقة؟ لقد رُسمت السياسة الثقافية بخطوط حمراء، ولجأ إليها “فنانو” انتهاز الفرص “الثمينة”، كما جُرَّ إليها آخرون لمواجهة حالة الفاقة والعوز، ليساهموا في الترويج لنمط ثقافي بلا ثوابت إلا الالتزام بالخط السلطوي، في حين يكون الإقصاء والتهميش نصيب من لم ينسجم مع هذا الخط وآثر الغربة المؤلمة في وطنه على أن يبيع رصيده الثقافي لمن يوظفه في تجميل وجه الاستبداد.

إن الطبق الثقافي الذي يتغذى منه المواطن المغلوب على أمره يجعله أسير الضياع والتشرذم واليأس، وجلد الذات بل والسعي للانسلاخ عنها في محاولة لامتصاص آثار الصدمة، مما يولد شللا يكرس ظواهر ثقافة الهزيمة، التي تعيق كل محاولات النهوض من تحت رماد المرحلة والتأسيس لبناء إبداعي يكون ملاذا من عواصف التقلبات والانكسارات المجتمعية الكبرى.

تأتي حمى المهرجانات هذه، المناقضة والمستهدفة صراحة لهوية الأمة ودينها، في وقت يقول فيه المجلس العلمي الأعلى ومسؤولو الشؤون الإسلامية أنهم “حراس الأمة” الذين يذودون عن حماها، فما هو الموقف الشرعي والأخلاقي من هذه الملتقيات الهابطة يا أيها العلماء؟ وما سر هذا الصمت عن “السياسة الثقافية” التمييعية التي تضرب في الصميم معاني الحياء والحشمة والعفة وفضائل الأخلاق، وهي المقاصد الإسلامية المأمور بها شرعا والمميزة للمجتمع المسلم والدولة المسلمة؟

أما المستبدون الذين اختاروا، عن سبق إصرار وترصد، هذا المسار التمييعي، ومن يدور في فلكهم من لوبيات تفتيت النسيج الأخلاقي والقيمي للمجتمع المغربي، ويبذرون في ذلك أموال الأمة، فالله سبحانه وتعالى يقول فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.