تحل الذكرى الثانية والستون لنكبة فلسطين لتجد العرب والمسلمين أكثر تمزقا وتشتتا، لا قرار يوحدهم ولا قضية تجمعهم ولا مصير مشترك يشغلهم، تتداعى عليهم الأمم من كل حدب وصوب وهم أشبه بالأيتام في مأدبة اللئام.

اثنتان وستون سنة والوضع على ما هو عليه، بل يزداد كل يوم سوءا، ضاعت الأرض، وانتهك العرض، وهرول المهرولون، وطبع المطبعون، واستسلم المستسلمون، تهاوت كل شعارات الوحدة والعروبة والقومية، وتلاشت كل المبادرات والاتفاقيات والقرارات، والسلام عليك يا “سلام”.

فكل “مبادرات العرب” لم تزد العدو الصهيوني إلا صلفا وعنجهية واستكبارا وعلوا، وما أشبه اليوم بالأمس، فورثة عصابات الهاجاناه والأرغون وسفاحو دير ياسين هم هم، لم تنل الأيام والحوادث من وحشيتهم ولا نازيتهم ولا تعطشهم للدماء والأشلاء. ويا قانا اشهدي ويا غزة اشهدي. ويا عالم متحضرا تفرج!

صورة مؤلمة حزينة حالكة تدعو إلى الإحباط بل هي الإحباط نفسه، يبدد ظلامها وعد إلهي لعباده الموقنين، وبشائر نصر تلوح في الأفق على أيدي المجاهدين. لتذكرنا أن هذا الطغيان إلى زوال ولتظل فلسطين -فلسطين تلك الأرض التي باركها الله وضيعها العرب- في الوجدان مدرسة للرجال، تعلم معاني الجهاد والتضحية والفداء والوفاء.

فرغم خذلان المخذلين، وتفريط المفرطين، وتآمر المتآمرين من الأقربين والأبعدين، ظلت القضية نابضة حية شاهدة تسلمها أجيال لأجيال بأمانة، تسقي زهرتها بالدموع والدماء فلا تزداد إلا عنفوانا واستواء.

يفيض الله على أهلها فيوض الصبر والتأييد والصمود والعزم، ويشرفهم بالاجتباء لحفظ أرض الرسالات، ومسرى خاتم النبوات صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس”.

آمنا وصدقنا.