إضاءات ثلاث

– الإضاءة الأولى: آلة الفهم

هناك كتب تقف عند مرحلة زمنية معينة دون أن تبرحها، ويؤدي التقدم السريع للزمن إلى اغترابها ومن تم إلى تنامي فجوة عميقة بينها وبين عصرها، وهناك كتب لا يزيدها قابل الأيام إلا وضوحا وسطوعا ورسوخا..

ونحن أمام كتاب القرآن والنبوة، وعلى الرغم من أنه كُتب قبل أزيد من ثلاثين سنة، فإن دلالاته ومعانيه مازالت ممتدة في الزمان والمكان لأنه من جهة، يضع أفقا واضحا أمامه وهو قيام دولة القرآن تأسيسا وبناء وتوحيدا للأمة ومن جهة أخرى، وهذا هو الأساس، لأن كلماته كانت ولازالت وستبقى توقظ في النفوس هم الله ولقائه وطلب رضاه.

مرت ثلاثين سنة إذن، استجدت أمور وتغيرت أحوال وبقيت كلمات الكتاب حية متقدة لأنها بنات فهم منهاجي تتلمذ على مائدة الوحي وهديه وهكذا هي كتب المجددين. تتغير الأحوال والظروف وتبقى آلة الفهم والدرك لأحوال الناس وحركاتهم وتقلبات مصائر الأمم.

ولا غرو، فالفهم المنهاجي يعيش مع الأحداث لا يتجنبها ولا تستفزه ويراقب الواقع بقلب مطمئن ولكن بعين فاحصة مستخلصا العبر والدروس واضعا خطة العمل لبناء معالم مشروع الخلاص الفردي والجماعي..

– الإضاءة الثانية: وحدة تصور

للكتاب له ما قبله وسيكون له ما بعده، فهو لبنة واحدة من لبنات مشروع كبير لازال أكثره مخطوطا. إنه حلقة من حلقات يشد بعضها بعضا وليس صيحة معزولة في واد. فكتاب القرآن والنبوة شأنه شأن سابقيه (ولاحقيه)، يفتل في صيرورة بنائية وفقه مستقبلي ومصيري من خلال مشروع متكامل لبناء الفرد والجماعة والأمة وخدمة الإنسانية. هذا المشروع الذي حمل لواءه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، وتجسده مختلف كتاباته، وتنصب كلها على اكتشاف منهاج النبوة إذ العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة، عظماء الأمة، نخبة الإنسانية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته “المعجزة التاريخية” التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير) 1 .

إننا بقراءتنا وفهمنا للقضايا الكبرى التي يطرحها كتاب القرآن والنبوة نستكشف لبنة هامة من لبنات عمل بناء صرح الحركة الإسلامية المعاصرة لفتح آفاق كبيرة وعظيمة لإعادة بناء الأمة على الطريقة النبوية. لدى وجب وضع الكتاب في سياقه العام مادامت أفكار الأستاذ عبد السلام ياسين يشرح بعضها بعضا.

– الإضاءة الثالثة: وحدة جهاد

الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله من خلال كتاباته العديدة وتأسيسه لجماعة العدل والإحسان لا يهدف إلى بناء فكر مجرد وحركة سطحية بقدر ما يهدف إلى إشاعة نور القرآن على العالم عبر صناعة رجال مؤمنين وأمة شاهدة بالقسط وقائمة بالعدل الشامل. إنه يسعى إلى بناء قوة مجتمعية مؤهلة لحمل هذا الهم القرآني النبوي وهذه أنموذجية فريدة في ردم الهوة بين التنظير والفعل. يقول الأستاذ المرشد قل لي كيف أسير، عمليا وعينيا ويوميا، على المنهاج النبوي، كيف تسير الجماعة حزب الله لتجتمع رحمة الإيمان وحكمة الإيمان فتكون الطاقة الدافعة والخبرة الإنجازية الكفيل اجتماعهما بتأهيلنا لاقتحام العقبة.) 2

أبعاد ثلاثة

يقع الكتاب في حوالي مائة صفحة من الحجم المتوسط كتب بأسلوب شيق ريق مطرب مدهش، تجد فيه تفاعلا بين الأصل والعصر، بين العقل والنقل، بين الفقه والواقع. تمتزج في الكتاب ثلاثة أبعاد: بعد تأصيلي وبعد تنزيلي وبعد تربوي إيماني. سنحاول تلمس بعض تفاصيلها ما استطعنا الى ذلك سبيلا!!

– البعد التأصيلي

أهم سمات الكتاب أنه كتب بأسلوب قرآني سني برئ من لوثات الفلسفة وعجمات الحذلقة الثقافية، فهو لا يخجل من توظيف العلم النبوي في قراءة الواقع والتاريخ والمستقبل، لدى كانت كلماته صادقة صافية تسطع بفيوضات إرشادات القرآن.

يقول في أول فقرات الكتاب: عالم متحرك عنيف. فيبدو من يتحدث فيه عن الوحي والنبوة ناشزا حالما. يبدو للغافل عن الله الإخبار عن المنهاج النبوي، وذكر الله ورسوله وسط هذه الأحداث الصاخبة انفلاتا من حلبة المواجهة.) 3 .

ويقول في فقرة أخرى أين تلك الجماعة التي سرت فيها روح القرآن، وتآلفت قلوبها بفضل الله ورحمته؟ بناء قوضته ظروف التاريخ، بل قدر الله! استغفر الله من تعابير ومصطلحات فرضتها علينا ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم. ويجد المرء حرجا، منذ لوث لغتنا الشريفة أصحاب الفكر المترجم، أن يجمع لساني القدر والشرع كما يجمع القرآن وتجمع السنة. وهذا من التقويض التاريخي) 4 .

وعبر فصول الكتاب وسطوره يتردد ذكر الله والآخرة والمعاد ولا يسكت عن بعض ما لا تستسيغه عقول الجاهلية المريضة، يقول بالقرآن ابتنيت نفوس مؤمنة، ومجتمع مؤمن، وحركة في العالم إيمانية. بالقران عرف أهل القرآن الله عز وجل، وبه استناروا في سلوكهم النفسي ومعراجهم الروحي في معارج الإيمان. وبالقرآن كانوا القوة التي حطمت باطل الشرك، وبه أقاموا العدل.) 5

– البعد التنزيلي

ونقصد به أسئلة الكيف التنزيلي التي تنقل الفكر المجرد إلى واقع التحقق، وللإشارة فإن أول ما أثار انتباهنا هو تعدد الأسئلة وكثافتها، حيث احتوى الكتاب أزيد من خمسين سؤالا نعرض بعضا منها:

* كيف نعود ونتخذ القرآن إماما، وكيف نجتمع عليه علما وعملا، وكيف “ننظم” به ما بيننا؟) 6 .

*لماذا اختنق العقل فكان اختناقه سببا لانحطاط المسلمين؟ لماذا انحطوا والقرآن فيهم يتلى؟ لماذا انهزموا والقرآن قوة؟ وجهلوا والقرآن علم؟ وتظالموا والقرآن عدل؟ وتعادوا وتقاتلوا والقرآن أخوة؟) 7 .

*فكيف تتصرف دولة القرآن مع العقل، وأية مجالات تفتح له، وبأية وسائل تراقبه؟) 8 .

*كيف تتصورون شمولية لا تصب مجتمعكم الاسلامي باسم الاسلام وشمول شريعته في مسار الظلم واحتكار السلطة واستعلاء الحاكم على المحكوم واستعباد الإنسان في الداخل والعدوان عليه في العالم؟ كيف تتجنبون شمولية ظلم الحكم الشيوعي الذي يحتكر فيه الحزب كل ما تقوم به حياة الناس باسم شمولية المذهب؟) 9 .

*كيف نتلافى أخطار شمولية تخنق الانسان كما فعلت دولة الإيديولوجية؟ كيف تكون خلافة على منهاج النبوة كما جاء الوعد لا استمرارا للملك الجبرية ولا تكرارا للملك العاض؟) 10 .

*واليوم ما سبيل جمع ما أصبح شتيتا؟ ما منهاجه؟) 11 .

*فماذا تجمع؟ وكيف تعود بالأمة لوحدة المنهاج النبوي وتماسك الأمة وأخوة الإيمان والعزة على الأعداء؟) 12 .

*فأين السنة المحترمة-أي المسكينة المتخلفة-من مشاكل التصنيع والصراع الدولي وآفاق العلم وإمكانيات التكنولوجيا؟) 13 .

*نحن حاملو رسالة، لكن هل نقدر معنى أن معنا آخر كلمة خاطب بها الخالق خلقه، وأكمل رسالة أنزلها رب السماوات والأرض لعباده؟) 14 .

*لما بعث الله الرسل؟ لم فرض الله الجهاد؟ لم جعلها دنيا وآخرة، جنة ونار؟ ما الغاية من كل هذا؟) 15 .

والأستاذ المرشد بطرحه لهذه الأسئلة يعيد وصل الوحي الرباني الثابتة آياته بالواقع المتغايرة ابتلاءاته وتفاعلاته لأنه ينظر للأمور من أعالي التاريخ ويرتوي من النبع الصافي الزلال. يقول نبدأ إن شاء الله تعالى في الفصول التالية بتأمل البناء الأول كيف تم. ثم كيف انتقض عروة عروة. ونتأمل أسباب الانتقاض، ونلتمس منهاج النبوة لإعادته كما كان (…) جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ويخفون بفرح ونشاط لتشييد الإسلام بعد كنس ركام النقض في عصور الدخن الماضي والشر المحيط.) 16

– البعد التربوي الايماني

أول ما يلاحظ على كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تكاملها النسقي بحيث لا تنفصل قراءة التاريخ وتحليل الواقع واستشراف المستقبل عن هم الآخرة، لذلك لم يكن كتاب القرآن والنبوة بدعا من الكتب السابقة فجاءت فصوله تهتم بمخلوقية العبد وتكليفه وندائه إلى اقتحام العقبة للقاء ربه وبعثه بعد موته وجزائه وسعادته الأبدية وشقائه. يقول في فقرة تركت فيكم هل ضاع سر تربية جيل القرآن جند الرحمان وتنظيمه وقيادته بوفاة الرسول المعظم وغياب شخصه الكريم؟ هل خبا إلى غير رجعة ذلك النور النبوي الذي قبس منه الصحابة فوصلهم بنور القرآن وقربهم من الله جلت قدرته فأحبهم ونصرهم؟ كلا، بل هو صلى الله عليه وسلم النموذج الخالد لكل الأجيال. فمتى اكتشفنا من خلال كتاب الله وسنة نبيه سر التربية النبوية ومنهاجها انفتحت عنا أغلاق الجاهلية الراتعة في الأفئدة، المقيمة عليها، المقيدة لطاقات الفطرة الإيمانية، تمنعها من الانطلاق) 17 .

ويضيف حفظه الله، في فقرة صرامة، قد يتراءى للملاحظ السطحي أن جاهلية هذا العصر حضارة متماسكة. وقد تكبر في عينه إنجازاتها الصناعية والعلمية إذا قاس كل ذلك بمقياس الكم. لكن الإنسان تحت الهياكل الحضارية ما أصابه؟ إنسان عصرنا وثني يعبد مصنوعاته كما كان يعبدها وثني الجاهلية الأولى. يعبد شهواته كما كان يعبدها من قبله. كان للعرب هبل واللات والعزى. وهبل هذا العصر وأصنامه أكثر فتكا بأخلاق الإنسان وحياة الإنسان. هبل هذا العصر حكام متألهون. معابدهم التلفزيون والصحف وسائر وسائل الإعلام. أصنام تتكلم وتفتري وتفرض ألوهيتها على الناس. فأصنام الجاهلية الأولى أمامها هي السذاجة بعينها. أين سطو القبائل بعضها على بعض يومذاك من الهجمة الاستعمارية وضرب الشعوب بعضها ببعض نيابة عن شقي الجاهلية المعاصرة؟ أين أسلحة ذلك العصر من أسلحة الإلكترون والصواريخ؟… كانت تلك جاهلية في روحها، وهذه اليوم نفس الروح تهيمن على العالم باسم الحضارة والتقدم.) 18

خاتمة

إن أحسن ما نختم به مقالتنا هاته هو تلاوة الدعاء الذي ختم به الأستاذ المرشد الفصل الأول من الكتاب جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ويخفون بفرح ونشاط لتشييد الإسلام بعد كنس ركام النقض في عصور الدخن الماضي والشر المحيط.)


[1] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، ص 34.\
[2] نفس المرجع، ص34.\
[3] القرآن والنبوة، ص 11.\
[4] نفسه، ص 37.\
[5] نفسه، ص 14.\
[6] نفسه، ص 16.\
[7] نفسه، ص 19.\
[8] نفسه، ص 22.\
[9] نفسه، ص 26.\
[10] نفسه، ص 28.\
[11] نفسه، ص 37.\
[12] نفسه، ص 38.\
[13] نفسه، ص 38.\
[14] نفسه، ص 63.\
[15] نفسه، ص 91.\
[16] نفسه، ص 40.\
[17] نفسه، ص 66.\
[18] نفسه، ص47.\