ليست مسألة اختيار الفرد والتنعم في رحاب حرية ذاتية، ونفي أي شكل من أشكال التقييد القاهر والاستعباد المقيت له أمرا هينا مندرجا ضمن إطار التكميلي الذي يكون مرجحا في جل الأحوال مقارنة مع الحاجي فضلا عن الضروري، بل هو أس الوجود، وسره وعمق مقام الإنسانية المرتقي عن وأد البهيمية الخاضعة إلى يفاع الانعتاق من الآصار وتكسير الأصفاد المقيدة، وذلك لأسباب عدة نجملها فيما يلي:

• إن المتصفح في مظاهر الكون كله لن يجد سوى كائنات خاضعة، خاضعة للدراسة والتحليل واستخلاص القوانين المنظمة لها واستنباط النواميس القاهرة لها حقا، بحيث إنها لن تستطيع خرقها أو الإفلات من عقالها، أو التملص من جبريتها… إذ الكل معلن خضوعا اضطراريا لنسق حدد له سلفا وأجبر على الانصياع له قهرا، وتلك سنة إلهية سارية في عالم الأشياء… بخلاف كائن واحد مغرد خارج الإذعان المطلق للكائنات والانقياد القهري للمخلوقات… إنه إنسان فسح له المجال رحبا لاختيار توجهاته وتحديد مسار اختياراته وسلوك منهاجه في الحياة حرا طليقا من تلك القوانين القهرية مع تحمل مسؤولية فعاله والرضا بصواب سلوكياته التي كانت على بساط الاختيار أصلا ولم تنشأ بدافع الاضطرار أبدا.

• لم يكن عبثا تشريف الإنسان بمقام الحرية، حرية الاختيار منذ الأزل مقارنة مع مجتمع الأشياء الكوني إلا للدلالة على نفاسة هذه القيمة وقوتها التمييزية بين الأفراد من جهة، ومباينتهم للأشياء من جهة أخرى، ومن ثم فذهنية القطيع وعقلية الانقياد مخالفة لسر وجود الإنسان في هذه الحياة… بل هي غمز لإنسانيته وإزراء بسيادته العليا في هذا الوجود …

• إن كل أشكال الإجبار منافية لمبدأ الاتهام عند المقاضاة، بحيث إن من لم يكن مختارا في أمره، حرا في توجهه، وفَعَل ما أجبر عليه قهرا واضطرارا … هو غير متهم عند العقلاء، بسبب هدم صرح الاختيار الذي هو العلة الحقيقية لكل فعل بشري قابل للتقييم والمراقبة أو المحاسبة.

• إن التربية المبنية على إجبار الإنسان على فعل معين بالذات بحيث إذا خرمه المُربى لَحقه العقاب… لا تعتبر عند التحقيق تربية إنسانية بل هي ترويض له كما يروض الحيوان الذي يجبر على سلوك ما، ومن ثم فالتربية السلوكية المبنية على المثير والاستجابة قاضية حتما على عنصر الإبداع والعطاء والتغيير، وهي خصائص إنسانية بحثة لا علاقة لها بذاك الترويض الذي قاس الإنسان الحر والمختار بحيوان مقيد بقوانين ومجبر على الإذعان المطلق لها…

وهكذا فالاختيار مرقاة صعود الإنسان حقا إلى مدرجة السيادة الكونية والتنسم من فيحاء الحرية المقتبسة من سر الروح الطليقة الموجودة بين جوانبه، ومن ثم فلا يحق لأي كان حرمان الإنسان من هذا السر النفيس والجوهر الثمين الذي لن يقاس في عرفنا بأي قيمة على الإطلاق…

لكن الإنسان في وطننا العربي خاصة مقيد بأغلال القهر السياسي وأصفاد التجويع الاقتصادي وسلاسل إهدار الكرامة الاجتماعية والتهميش المجتمعي إلى غير ذلك من صنوف التذويب لكيان إنسان اعتُبر في صفحة الأزل حرا طليقا كنسائم الفجر الطليقة…

ولنعرض بعضا من أنواع صنوف تلك السهام التي سددت إلى عمق كيان الإنسان العربي في ديدن جوهر الاختيار منذ قرون سحيقة وما زالت مستأسدة عليه لحد الآن…

• لقد غصبت إرادة الأمة سياسيا في مبدأ اختيارها، وحين بناء مفهوم الدولة كنسق أحقابا سحيقة وأزمنة متطاولة بأناس ظنوا سياسة الناس فنا لقهرهم، والتملك عليهم سبيلا لإخضاعهم وإجبارهم على الدوران في فلك عصبتهم أو قبيلتهم أو بني أعمامهم، وإن كان هذا التعصب نَتنا مناقضا لمصالح الأمة الكبرى، وكل ذلك بسبب بيعة قهرية لم يكن للناس حرية في اختيار الحاكم المستولي أو تنصيبه إلى سدة الحكم أصلا، فضلا عن محاسبته أو عزله… ولم يكف هؤلاء الذين قاموا على تسييس الأمة قهرا وجبرا واضطرارا أن يسوموها العسف والحيف والاستبداد والاستعباد زمن تسلطهم فحسب، بل إنهم أذاقوها قهرا زمنيا متطاولا مع سلالة الحاكم الآتية التي لا يجب أن تنقطع مع الزمن … وفي ذلك إحكام للتقييد، وإمعان في الإذلال لأمة شاهدة بنص قرآني على أمم أخرى…

• ثم أتى على الأمة جيل آخر نظر إلى (الشخص) نظرة إعلاء وإكبار وإجلال فوضعه في ناصية التقديس والخضوع المطلق له، فأزال عن الأمة رداء اختيار حاكمها، وفرض عليها أناسا (أئمة) حاكمين بنصوص قطعية مع سلالتهم الممتدة من حيث الزمن… مما فسح المجال واسعا أمام الخضوع العقدي الرهيب لتلك السلالة من البشر.

نعم، قد تكون عند هؤلاء الأئمة خصائص فريدة وهبية من قبل الله تعالى ميزتهم عن باقي الناس مما جعل الجم الغفير من الناس تحبهم وتقدرهم وتتبعهم… ولكن الحب ليس وسيلة لسلخ الأمة عن اختيار من يسوسها، أو ذريعة عقدية لقهر الناس بتنصيب أناس لمقام يكون فيه الاختيار جوهر الشرعية السياسية.

لكل ذلك نرى أن الاختيار مبدأ ملازم لشرعية الحاكم بحيث يدور معه وجودا وعدما، وكلما طرأ خلل في مبدأ الاختيار السياسي أفضى حتما لأجهزة الدولة أن تراجع شرعية المُولى على الأمة والعازم على حكمها، ولاسيما أن دروس التاريخ تفيد أن المستبد بزمام الحكم لن يعبأ بهموم الأمة، ولن يستشرف أفق إنهاضها أو بعث روح الإبداع والإقلاع بين صفوفها… بل إنك تراه سائما في لذاته، كارعا من منهل البطش لإرواء غرائزه، سالكا مسلك اجتلاب مصالحه الذاتية المنافية حتما لمصالح الأمة واختياراتها.

• مبدأ الجبرية السياسية هذا،لم ينحصر في تسيير دواليب السلطة والحكم فحسب، بل إنه امتد بخفاء نحو البناء المعرفي للأمة، حيث إن أغلب الصروح المعرفية سواء كانت فقهية أو أصولية أو صوفية، انزاحت نحو الشخص وفعله في التاريخ، بحيث إن الآتي لن يكون سوى تابعا أومقلدا له قهرا، وإن ارتقى إلى مستوى المجدد الأول حزما وعزما وألمعية ونباهة، فلا ترى في الأفق سوى أناس خاضعين دون اختيار منهم لتوجه (الفرد) ولا يحق لهم – في عرف المقلدة – بناء أو نسخ أو تغيير أو إعادة البناء النظري الذي أقامه الأول… ومن ثم فالتجديد المعرفي الكفيل بتوقد الطاقات وتأجيج الإرادات وتغيير مقتضيات الواقع… شَهد ضمورا عبر قرون سحيقة بسبب هدم الاختيار الذاتي للإنسان تجاه المعرفة السائدة تغييرا أو نقدا أو استبدالا، أو بسبب إنشاء جدران الإخضاع لتلك المنظومة المعرفية التي لا يحق له تكسير طوقها أبدا من قبل حراس المتوارث ومانعي التحديث.

لكن المعارف القهرية عند التحقيق آفلة مع الزمن، ولن تصمد مع بحوث الجادين والعدول المجددين، ولا أدل على ذلك رمي معتقدات القساوسة والرهبان جانبا بذاك السيل المعرفي الذي أنشأه العلماء الكونيون من بين فرث ودم، فطَم على وديان محاكم التفتيش وفضائعها وأتى على بنيانها المعوج من القواعد فتركه هباء عفت عنه الآثار…

كل ذلك الشد لعرف الاستعباد، والإمعان في الاستبداد، وسد منافذ الاختيار… أفضى عندنا لذهنية قائمة على الاستسلام للأمر، ومهادنته واستساغة الواقع وإن كان بئيسا قاهرا سالبا لأدنى الحقوق التي يجب أن تصون الكرامة الإنسانية، إذ من السهل في واقعنا -واقع التناقضات- أن تجد من لم يملك قوت يومه ويعاني الخصاص والفقر الرهيب منبسطا فرحا أمام فعال من استولى على السلطة والثروة بل تراه داعيا له بالاستمرار في زعامته ورئاسته وامتصاص دمائه وإهدار كرامته ونهب ثرواته وإن كان المدعو له سببا حقيقيا لإنزال ذاك المستضعف إلى درك التجويع السحيق، وهو عَجب مغاير لطبيعة الأشياء التي ترفض استمراء الاستعباد وتسويغ الاستبداد والتعود على الإذلال…

وعلى أي… لن أقلب أوجاع شعوب الأمة المحتبسة بين جدران القهر، بل اكتفيت بنثر قبسات أولية حول مبدأ الاختيار وكونه الدعامة الأولى للتغيير سواء كان تغييرا سياسيا أو اقتصاديا أو معرفيا أو تربويا لأمة مازالت مندرسة في حمأة التخلف ومحتبسة بقيود الانحطاط.