بعد هذه المبادرة الشعبية التي تبناها مؤتمر الأحزاب العربية، المتمثلة في جعل 16 ماي يوما للقرار العربي المستقل، يكون الضمير العربي قد استرجع بعضا من أشكال مواساته واستعاد جزء من مطالبه.

الشارع العربي اليوم مرتبك أيما ارتباك، نتيجة قرارات التفرقة منذ سايس بيكو إلى الآن، وجل النخب العربية بعيدة عن العرض الواقعي للقضية العربية، فكيف ترقى إلى مستويات تحليلها واختيار أنسب الوسائل لمعالجتها. وبين هذا وذاك مواطن عربي مغلوب على أمره، لا يعرف إلى حل العقدة العربية سبيلا.

حديث الوقائع

بعد سقوط إمامة الأمة العربية في أفقر أشكالها مع العثمانيين، والمحزن أن التاريخ لن يغفر لبعض العرب الذين كانوا جزء من الدعم المقدم للحلفاء في وجه الإمبراطورية المريضة، بعد هذا السقوط، سارع الغرب في سنة 1916م، وخصوصا فرنسا وبريطانيا، إلى تقسيم الوطن العربي، تخلصا من ذكريات وتركة إمبراطورية منهزمة.

نهش الحلفاء جسد أمة عربية ممزق، وكان نصيب بريطانيا وفرنسا وافرا من جثة عربية هامدة، وازدادت شهية الافتراس ببروز بوادر خيرات طبيعية وبشرية وتسويقية لم تكن في الحسبان.

تقسم العرب دويلات تحت رحمة الاحتلال، فبادرت كل منها إلى نيل الاستقلال على طريقتها الخاصة، وكان القاسم المشترك بين مبادرات الأنظمة العربية الرسمية، هو أولوية الوطن الصغير على حساب القضايا العربية الكبرى. وفي ظل هذا الواقع الكئيب، اشتغلت كواليس الآلة اليهودية بجدية تامة ودعم دولي سافر من أجل إقامة كيان غاصب على أرض فلسطين، نال شرعيته بوعد بلفور المشؤوم، الذي مهد الفرصة للتأسيس الرسمي للكيان المذكور في 15 ماي 1948.

وعلى الرغم من تمسك بعض الدول العربية آنذاك بقرار قمة الخرطوم سنة 1967م ( قمة اللاءات الثلاث)، التي نصت على أنه لا سلام مع “إسرائيل”، ولا اعتراف ب”إسرائيل”، ولا مفاوضات مع إسرائيل، فقد سارعت دول أخرى إلى تمهيد الطريق إلى تطبيع مع الكيان المذكور طمعا في دعم دولي كاذب.

انفردت دول عدة خلال مراحل عصيبة بشعار “القرار الوطني المستقل”، وعلى رأس هذه الدول، بعض دول الطوق، تاركة الفرصة سانحة ل”إسرائيل” لاحتلال أجزاء من أراضيها، ولا تزال إلى الآن هذه الدول تستجدي لاسترجاع أجزائها المنتهكة. استقوت إسرائيل بحلفائها الغربيين وبعض العرب المتثاقلين، فأرغمت الجميع على تحويل القضية من صراع حضاري قومي إلى مفاوضات عبثية هدفها في أحسن الأحوال، استرجاع الأراضي المغتصبة بعد عام 67.

هكذا تتحدث الوقائع، وهكذا يشهد التاريخ، إن تخلف العرب إنما هو بما كسبت أيديهم. انحدرت الإرادة العربية الرسمية انحدارا خطيرا، واستبدلت شعارات العروبة والصوت الواحد بشعارات الخزي والهوان من قبيل: المصالح الوطنية أولا، مفاوضات السلام، حسن الجوار، المصالح المشترك مع “إسرائيل”….

انتقل القرار العربي من فكرة “وطن بلا حدود” إلى شعار “ضرورة رسم حدود للوطن”، وهكذا أغلقت العديد من الحدود الوهمية بين الإخوة الأعداء، واشتغل البعض العربي بالتفوق العسكري على البعض الآخر، قطعت علاقات عربية- عربية، وتلاسن الزعماء وتشاتموا على رؤوس الأشهاد حتى أصبحت القمم العربية قمم مصالحات بامتياز.

وكأن لسان حالهم يقول: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

جدلية الحضاري والسياسي في مقاربة القضية

لن نبالغ إذا قلنا أن الاختلافات السياسية هي في أصلها اختلافات معرفية أو حضارية، بدليل أن المواقف السياسية هي مجرد تمظهرات مجتمعية لفكر سابق عن القرار. والمنطق نفسه يسمح بملامسة قضية العروبة، حيث ضرورة الارتقاء بالمقاربة إلى أصلها المتمثل في كونها قضية حضارية تشمل الهوية العربية ذات العمق الديني والتاريخي والثقافي. إلا أن الانكسار المعرفي الذي أصاب النظام العربي الرسمي، بحكم تأثره بالوقائع المرة التي نالت من جسم الأمة، انكسار أصاب القضية باللبس الذي انسلخت بموجبه العروبة من مقوماتها الشاملة، وأصبحت مجرد قرارات رسمية هزيلة، قرارات شديدة التأثر ومنعدمة التأثير في مجريات الأحداث، قرارات حكم عليها منطق التدافع أن تصبح مجرد تصريحات رسمية وغير رسمية تصدر عن فلان وعلان، لتتناقلها الألسن بروايات عليلة، حتى تحول الحديث عن العروبة من المقاربة الحضارية الشاملة إلى مجرد روايات نفذت بعض فقراتها إلى الأسطورة، بل إلى الخرافة في بعض الأحيان.

انحدر نقاش العروبة من تقلبات الفكر وملامسة الوجدان إلى ردهات السياسة وأسواق المتاجرة، استقالت شريحة عريضة من الأمة بسبب وجود قادة عرب لا يعرفون ماذا يريدون من العروبة، وأمسك بالزمام نظام عربي رسمي، يصور الصراع مجرد اختلاف في وجهات النظر والتقدير مع العدو، نظام يقدس سياسوية القضية على حساب حضاريتها، بذريعة تجدد معطيات التاريخ وواقعية التحليل.

في عيد الأضحى من سنة 1397ه (20 نونبر 1977)، طار السادات على جناح السرعة إلى تل أبيب، واختار الكنيست للتعبير عما تفتق عنه الدهاء العربي المخبول. وإن كان المجال لا يتسع لتفصيل ملابسات هذه الحادثة التي جسدت واحدة من ذكريات العار العربي، فدعونا نصبر أنفسنا لنسمع جملة أو جملتين من هذا الخطاب التاريخي المطول، لنقف على حقيقة الانكسار الذي أصاب العقل العربي الرسمي في مقاربته للعروبة.

يقول السادات بعد كلام كثير، وقبل كلام كثير: لقد أعلنت أكثر من مرة، أن “إسرائيل” أصبحت حقيقة واقعة، اعترف بها العالم، وحملت القوتان العظيمتان مسؤولية أمنها وحماية وجودها. ولما كنا نريد السلام، فعلا وحقا، فإننا نرحب أن تعيشوا بيننا، في أمن وسلام، فعلا وحقا).

هكذا تحدث قائد مصر العروبة التي لا زالت تطوق القضية بإرادتها إلى يومنا هذا. وقد اقتصرت على إيراد هذه الجملة لكي نستشعر التهديد الاستراتيجي الذي ينتظر العرب.ويا عجبا من هذا السادات، الذي يرحب بالعيش في أمن وسلام بجوار قوة نووية تفرض على جيرانها العرب العزل التجريد من السلاح.!!

ما يتناساه السادات وأمثاله من الزعماء العرب، أن العروبة قضية أمن قومي، والأمن القومي هو في حد ذاته قيمة حضارية، تتمثل أدنى مستوياتها في كون أن للعرب قيما دينية وتاريخية وثقافية مشتركة وجب الحفاظ عليها، وليس الحفاظ أيا كان، بل الحفاظ الواعي، الذي يرقى بالقضية إلى منتهياتها الإستراتيجية.

مسألة العروبة إذن، ليست قرارا سياسيا يجتمع الرؤساء لصياغته بشكل ما، بل قضية أمن قومي كما ذكرنا، أمن يشترط لتحقيقه خطوات:

أولا: تحديد المكتسبات المشتركة بين العرب، وعلى رأسها قضية القدس وفلسطين والقرار العربي الموحد المستقل

ثانيا: الإدارة الديمقراطية لشؤون المجتمعات العربية وفق تحصين هذه المكتسبات، وتثبيت الوعي واستدامة الدفاع عنه

ثالثا: إرادة سياسية ( مرجعية) متفق حولها، تتمتع بالحكمة الكافية لضمان استمرار وتطور وازدهار هذه المكتسبات، وذلك بتشغيل ذكاء كل الوسائل الدبلوماسية لهذا الغرض.

إما إذا فشلت كل هذه الخطوات لتحصين المكتسبات، فتبقى القوة المعدة سلفا، السبيل الوحيد لتحصينها وتثبيت حضارية قضية العروبة والإسلام.

أي نجاح منتظر للمبادرة

من الصعوبة بمكان أن يتكهن محلل بمستقبل مبادرة القرار العربي المستقل، نظرا لصعوبة الوضع وثقل التاريخ وسمو الفكرة. لكن، دعونا نستقري منطق المبادرة وسياقها وأهدافها وأسلوبها، ونحن نستدعي ما تأهل من مقومات التنبإ العلمي في عقولنا. وقبل هذا، أحببت أن أنشط ذاكرة القارئ الكريم بإحدى أقوال أفلاطون الحكيم، لعلها تساعد في وضع المبادرة في نصابها الصحيح.

يقول الحكيم: لا تنظر إلى أحد بالموضع الذي رتبه فيه زمانه، وانظر إليه بقيمته في الحقيقة، فإنها مكانه الطبيعي). بإعمال هذه الحكمة، سننظر إلى الإنسان العربي على أنه إنسان حر كريم، تواق بطبيعته إلى الحرية والكرامة، مستقل الإرادة وأممي الطبع. أما الوضع الذي رتبه فيه زمانه، فهو وضع لا يحسد عليه بما كسبت أيادي المتدخلين.

فإذا سلمنا بمنطق هذه الحكمة وهذا التصنيف، فأي مبادرة تليق بإنسان هذه قيمته في الحقيقة، وهل تنسجم المبادرة المطروحة مع إنسان من هذا القبيل؟

سئم الإنسان العربي من المبادرات الرسمية، على اعتبار أنها مبادرات العدو بالوكالة، والإنسان العربي اليوم في حالة نفسية صعبة للغاية، بحيث إنه مقفل في وجه كل ما هو رسمي. والتبني الشعبي لمبادرة القرار العربي المستقل، سيفتح هذا الإنسان على بديل سيكون هو نفسه الفاعل والحاسم في تدبيره وأجرأته وتبنيه.

في واحدة من مزايا المبادرة كذلك، أنها تنقل القضية العربية من مجرد هبة لكسر الحدود وإلغاء التأشيرات بين الدول العربية، إلى ضرورة بناء وتأسيس الوعي المستقل الحاسم، المتنقل عبر الأجيال، كمكسب مركزي وجب ترتيبه والدفاع عنه، بل وتطويره في أفق استرجاع الريادة التي كسرت عنفوانها سايس بيكو المشؤومة.

الشباب عماد المستقبل، وحماسه وقود المعارك، وتعبئته وتنشئته أسمى المشاريع، وإشراكه عصب الحراك الجاد في التصدي لأقوى المصاعب وأعتا المدلهمات، لذلك فأحد المؤشرات القوية لقياس مدى احتمال نجاح المبادرة، هو مدى جدية إشراك الشباب وإعادة الثقة إليه. ستنتعش المبادرة المطروحة بدون شك بما تأمله في شباب الأمة من خلال ما تقترحه من مشاريع شبابية خاصة، على رأسها المسيرات الطلابية والشبابية في البلدان العربية والإسلامية لكسر الحدود الاستعمارية الوهمية، كشكل من أشكال التخلص من تركة معاهدات العار. وسيرتوي جسم المبادرة دما نقيا من خلال تنامي الوعي الشبابي العربي بجدوى استقلال القرار العربي ومحاربة نحلة الغالب ودين الانقياد.

لكي تنجح المبادرة كذلك، يجب أن تبقى قرارا مجتمعيا محصنا من مخاطر تحوله إلى عملية تنفيس للوضع القائم، ولكي يتجسد هذا المطلب، لابد من وضع أهداف سياسية إجرائية للمبادرة، على رأسها كسر شوكة الأعداء، وذلك من خلال إضعاف ومحاصرة التيار العربي الداعي إلى أولية الحدود على حساب الوطن العربي الكبير المستقل.

الكل يرى في الوحدة حلا، وحتى الخصوم لا يمارون في ذلك، فمن الخطأ الحديث أن الوحدة هي شعار تيار عربي معين، والمطلوب من التيارات الأخرى، التبني والدعم والمساندة، بل على العكس تماما، الوحدة قضية مشتركة، هي القضية نفسها التي يجب أن تخاض من أجلها المعركة الموحدة. فالجميع شركاء في المشروع، ولا أحد يسدي معروفا لأحد.