1_ المحبة والتعظيم

تقديم

تبين مما سبق، من الفصول السابقة جلالة قدر حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتعرفنا كيف تأثر به كل من رآه، أوقرأ سيرته العطرة قراءة واعية منصفة، بعيدا عن الوسائط المشوشة. حقا إن العالم اليوم في حاجة ملحة لإعادة قراءة السيرة النبوية، ففيها الحلول الواقعية لكل المشاكل التي تتخبط فيها البشرية، ستجد فيها ضالتها، وكيف تضع رجليها في الطريق الصحيح نحوالرقي والأمن. إن أول شيء فعله حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم هوتغيير عقلية أبناء المجتمع البشري، ونشر معاني الأخوة والمحبة والتضامن بين أبناء المجتمع الإنساني، وهذا ما تفتقده المجتمعات البشرية الآن، فميزة المجتمع اليوم الفرقة والتشتت، وغلبة المصالح الفردية الضيقة على مصلحة الأمم والشعوب. فإذا تقرر مما سبق حاجة البشرية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجبت على الأمة حقوق ينبغي أن تفي بها، منها محبته وتعظيمه واتباع سنته وما جاء به.

1- محبته وتعظيمه

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عباس: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي” 1 . ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا أن من مقتضى الإيمان حب النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره “والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين” 2 يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان: فاصل بين حب الله وحب رسول الله وحب أهل بيت رسول الله، وإن تنوعت النعمة. وأعظم نعم الله علينا الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم. اللهم لك الحمد على ما تغذونا به من نعمك، ولك الحمد على نعمتك العظمى محمد حبيبك.

ولا حدود للتفاني في محبة الشخص الكريم على الله حتى يكون أحب إلينا من الناس أجمعين ومن أنفسنا. روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: )“كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهوآخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك!” فقال عمر: فإنه الآن والله لأنْتَ أحبُّ إلي من نفسي! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “الآن يا عمر!””.

مَلَكَ والله ناصيةَ التوفيق من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وذاق حلاوة الإيمان، وأشرف على مشارف الإحسان، ودحض مزاعم الشيطان الذي يزعم أن التفاني في حب الذات المحمدية غلو. يا شيطان، هذه أنوار حبه الشريف المنيف فهل من محيص!

محبة أبي بكر للنبي

بلغ الصديق رضي الله من تعظيم ومحبة حبيبه صلى الله عليه وسلم درجة الكمال، لذلك قال بكر بن عبد الله المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه). قال عمر بن الخطاب لو وزن إيمان أبو بكر الصديق بإيمان أهل الأرض لرجحهم بل الإيمان يزيد بل الإيمان يزيد قالها ثلاثا) 3 . وهذه بعض الصور من محبة الصديق للنبي الكريم:

– عطش النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة فجرى أبو بكر يأتي له بشيء قال فحلبت له كثبا من لبن فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يشرب قال فشرب حتى رضيت. صحيح مسلم. انظر إلى كمال المحبة، هذا ما يطلق عليه السادة الصوفية بالفناء في المحبة، حتى صار حبيبي أبو بكر وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وكأنهما روحا واحدة، ارتوى حين شبع حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولأبي بكر الصديق موقف مماثل، فقد مرض النبي صلى الله عليه وسلم فرقد منطرح الفراش، فذهب إليه أبو بكر رضي الله عنه يزوره، فلما رآه في فراشه حزن عليه حزنا كبيرا. وعندما رجع أبو بكر رضي الله عنه إلى بيته مرض حزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما شفي النبي صلى الله عليه وسلم من مرضه زار أبا بكر الصديق رضي الله عنه انبسطت أساريره فرحا بشفاء النبي صلى الله عليه وسلم فشفى لرؤيته وقال الصديق رضي الله عنه معبرا عن هذا الحب المنقطع النظير: مرض الحبيب فعدته *** فمرضت من أسفي عليه
شفي الحبيب فزارني *** فشفيت من نظري إليه
– لما ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضّـلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال: “والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا بكر ما لك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟ فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلا أن تكون بي دونك، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الجحرة، فدخل واستبرأ، تم قال: انزل يا رسول الله، فنزل. فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر” 4 “ودخل الغار أبو بكر وجعل يسد الأحجار كلها، فبقى منها جحر واحدة ألقمه كعب رجله، ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه الصلاة والسلام ووضع رأسه في حجر أبي بكر الصديق ونام لشدة ما اعتراه من تعب. ولدغ أبو بكر رضي الله عنه من ذلك الجحر الذي وضع عليه رجله، فلم يتحرك لئلا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن دموعه سقطت من شدة الألم على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتبه عليه الصلاة والسلام، وقال لأبي بكر الصديق: “ما لك؟” قال: “لدغت فداك أبي وأمي”، فوضع عليها من ريقه الشريف فزال الألم. ولما أصبحا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق: “أين ثوبك؟”، فأخبره أنه مزقه ووضعه في الحجار، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: “اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة””.

– عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما كان عام الفتح ونزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذا طوى قال أبوقحافة لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية أشرفي بي على أبي قبيس وكان قد كف بصره فأشرفت به عليه … فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “هلا تركت الشيخ في بيته حتى آتيه، فقال يمشي هو إليك يا رسول الله أحق أن تمشى إليه، وأحله بين يديه ثم مسح على صدره فقال: أسلم تسلم. ثم قام أبو بكر” 5 .

محبة الصحابة للنبي الكريم

لقد بلغوا من توقيره ما عجزت العقول عن وصفه، فكانت صور محبته وتعظيمه أغرب من خيال، وأجمل من وصف شأنهم في ذلك عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه حين فاوض النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فلما رجع إلى قريش قال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت ملِكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون النظر إليه تعظيما له) 6 . وهذه بعض المواقف المنيرة من حياة خير البشر الذين اصطفاهم واختارهم الله تعالى لصحبة ومحبة ونصرة حبيبه صلى الله عليه وسلم:

– عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يخبر عن علي رضي الله عنه: شرى علي نفسه، ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسه بردة، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يرمون عليا، ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد لبس بردة، وجعل علي رضي الله عنه يتضور، فإذا هوعلي فقالوا: إنك للئيم إنك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور ولقد استنكرناه منك) 7 وسئل علي بن أبي طالب كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ.

– عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله نزل عليه فنزل في السفل وأبو أيوب في العلو فانتبه أبو أيوب فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ! فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي – يعني: في ذلك – فقال النبي: «السفل أرفق بنا». فقال: لا أعلوسقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله في العلو، وأبوأيوب في السفل فكان يصنع لرسول الله طعاما فإذا جيء به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسول الله.) 8

– كان حبيبي صلى الله عليه وسلم يعدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: “استو يا سوادٍ!، فقال يا رسول الله: أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني، قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: استقد! قال: فاعتنقه، فقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له “استو يا سواد!” “ 9 – عن أسيد بن حضير، قال: “بينما هو يحدث القوم، وكان فيه مزاح، بينما يضحكهم، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود، فقال: أصبرني، قال: اصطبر، قال: إن عليك قميصا وليس علي قميص! فرفع النبي – صلى الله عليه وسلم عن قميصه، فاحتضنه وجعل يقبل كشحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله!” 10

– وترّس أبو دجانة يوم أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك 11 .

– أما طلحة بن عبيد الله – رضي الله عنه – فقد شلت يده حيث كان يقي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن قيس بن أبي حازم قال “رأيت يد أبي طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد” 12 .

– ومصّ مالك الخدري جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنقاه، فقال له صلى الله عليه وسلّم: “مجه. قال: والله ما أمجّه أبداً” 13 .

– عن أم عبد الرحمن بنت أبي سعيد، عن أبيها أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: “شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه يوم أحد فتلقاه أبي مالك بن سنان فلحس الدم عن وجهه بفمه، ثم ازدرده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من سره أن ينظر إلى من خالط دمي فلينظر إلى مالك بن سنان”” 14 .

– عن عبد الله بن الزبير أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: “يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراه أحد. فلما برزت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:ما صنعت يا عبد الله! قال: جعلته في مكان ظننت أنه خاف عن الناس، قال: فلعلك شربته، قال: نعم، قال: ومن أمرك أن تشرب الدم! ويل لك من الناس وويل للناس منك.” 15

_ نزل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف، وكان المغيرة بن شعبة يدعى أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أخذت خاتمي فألقيته وقلت إن خاتمي سقط من يدي لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به. 16

ما حدث للصحابة عقب وفاته صلى الله عليه وسلم

ومن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها وغيرها من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض وارتفعت الرنة وسجى رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة دهش الناس وطاشت عقولهم وأقحموا واختلطوا، فمنهم من خبل ومنهم من أصمت ومنهم من أقعد إلى أرض، فكان عمر ممن خبل، وجعل يصيح ويحلف ما مات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان ممن أخرس عثمان بن عفان، حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلاما، وكان ممن أقعد علي رضي الله عنه فلم يستطع حراكا، وأما عبد الله بن أنيس، فأضني حتى مات كمدا… وفي هذا الخبر أن عمر قال: فعقرت إلى الأرض، يعني حين قال له أبو بكر ما قال، يقال عقر الرجل إذا سقط إلى الأرض من قامته) 17 .

يحكي بلال رضي الله عنه عن نفسه، يقول: لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أراد أن يؤذن وجاء إلى: “أشهد أن محمدًا رسول الله” تخنقه عَبْرته، فيبكي، فمضى إلى الشام وذهب مع المجاهدين. وبعد سنين رأى بلال النبي -صلى الله عليه وسلم- في منامه وهو يقول: (ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزيناً، فركب إلى المدينة، فأتى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وجعل يبكي عنده ويتمرّغ عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يقبلهما ويضمهما فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر! فعلا سطح المسجد فلمّا قال: الله أكبر الله أكبر! ارتجّت المدينة فلمّا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، زادت رجّتها فلمّا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، خرج النساء من خدورهنّ، فما رؤي يومٌ أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم. وعندما زار الشام أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- توسل المسلمون إليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة، ودعا أمير المؤمنين بلالا، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها، وصعد بلال وأذن، فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبلال يؤذن، بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا، وكان عمر أشدهم بكاء.)

محبة الصحابيات للنبي الكريم

ولم يكن هذا التفاني، وذاك الحب خاصا بالرجال فحسب، بل حتى النساء ضربن أروع الأمثلة في البذل والفداء، والتضحية والعطاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهر من صدق الحب له عليه الصلاة والسلام منهن الشيء العظيم، والمواقف هي التي تكشف هذا الأمر، فمن تلك المواقف:

– تروي أم عمارة المازنية، تقول “خرجت يوم أحد لأنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، اسقي به الجرحى فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والربح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى حصلت إلي الجراحة”. وكانت تجول هنا وهناك حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حقها “ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني”” 18 .

-. وجاءت إليه صلى الله عليه وسلم أم سعد بن معاذ –رضي الله عنه– تعدو وسعد آخذ بلجام فرسه فقال: “يا رسول الله أمي فقال صلى الله عليه وسلم: مرحبا بها. ووقف لها، فلما دنت عزاها بابنها عمر وبن معاذ فقالت “أما إذ رأيتك سالما فقد اشتويت (استقللت) المصيبة” 19 .

يقول الأستاذ عبد السلام يس في الإحسان: كان عند الصحابة رضي الله عنهم من المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغ بهم أن يفتدوه بالمهج، ومن التعظيم والهيبة لذلك الجناب ما يُخرس الألسن ويغض الأبصار ويُطوِّق الأنفس بِحَرَس من جلاله صلى الله عليه وسلم وجماله. إنه رسول الله! وكفى.)

محبة التابعين للرسول صلى الله عليه وسلم

إذ إن تعظيمه صلى الله عليه وسلم ليس مقتصرا على حياته فقط، بل ينبغي أن يمتد حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: اعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، ذلك عند ذكره وذكر حديثه، وسننه، وسماع اسمه، وسيرته، ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته، وصحابته).

ومن صور هذا التعظيم ما رواه مصعب بن عبد الله –رضي الله عنه– عن مالك بن أنس –رضي الله عنه– أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تغير لونه وانحنى حتى يصعب على جلسائه فقيل له يوما في ذلك فقال لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون).

وذكر القاضي عياض –رحمه الله تعالى- أن محمد بن المنكدر وكان سيد القراء، لا يكاد يسألونه عن حديث أحد إلا بكى حتى يرحمونه.

وكان جعفر بن محمد كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر.

وقد بلغ من توقيرهم للرسول صلى الله عليه وسلم أن عظموا حديثه غاية التعظيم فكرهوا أخذه وهم قيام أومضطجعون.وكان المحدث لا يتصدر حلقة الدرس إلا بعد أن يتوضأ ويرتدي أجمل ثيابه ويتهيأ لهذا المجلس العظيم.

ومما روي عن مالك –رضي الله عنه– أنه كان إذا أتاه الناس، خرجت إليهم الجارية تسألهم: هل يريدون الحديث أم المسائل. فإن قالوا المسائل خرج إليهم، وإن قالوا الحديث دخل مالك مغتسله واغتسل، وتطيب، ولبس ثيابا جددا، وتنصب له منصة فيجلس عليها وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما سئل عن ذلك قال أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ول أحدث به إلا على طهارة متمكنا).

وأعجب من هذا ما رواه عبد الله بن المبارك –رحمه الله تعالى- قال كنت عند مالك وهو يحدثنا فلدغه عقرب ست عشرة مرة وهو يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث رسول لله صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس قلت: يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبا. قال: نعم إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.) 20

ثمرة محبة النبي صلى الله عليه وسلم

يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا بعض أصحابه، وأخذ رسول الله بيدي ومشى، يقول عمر: فوجدت نفسي أقول: والله يا رسول الله إني أحبك! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أكثر من ولدك يا عمر؟” قلت: نعم، قال: “أكثر من أهلك يا عمر؟” قلت: نعم، قال: “أكثر من مالك يا عمر؟” قلت: نعم، قال: “أكثر من نفسك يا عمر” قلت: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يا عمر، لا يكمل إيمانك حتى أكون أحب إليك من نفسك” يقول عمر: فخرجت ففكرت ثم عدت أهتف بها: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي: “الآن يا عمر الآن يا عمر” فقال عبد الله بن عمر: ماذا فعلت يا أبي لتعود بها؟ فقال عمر: يا بني خرجت فسألت من أحتاج يوم القيامة أكثر، نفسي أم رسول الله؟ فوجدت حاجتي إليه أكثر من حاجتي إلي نفسي، وتذكرت كيف كنت في الضلال فأنقذني الله به”.

وروى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: “أَنَّ أَعْرَابِيَّا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَتَىَ السَّاعَةُ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟” قَالَ: حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: “أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ””. قال أنس فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الإسلام بشيء ما فرحوا به.

إن من أوثق عرى الإيمان، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا طريق موصل إلى باب الله تعالى دون المرور ببابه صلى الله عليه وسلم، فالصحابة الكرام نالوا الدرجات العلى، وأعلى مقامهم سبحانه وتعالى بمجرد صحبتهم للنبي المحبوب ومحبتهم له وتعظيمه، يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله: هذه بعض الصور لأهل الإيمان الأولين. ومن أصدق المعايير على تردّي إيماننا ذبول زهرة الحب الإلهي النبوي في قلوبنا. حالت أكداس الكتب والتفاريع بيننا وبين المعين الفياض، حالت بيننا وبين الوراثة القلبية لأولئك الرجال انقطاعات الفتنة. واحتفظ الصوفية رضي الله عنهم بالتعلق الشديد بجناب النبوة. قال الناطق بلسان الصفوة المحبين شيخ الإسلام ابن القيم نضر الله وجهه: “فهذا العلم (يعني علم القلوب، علم الأولياء) الصافي المتلقّى من مشكاة الوحي والنبوة يُهذب صاحبَه لسلوك طريق العبودية. وحقيقتها التأدب بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، وتحكيمُه باطنا وظاهرا، والوقوفُ معه حيث وقف بك، والمسيرُ معه حيث سار بك، بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كلَّه سرَّه وظاهره(…) وتعلق قلبك بقلبه الكريم، وروحانيتك بروحانيته، كما يُعَلِّق المريد روحانيته بروحانية شيخه” مدارج السالكين.

لكن أنى لك بذلك التعلق بالقلب الأسمى والجناب الأحمى ونفسك في الحضيض، عديمُ الإرادة، ساقط الهمة! عليك بمحبة العوام واسأل ربك أن يقيض لك روحانية عارف تطير بك همتها بأجنحة المحبة إلى رحاب الوحي والنبوة.

إن تَوَلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه الدائمة، وحب آل البيت المطهرين، وتولي صحابته، لَمِمَّا يقرب المسافات للمريد الطالب) 21


[1] رواه الترمذي والحاكم.\
[2] البخاري.\
[3] مسند إسحاق.\
[4] رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة.\
[5] الإصابة في تمييز الصحابة. \
[6] زاد المعاد.\
[7] المستدرك.\
[8] البداية والنهاية لابن كثير.\
[9] إسناده حسن – الألباني.\
[10] مشكاة المصابيح.\
[11] البداية والنهاية.\
[12] صحيح البخاري.\
[13] البداية والنهاية.\
[14] المستدرك.\
[15] الهيثمي.\
[16] مجمع الزوائد.\
[17] الروض الأنف.\
[18] السيرة الحلبية.\
[19] السيرة الحلبية.\
[20] الشفا للقاضي عياض.\
[21] الإحسان.\