تقديم

لا تخفى على المسلمين اليوم ثمرات عمل الحركة الإسلامية المعاصرة، في كل أقطار المعمور و في جميع مناحي الحياة؛ التربوية منها والسياسية والفكرية والعلمية والاجتماعية وغيرها، فهي بفضل الله تعالى تشق طريقها في أداء رسالتها الخالدة: تجديد الإيمان في القلوب وإعادة بناء دولة القرآن على خطى الهدي النبوي الراشدي. إلا أنه من الملاحظ في الواقع الإسلامي العربي -وكأية ظاهرة تربوية سلوكية فكرية- ظهور بعض الاختلالات الفكرية والسلوكية التي تنم أحيانا عن قصور في الفهم وأحيانا عن ضعف في التربية أو تقلص في الإرادة، وأحيانا أخرى عن الحماسة والاستعجال، حتى تسربلت هذه الاختلالات في مناهج ومذاهب لها أتباع وأسماع، مما قد يحدث تشويشا على مستقبل انتشار هذه الحركة المباركة وانتصارها واستمرارها في أداء وظيفتها الدعوية البنائية الشاملة. لذلك وجب على العلماء والقادة والطليعة أن ينتبهوا إلى تشخيص مختلِف الأدواء التي تعرقل العمل وتعطل النجاح وتحرف القصد، بُغية معالجتها قبل استفحالها… من طب الوحي وصيدلية النبوة.

ويمكن تجسيد هذه الأدواء المتربصة بتنظيمات الحركة الإسلامية على طول خارطة العالم الإسلامي العربي في ثلاث آفات أساسية، القاسم المشترك بينها هو بُعدها، وإن بنِسبٍ متفاوتة، عن روح المنهاج القرآني النبوي –المحجة البيضاء- الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعه فيه السادة الخلفاء رضي الله عنهم أجمعين، ومن اهتدى بهديهم واقتدى بسلوكهم إلى يوم الدين. فهي صادمة للفطرة السليمة والشرع القويم والعقل السليم.

1- آفة المُفاصلة

يمثل هذا التوجه الإلغائي للآخر أُناس امتلأوا رضا عن أنفسهم واختاروا منهج التكفير والعنف والسرية أساسا تقعيديا للدعوة إلى الإسلام، حاديهم في هذا التصور حُلمهم بواقع طاهر ملائكي يستجيب فيه جميع الناس طوعا وكرها لتعاليم الإسلام النقية دفعة واحدة، فالتمسوا لتبرير فهمهم المنحرف نصوصا منتقاة من القرآن والسنة وبعض كلام الذين سبقونا بزمان، وتعسفوا في تأويلها وتنزيلها على واقع الأمة اليوم بشكل تعليبي، لا يراعي ظروف الزمان والمكان والأحوال، حتى اعتبروا كل الناس -بما فيهم الدعاة والعلماء والأئمة والخطباء فضلا عن عامة المسلمين- كفارا تباح دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، أو مبتدعة يجب هجرهم ولا تجوز مآكلتهم ولا مجالستهم ولا حتى الابتسام في وجوههم! وإذا قلت: لماذا هذا التهجم؟ أجابوك بغلظة: “لأن عقيدتهم فاسدة!”.

ولا يَسْلم من هذا النعت إلا من كان معهم ووالاهم واعتقد مثل ما يعتقدون، وروج سلعتهم واعتبر معهم أن إخراج الناس من الملَّة قُرْبةً إلى الله، وأظهر اجتهاده في اللمز والسب والطعن وتتبع العثرات. فهم وحدهم -في زعمهم- “الفرقة الناجية” و”الطائفة المنصورة”، و”أهل السنة والجماعة” لا دين إلا دينهم ولا عقيدة إلا مقولتهم (الفلسفية). بُغيتهم أن يعثروا على خطأ في حق أحد من المسلمين ولو كان شيخا يستعمل سبحة ليشهروا به بألسنة سليطة في العالمين، يكتبون كتابات ويتداولون خطابات سوداء لا تنم إلا عن الخراب الروحي والفكري الذي لا زال يعاني منه العقل المسلم.

إن أمثال هؤلاء “المُبدعاتيين” هم الذين يتسببون في إبعاد الناس عن العمل الإسلاميِّ كلِّية، كيف لا وهم يكفرون ساداتنا: حجة الإسلام الغزالي والإمام حسن البنا والشهيد سيد قطب والشيخ عبد الحميد كشك والإمام الشعراوي وأبو الحسن الندوي و الشيخ محمد الغزالي و الدكتور يوسف القرضاوي والأستاذ المرشد عبد السلام ياسين والشيخ الشهيد أحمد ياسين و الدكتور سعيد رمضان البوطي والشيخ أحمد الكبيسي والأستاذ عمرو خالد والحبيب علي الجفري والدكتور عمر عبد الكافي وو…،

فبدلاً من أن توجَّه الجهود والإمكانات إلى خدمة قضايا الإسلام الكبرى بالرفق والرحمة والتعاون على البر والتقوى اجتهادا جماعيا وإنجازا عمليا لجمع شمل الأمة التي تكالَبَ عليها الأعداء، وأخذِ أحسن القول وأصلح العمل وترك ما دون ذلك، تُكَرس في التكفير والتبديع والتشهير بل في تجويز القتل والتفجير! ويستعجل القوم أمرهم فلا يرونه إلا عنفا أعمى، والصواب غير ذلك. قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: ما ترك من الجهل شيء، من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه).

فلتحذر الأمة -عافاها الله تعالى- من هذا التدين المتوحش المخالف لمنهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مدرسة الرحمة والرفق والحِلم والتحمل. وهو تدين لا يأتي بخير لا لأصحابه و لا للمسلمين ولا للعالمين.

2- آفة المداهنة

يقع في هذه الآفة كلُّ توجه إسلامي يشترط على الدعوة إلى الله وإقامة دين الله “وجوب عدم الابتلاء”، وعدم المواجهة، وعدم التعرض لما تكرهه النفس، فلا يجوز أن تتعارض أقواله أو أفعاله مطلقا مع بُغية الحكام كيفما كانوا، أو “تصطدم معهم” وإن جاروا وأفسدوا في الأرض وجاءوا إلى الحكم بالسيف والوراثة، وعطلوا شرع الله، ومكنوا لأعداء الله التحكم في مطعمنا ومشربنا ومسكننا وفلاحتنا وإعلامنا وكرامتنا..، وقِوام هذا التيار أنه يفرض على الإسلام تصورا أقل ما يقال عنه أنه تصور منبطح ومحدودٌ نفعه بحدود عجزه وضعفه ومصلحته العاجلة، فيزيد الأمة تنويما وتعطيلا بل قد تصل به المداهنة إلى حد الاعتزاز بكونه يقدم نفسه علانية أنه جاء ليخدم الملوك والسلاطين. قال أحدهم من المغرب متحدثا عن وظيفة حزبه في البرلمان: جئنا لندافع عن المَلَكِية ضد الإسلاميين وضد العلمانيين)!

فالحاكم شأن مطلق لا يجوز أن يُمس!!!

وأكثر من هذا يحسب بعضهم أن من يعارض الأنظمة الحاكمة فهو يعارض الإسلام والاستقرار! ويريد الفتنة! لأن ذهنه تشكل على العبودية المختارة لمن غلب. فيتصور المسكين أنه في غياب هذه الحكومة أو هذا الحاكم ستزلزل الأرض ويضيع الدين و تظهر الفتن التي لا تبقي ولا تدر…

هَبْ لو كانت هذه الأنظمة إسلامية، فهلا يجوز بتاتا انتقادها والاعتراض عليها وتقويم سياساتها؟ ولِمَ لا تغييرها بأحسن منها إن وُجد أو نعمل على إيجاده؟ ألا يمكن أن يرزقنا الله أفضل وأحسن وأنفع؟ هل تعبَّدنا الله بذلك من حيث لا يجوز لنا مطلقا غيره؟ أليس في الإمكان أبدع مما كان؟ وهل ما هو موجود واجبٌ وجوده؟ أم هو فقط ممكنٌ من الممكنات؟

وأين مبدأ التعددية وحق المعارضة؟ أم هو المسخ والخوف والخنوع مغلف بمقولات “المصلحة تستوجب” و”فقه الواقع يفرض” و”الواقعية السياسية تقتضي”…؟

كيف يُعقل أن نُجبِر المسلمين بطريقة بليدة على الاختيار الاضطراري بين مفسدتين: بين الدكتاتورية وبين الفناء!!؟؟؟ منطق الأسود والأبيض المتجاوز. وهل ليس في قدرنا -يا ناس- سوى حكم الطغيان أو حكم الفوضى؟؟؟

أنحن من دون أهل الدنيا لا عقل لنا ولا قدرة ولا إمكان للأحسن؟؟؟

كم ظهرت من كتابات وكتيبات، و كم ألقيت من محاضرات وخطب، و كم دعمت من صحف ومجلات لتبرير خط المداهنة والخنوع الذي حذرنا منه القرآن الكريم وَدُّوا لو تُدهن فيدهنون، حتى أنها استُصنعت هيئات علمية وأحزاب سياسية مختصة في قولبة أذهان الناس واستغفال عقولهم، فسُميت التنازلات انتصارات، والمناصب محارب، والسخرة عند الحكام خدمة للإسلام… لا حديث لها إلا عن مجاراة الواقع البئيس وتبريره والدفاع عن مؤسساته الفاسدة. فيقاس النجاح برقم أصوات و عدد أسئلة! أو برسالة تهنئة وابتسامة بلهاء ! أو بسلامة أبدان وسمنتها.

وبهكذا ملهاة يشجع البحث والحديث بثرثرة مسترسلة عن مبررات التسكين والتعطيل والتفوه بالباطل، فيقال كذلك نبي الله موسى عليه السلام قال قولا لينا لفرعون!

مساكين ! يفهمون فهما حرفيا مُغرضا لين سيدنا موسى عليه السلام!

وقد قال لعدو الله فرعون: حَقِيقٌ عَلَي أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. واجب علي ألا أتفوه بالباطل مطلقا مهما كانت الحسابات ومهما كانت قوة الخصم، ولو كان هو فرعون ومن معه.

فلِمَ التبرير الدائم والمطلق لقول الباطل وفعله باستصناع مبررات أوهى من بيت عنكبوت؟

“ما لكم كيف تحكمون؟”…

تصوروا لو كان سيدنا موسى حيا هل كان سيجاري الحكم الجبري الاستبدادي اليوم؟ أم كان سيقُوم ضده؟

وهل كان القول اللين هو قول الباطل. وهل زكى سيدنا موسى صنيع فرعون؟ وقال له: فعلا أنت سيدي وسيد بني إسرائيل؟ أم صدمه ب: “أرسل معي بني إسرائيل”؟ أي لا شرعية ولا مشروعية لسلطتك عليهم، أطلقهم من قهرك فهم أحرار. استعبدتهم بالقمع والتخويف والبطش وبت الفرقة بينهم. ودعهم يتبعوا الحق… فالحق أحق أن يُتبع.

هذا التدين الذي يلزم نفسه بالدفاع الكلي عن الحكام كيفما كانوا وكيفما جاؤوا، لا عِزة فيه ولا مستقبل له، لا لنفسه ولا للمسلمين. وللأسف نجد له في تاريخنا بعض المقولات التي تلغي الشرع والعقل لتكرس الظلم والاستبداد مثل: “نحن مع من غلب” و”من اشتدت وطأته وجبت طاعته”… الخ.

3- آفة التجزيء

من الآفات التي شتتت شمل المسلمين على سطح الأحداث تاريخيا وواقعيا ومنعتهم من توحيد تصورهم ورص صفوفهم وحالت دون نهوضهم الجماعي لملاقاة قدر الله الكوني في نصرة عباده المجاهدين المتوكلين المقتحمين، وأعاقت سداد إدراكهم للأمر الشرعي في وجوب القومة لله والشهادة بالقسط، نذكر آفة التجزيء والتبعيض في فهم الدين وممارسته فضلا عن الدعوة إليه، والمقصود تبعيض في الدِّين يمارسه من يأخذ ببعض الإسلام ويترك بعضه، عن وعي أو عن غير وعي، خوفا أو تسويفا، جهلا أو حيلة، كتقليص الدين في مجال الوعظ فقط، أو اختصاره في الممارسة السياسية دون سواها أو اعتباره مجرد حركة معرفية ثقافية لا تهتم إلا بالفكر، أو زاوية دراويش صوفية لتخريج الأوراد.

وهذا الاتجاه وإن كان يخدم الإسلام من جهة اهتمامه وتخصصه -إن حافظ على نقاء الجزء من أدران التاريخ- إلا أن خطره يكمن في إنكاره لفائدة باقي الجوانب وتعطيلها وتنفير الناس منها، بل واعتبارها خارج الدين. فمن الوعاظ من يجرم العمل السياسي ويرى أن الاشتغال بالسياسة وممارسة الحكم يتناقض مع الدين، وكأن لا سياسة في الإسلام، إنما السياسة خاصة بالكفار ومن والاهم! ومن حيث لا يدري يسيء للإسلام وللمسلمين ويقدم خدمة مجانية لأعداء الله ورسوله والمؤمنين.

ومن المثقفين “الإسلاميين” من لا يغادر زنزانته الثقافية الفكرية فإذا الإسلام عنده منظومة من الأفكار المتناسقة تصارع غيرها وتبُزها، لا روحانية فيها ولا ذِكر ولا نور ولا آخرة ولا غيب، كتابات جافة ومحرقة، بلغةٍ مُغربة مجردة. القضية عندهم ثقافية وكفى، والأزمة ثقافية والتحدي ثقافي. ولا حل إلا بالإكثار من المطالعة والقراءة والمحاضرة والمناظرة … كلام في كلام.

ومن المدارس التربوية من تقتصر على تلاوة الأوراد في الزوايا والمساجد، شيخ ومريد وفقط، وتُلغي من الإسلام الخروج إلى الناس في المجتمع وإصلاح أوضاعهم الاقتصادية والسياسية والتعليمية والصحية والإعلامية وغيرها، وتتحمل تبعات الكلمة المسؤولة التي ما ذل المسلمون إلا بغيابها، وتربي في المسلمين القدرة على الإنجاز الميداني المثمر والمستمر، صرفت أتباعها كُلية ًعن إصلاح شأن المجتمع وتخلفت عن مواتاة سنة التدافع مع الأغيار في ساحات العالم بمخاضاته المركبة، ونكصت عن قول كلمة الحق صادقة مدوية أمام الملأ، وهي وحدها التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسله “أفضل الجهاد”، حيث قال: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، وإذا ما رأوا منكرا حولقوا وتأففوا عاجزين منسحبين، معبرين عن فشلهم وتقصيرهم وقصورهم.

منهم الصالحون لكن صلاحهم لا يتعدى شخوصهم… وأين هم من صلاح الجيل الأول الذي كان جيلا جامعا بين هَّم الخلاص الفردي وبين هَّم الخلاص الجماعي، بين عتق الرقاب وفك الرقاب.

من هذا التدين الجزئي يتشكل مزلق الزهادة والدروشة والاستقالة والانعزال الذي يُغيب من الدين شقه الكير المتعلق بهَم الأمة؛ وحدتها، عدلها، مكانتها بين الأمم، كفايتها المادية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والفكرية والثقافية، وقوتها الساسية… وقد حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: لا رهبانية في الإسلام.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين: الذهنية المبسطة واثقة عادةً من نفسها، تنسب الخطأ لكل من خالف نظرتها الضيقة، وتنخدع وتتعصب….لا تستطيع تصور الإشكالية المركبة من تداخل السياسة، والاقتصاد، والتربية، والاجتماع، والوضع الداخلي والخارجي، والظرف الزماني والمكاني، وتطور الأحداث، ووجود التناحر على الهيمنة وتنازع البقاء بين أقوياء الأرض، وضرورة وحدة المسلمين…هذه الذهنية عاجزة عن تصور عمل إسلامي في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لتبلغ الأهداف، ويرتب المراحل والأولويات.) 1


[1] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ط 4، 1422هـ، ص202.\