يعتبر الثامن من ماي سنة 1990 حدثا هاما في تاريخ جماعة العدل والإحسان، إذ يؤرخ لمرحلة جديدة من تاريخها الدعوي الجهادي، فهو رمز لمسيرة الظهور والخروج السياسي للشارع. ففي هذا اليوم، وبمناسبة أول جلسة من محاكمة أعضاء مجلس إرشاد الجماعة في مرحلتها الاستئنافية، وعلى الساعة الحادية عشرة والنصف، اعتصم أمام مقر مجلس النواب وبمحاذاة المحكمة آلاف من أعضاء الجماعة معبّرين عن تضامنهم مع قيادة الجماعة في شخص مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين -الذي وضع تحت الإقامة الإجبارية آنذاك– وتضامنهم أيضا مع أعضاء مجلس الإرشاد المكون من الأساتذة: محمد العلوي ومحمد البشيري رحمهما الله تعالى، وفتح الله أرسلان، وعبد الواحد متوكل، ومحمد عبادي، وعبد الله الشيباني صهر المرشد العام.

وقد يسر الله سبحانه للمعتصمين تجاوز الحواجز الأمنية المنتشرة في المدن المؤدية إلى العاصمة الإدارية، بينما لم يتمكن غيرهم وهم أضعاف مضاعفة من الوصول إلى المكان المخصص للاعتصام بسبب كثرة الحواجز التي أقيمت في مداخل مدينة الرباط وكذا المدن المجاورة، كما طوقت قوات الأمن بمختلف أنواعها المحطات الطرقية ومحطات القطار منذ الساعات الأولى ليوم الثامن من ماي وقامت باعتقالات واسعة في صفوف الوافدين، وقد امتلأت مخافر الشرطة للرباط والمدن المجاورة عن آخرها.

وفي اللحظات الأولى من الاعتصام أحاطت قوات الأمن وقوات التدخل السريع بالمعتصمين، ومنعت عموم المواطنين من التجمع حولهم، بله التفكير في الالتحاق بهم وتأييدهم، كما تم إغلاق جميع الشوارع المؤدية إلى ساحة الاعتصام. ثم جاءت التعليمات بإدخال المعتصمين بهو محكمة الاستئناف، وقد استغرقت العملية وقتا كبيرا لكثرة المعتصمين، وقد شكل ذلك حرجا للسلطات لأن الوقت وقت الذروة مما يتيح لأكبر قدر ممكن من المواطنين معرفة القضية وأهلها. واستمر اعتقال المعتصمين إلى الساعات الأولى من اليوم الموالي.

وقد كان لهذا اليوم دروس وعبر، نذكر منها:

* فشل مخطط النظام في القضاء على الجماعة بمحاصرة مرشدها واعتقال قيادته المتمثلة في أعضاء مجلس الإرشاد.

* تماسك الجماعة وقوتها المتمثل في الحضور المكثف للاعتصام (كان اليوم يوم عمل ودراسة).

* حسن الانضباط والتخلق وتجنب ردود الفعل ونبذ العنف رغم الاستفزازات.

* اللجوء إلى الله والتوكل عليه حيث خصصت فترة الاعتقال لذكر الله تعالى والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاوة القرآن والاجتهاد في الدعاء.

* من غريب المفارقات أنه في الوقت الذي تحاكم فيه قيادة العدل والإحسان على آرائهم وأفكارهم واختياراتهم ويمنع آلاف من أعضاء الجماعة من إبداء التضامن بل حتى التنقل، يعلن رسميا عن تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

وتبرز هذه المحطة، وغيرها من قبلها وبعدها، فضل الله وتوفيقه للجماعة في مختلف مواقفها، ولله الفضل والمنة.