لطالما سمعت شعار “تقريب الإدارة من المواطنين”، وقلت في نفسي ربما يكون ذلك في زمن قريب، لكن إحساسي كان يتوجه دائما إلى مدير هذه الإدارة، هل يقترب فعلا، وكانت الإجابة أنه قد يحصل أن تقترب الإدارة لكن المدير لن يقترب حتى يلج الجمل في سم الخياط.

واليوم (الإثنين 10 ماي 2010) ثبت ما كان مقارعة فكرية، ذهبت إلى المقاطعة الحضرية لسحب وثيقة “شهادة السكنى” قصد تجديد البطاقة الوطنية، فحصل ما يؤكد أن القائد -نموذج المدير للمصالح الإدارية- لن يقترب من المواطنين، مهما حصل، ومهما كانت ظرفية هذا المواطن.

الإدارة اقتربت لكن حذار أن تقترب منها

في قاعة مكيفة مزينة يجلس قائد المقاطعة الحضرية الثالثة بسوق أربعاء الغرب، حاجبا نفسه عن الروائح الكريهة المنبعثة من المزابل التي تحيط بها يمينا ويسارا، والمواطن في حر الشمس يحجب رأسه عن أشعة الشمس المحرقة بورقة أو ملف أو أي شيء يفي بالغرض، خاصة وأن المقاطعة في فناء لا شجر ولا حجر ولا بناء، كما يحجب أنفه بمنديل يقيه أنفلوانزا مختلف الحشرات والحيوانات الحية والميتة.

ولا أطيل في وصف حالة هذه المصلحة- وقد يسمح الوقت لاحق لوصفها بالكلمة والصورة-، حتى لا أحيد عن قصدي من المقال، مع علمي أنه لا حاجة لذلك أصلا، ومغربنا الحبيب له أمثال لها كثير.

بين القائد والمواطن حاجب وحارس

يحجب المواطن عن القائد ومصلحته منه حاجب مادي، ورقة إدارية يسحبها بدرهم من صاحب “الفوطوكوبي” ونسخة من وثائق ضرورية بدرهمين أو ثلاث، و”تنبر” أقله درهمين لكل وثيقة، وأوسطه عشرون درهما.. هذا إن لم تضف إليها القربان لتقضى حاجتك كما تحب.

ويحجبه كذلك حارس يقف أمام الباب يمنع كل من يرغب في مقابلته لتوضيح، أو تقديم شكاية، أو قضاء مصلحة متوقفة على جرة قلم منه، حارس من أعوان السلطة يعرف جيدا كيف يتعامل مع من يرغب في اللقاء، فيوقفه ويسأله عن طبيعة المقابلة، ويرشد إلى غيره ليخفف عنه أحيانا، ويستوقفه إن لم يجد إلى ذلك سبيلا حتى يستشيره في الأمر، فإن قبل فقد حضي الطالب باللقاء، وإلا فمصيره الرد إلى مصلحة أخرى، أو وسيلة لتحقيق طلبه، أو إلى أجل غير معلوم.

تنبر العشرين درهما مقرر بظهير

هكذا أجابني القائد حين سألته عن سبب امتناعه توقيع “شهادة السكنى” دون تنبر العشرين درهما، ذكرت له أني طالب ومعطل أرهقتني تكاليف التحصيل والتنقل من سوق الأربعاء إلى فاس، وزادني الاحتجاج أمام قبة البرلمان، فلم يأبه لذلك، وكيف يفعل والوزير الأول رغم نداءاتنا المتكررة واعتصامنا في شوارع العاصمة الرباط جوابه يصلنا من الداخلية، عصا طويلة تكسر العظام وتجبر المعطل على التبرع بدمه للشارع العام.

وحتى لا أكون ظالما له، لا بد أن أعلن “شهامة” أبان عنها في محاولة إقناعه لي بدفع جباية هذه الوثيقة، حين قال لي “إذا أردت الشهادة للتسجيل بالحي الجامعي أو نحوه فقد أساعدك اجتهادا مني، لكن في وثيقة مثل هذه فلا”.

لملمت أطرافي لا لأني اقتنعت بالفكرة لكن لثقتي أنه “الراجل هو الكلمة” كما يقول مثلنا الدارج، فلن يرجع “سعادة القائد” عن قراره، ولن يوقع الشهادة، ولن أحصل على إثبات هوية، ولن ولن ولن … فحسبلت وأخذت “التنبر” الذي كنت أحتفظ به لإعادة “شهادة سكنى الأمن الوطني” ودفعته لتوقع الشهادة، رغم أني متيقن أنه يلزمني آخر أدفعه “للأمن” لأثبت أن تلك الشهادة وبعد طول انتظار حقيقية، ولا أدري هل يشكّون في شهادة القائد، أم هناك سبب آخر لإعادة نفس الوثيقة؟؟؟َ!!!!.

كن من شئت وكيف شئت ولكن اصعد الدرج

خرجت من عند القائد فكانت الفاجعة أكبر، معاقة تنزل من على كرسيها المتحرك، وتصعد الدرج إلى الطابق العلوي حبوا على يديها، في مشهد أخرص الألسنة وأدمى القلب وحرك الفطرة فسمعت همسا “لا حول ولا قوة إلا بالله” “والله حتى حشومة” وعبارات أخرى لم أسمعها جيدا لتمتمة أصحابها خوفا من بطش أحدهم.

توجهت مخاطبا أحدهم قبل أن تبدأ حبوها بأن ينزل الموظف للنظر في مصلحتها لوضعها الحرِج، فأسكتني رده وكانت الفاجعة، “لا راه باغية القايد”، عرفت إذاك أن “سعادة القائد” لا يقترب هو، ومن أراده فليصعد، ولينتظر حتى يستأذن له الحاجب من أعوان السلطة، فإن حظي بالقبول فليدخل، وإلا فليرجع، وكم رجع من طالب قرب القائد.

فأيقنت أن الشعارات ستبقى طنانة، وأن الحقيقة لن تحجبها الشمس، وأنه قد يحصل أن تقترب جدران الإدارة، لكن هيهات هيهات أن تقترب خدماتها ومديرها.