استهلال

في صبيحة يوم الاثنين الثالث من شهر ماي من سنة 2010 أي بعد يومين فقط من عيد العمال شاءت الأقدار الإلهية أن تقودني إلى معتصم مجموعة من المعتصمين أمام نيابة وزارة التربية الوطنية بالرشيدية، ممن عرفوا بالمعلمين المتعاقدين وموظفي الجماعات المحلية الحاملين لشهادة الإجازة، والذين ألحقوا منذ حوالي أربع سنوات بسلك التعليم في إطار ما سمي بسد الخصاص في الموارد البشرية الذي تعاني منه نيابة وزارة التربية الوطنية، بسبب سوء التدبير الذي هو الطابع المميز لمختلف مرافق هذا القطاع الحيوي، مما أدى إلى اختراع بدع تدبيرية بين الفينة والأخرى بتواطؤ مأسوف عليه من بعض المحسوبين على العمل النقابي، من مثل “التجنيد” من أجل الانتقال في آخر السنة و”الحركات الانتقالية التكميلية” حيث يتم في سنة 2009 البث في طلبات للانتقال داخل النيابة وأحيانا داخل الجهة تم التقدم بها في سنة 2006…

أثناء هذه الزيارة دار حديث بيني وبين المعتصمين حول قضايا تعليمية تجاهلتها وظلت تتجاهلها النقابات، التي بالمناسبة ألغت بعد ذلك إضرابا إقليميا كان مقررا تنفيذه أيام 4، 5 و6 ماي الجاري بعد لقاء مطول مع مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة مكناس تافيلالت، والذي تبين أنه نجح في إقناع النقابات المتحاورة معه حول مختلف المواضيع المطروحة للنقاش من خلال المقترحات التي تقدم بها خلال هذا الاجتماع الذي دام من الساعة العاشرة صباحا إلى ما بعد السابعة مساء حسب ما علمت من مصدر مشارك في الاجتماع والذي لم تتح لي بعد الفرصة للتعرف منه على تفاصيل ما دار في الاجتماع وما اتفق حوله.

إن الذي يهمني أكثر في هذه المناسبة ليس هو نتائج الحوار وطريقة تعاطي النقابات مع الواقع التعليمي بالإقليم، والذي ربما أعود إليه في فرصة أخرى، إنما الذي أثار انتباهي هو السؤال الذي ختم به نقاشي مع المعتصمين الذي بدأ بالتداول في آفاق معركتهم النضالية وانتهى بنا إلى تبادل الرأي في سبل إحياء العمل النقابي بهذا الوطن الحبيب بما يخدم القضايا الحقيقية للشغيلة بعيدا عن المزايدات السياسوية التي تمارسها بعض النقابات إن لم نقل جلها؛ وقد كان هذا السؤال كما يلي:

ما هو السبيل لبناء فعل نقابي راشد معبر بحق وصدق عن قضايا الشغيلة المصيرية؟

في أهمية السؤال وجسامة التحدي

إن أهمية هذا السؤال تنبع من كونه طرح في ختام نقاش عرضت خلاله مجموعة من الأفكار والآراء، وبعد أن توصل المشاركون فيه إلى خلاصات صادمة تقول:

1. إن المركزيات النقابية والنقابات التعليمية خاصة وعلى جميع الأصعدة تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن حالة الترهل التي يعاني منها العمل النقابي في عموم الوطن، من خلال سوء تدبيرها لقضايا الشغيلة وتمريرها لمجموعة من المخططات في أوقات حساسة وحرجة تحت مسمى المحافظة على السلم الاجتماعي الذي أنتج حوارا اجتماعيا عقيما استغلته الحكومة والباطرونا في تمرير سياساتها الاستكبارية التي لم تول أي اهتمام لحقوق ومطالب الأجراء.

2. إن حالة الترهل هاته وما سبق الإشارة إليه من أعراض المرض الذي أصاب العمل النقابي، كل ذلك راجع إلى أمور ثلاثة هي بكل وضوح:

– ارتباط العمل النقابي تاريخيا في المغرب بالعمل الحزبي ولا أقول السياسي؛

– ارتباط مصلحي لكثير من النقابيين بالمخزن بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛

– تراجع الوعي النقابي في صفوف الشغيلة نتيجة لسياسات ممنهجة سلكتها الدولة الراكبة لموجة العولمة الاستكبارية المتوحشة في ظل غياب بل استحالة وجود استراتيجية نقابية فعالة لتحصين العمال.

إن الخلاصات التي على أساسها تم طرح سؤال بناء أو إحياء فعل نقابي راشد يستلزم من كل من يسعى لتقديم جواب حقيقي تأملا دقيقا ومسؤولا قبل خطو أي خطوة في الموضوع؛ خاصة وأن الأمر يتعلق بالبحث في مصير شعب بأكمله أعيته أكاذيب الزعامات السياسية والمهنية وهو الأمر الذي جعله يتردد في التصديق والثقة فيما يقدم له من مقترحات ما لم يتبين له صدقها وصدق من يتقدم بها.

في سبيل الجواب

في سبيل تقديم جواب صادق وعميق في المعالجة وملامس لطموحات الشعب لا بد من التأكيد على ما يلي:

1. إن ما يعانيه الوضع النقابي في المغرب من حالة التشرذم والضعف وغياب الإرادة والابتعاد عن نبض الشعب هو تبع لما يعانيه الشأن السياسي وتعانيه السياسة. الشأن السياسي بما هو تعبير عما ينتجه التجمع الحاسم للناس الذي يعلو على كل التجمعات ولا يعلى عليه، والسياسة بما هي فعل شامل يعني الجميع وإن لم يعنوا به وفعل مستقل، لا بمعنى انفصاله عن بقية الأفعال أو علوه عليها، بل بما هو تعبير عن مصالح بعينها فلا قرار سياسي إلا وتحكمه مصالح من يصدر عنهم وبما هي السياسة قيادة للناس وتدبير شؤونهم وعمل فيها.

2. إن الداء العضال الذي عانت ولا تزال تعاني منه السياسة بالمغرب، لا فرق في ذلك بين عهد أدانه الجميع وبين عهد صفق له المتملقون والمستفيدون، هو داء الاستبداد. ذلكم الداء الذي طبع كل مجالات الفعل السياسي بالمغرب فأفسد كل شيء، وتلك هي الصفة اللازمة له والنتيجة المنتظرة لمثل هذا فعل. فالاستبداد لا يكتفي بإفراغ الانتخابات والمؤسسات السياسية من معناها وإنما دأبه السيطرة على كل شيء وتسيير كل الأمور العامة على هواه وفي خدمته وفي إطار ما يرسمه من حدود دونما أي اعتبار للفئات المستضعفة.

3. إن ما أنتجته عقود، بل قرون، من سوء تدبير الشأن السياسي، وهو أقل ما يمكن أن نصف به ما يتعرض له المجال السياسي بالمغرب، لا يمكن إصلاحه في لحظة وجيزة ولا يمكن أن تنهض له هيئة سياسية أو نقابية أو جمعوية واحدة مهما أوتيت من وسائل وأموال، وإنما ينهض له كل الشعب بقواه الفاعلة عندما تتوفر لديها الإرادة الصادقة والإيمان القوي بحق هذا الشعب في أن يعيش حرا كريما، إيمانا لا تزعزعه الأهواء ولا تخمده المتاعب والعقبات.

إذا وضحت واستقرت هذه الحقائق الثلاث في الأذهان فإن السبيل لبناء فعل نقابي جاد تبدو جلية واضحة ولن يختلف حولها إلا من كانت له غاية أخرى؛ ومثل هذا نتركه لضميره لعله يصحو فيعود إلى رشده قبل أن يصدر التاريخ حكمه الذي لن يكون إلا قاسيا.

لإنقاذ العمل النقابي من وضعه الراهن لا بد من أن يقوم على عناصر ثلاثة هي:

1. ضرورة تداعي كل الصادقين إلى جبهة نقابية تنظر إلى العمل النقابي باعتباره قضية مصيرية لهذا الشعب وليس فقط من يسمون شغيلة.

2. مسؤولية كل القيادات الشعبية ذات المصداقية في تعبئة الجماهير وتوعيتها وتأطيرها وفق رؤية استراتيجية تستهدف تقويض الاستبداد في كل مجالات الشأن السياسي التي يشكل العمل النقابي أحدها ومن أخطرها.

3. ضرورة الالتفاف حول المبادرات السياسية الصادقة المناهضة للاستبداد.