القصة3: “أقربكم مني مجالسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون”.

في طريقها لقضاء بعض حوائجها، كانت الأم عائشة مستغرقة في ترداد الكلمة الطيبة، فقد اعتادت على ذلك منذ لامس قلبَها نور الإيمان، فأشاع الضياءَ في كل مناحي حياتها فصارت تلهج بالذكر في مسعاها، ومستقرها، في مصبحها، وممساها، في كل أحوالها. فالقلب منها دائم التعلق بالله منشغل به مستشعر قربه، وفجأة طرق سمعها كلامٌ يخدش الحياء يصدر من طفلة في مقتبل العمر لم تجاوز الثامنة من عمرها تمطر به رجلا رفض إعطاءها بعض المال. نظرت الأم عائشة إليها فلفت انتباهَها ما عليه هذه الطفلة من سوء حال يثير الشفقة، طفلة نحيفة ممزقة الثياب تظهر معها بعض الأطراف متسخة الوجه وما ظهر من جسمها، يبدو عليها أثر البؤس والشقاء، قدمان منتفختان تميلان إلى السواد لشدة البرد، أو لكونهما لم تنظفا قط في نعلين من البلاستيك لا تكادان تستران شيئا تبرز الأصابع ذات الأظافر الطويلة المتسخة وشعرها أشعث تفركه بيديها المرة تلو المرة.

أثار منظر هذه الطفلة ذاكرة الأم عائشة وراحت تسترجع آلام الآلاف من المحرومين والمشردين والبؤساء والمعوزين في بقاع عديدة من المعمور يئنون تحت وطأة الفقر والحاجة والضياع، فنزلت دموع غزيرة من عينيها تلاقت في نحرها، اتجهت نحو الطفلة ودون أن تشعر ضمتها بحرارة إلى صدرها ملقية عليها كل معاني العطف والحنان والمواساة مما جعل الطفلة تشعر بشيء غريب على الرغم من طبعها الحاد.

سألت الأم عائشة: ما اسمك يا بنيتي؟. نظرت الطفلة إليها نظرة استغراب، وتساءلت لماذا تسألين؟! هل يهمك أمري؟! ودفعتها: ابتعدي عني وشرعت كعادتها في التلفظ بسيل من الألفاظ البذيئة، لكن الأم عائشة بهدوئها المعتاد انتظرت هنيهة وبدأت تهدئ الطفلة حتى سكن ما بها من غضب، ربتت على كتفها وأخذتها بعيدا عن الأنظار، مدت يدها إلى محفظتها أخرجت منها قطعة حلوى أعطتها للطفلة التي التقطتها بحركة خفيفة وشرعت في التهامها. أعادت الأم عائشة السؤال متحببة إلى الطفلة مشفقة عليها أشد الإشفاق ما اسمك يا صغيرتي؟

الطفلة وقد أحنت رأسها: ينادونني “حادة”.

أين أبواك؟

حادة في استغراب: أبواي؟! لا أعرف لي أبوين فأنا وحيدة.

نظرت إليها بتركيز وأضافت: نعم وحيدة لا أب لي، لا أم لي، لا قريب ولا حبيب.

الأم عائشة: ومن يسهر عليك؟ أين تعيشين؟ أين تسكنين؟

حادة وقد رفعت نبرة صوتها: ألا تفهمين؟! أنا أعيش في الشوارع ألتقط رزقي من هنا وهناك، ألم يسبق لك أن رأيت أطفال الشوارع؟ إنهم كثيرون ينتشرون في كل مكان ينافسونني يا لهم من أشقياء، أوغاد! تشير إليها بلهجة المحذر: إذا لم تكوني لهم بالمرصاد ابتلعوك كوحش مفترس يلتهم فريسته. واستمرت حادة في حكاية ما تقوم به وسرد حكاياتها مع الناس المضحك منها والمبكي والمزعج أيضا، والأم عائشة تنصت باهتمام شديد، ولما انتهت سألتها الأم عائشة في شبه عتاب: ولكن كيف تتلفظين بمثل هذه العبارات؟ ألا تخجلين؟ أنت صغيرة وحلوة ورقيقة.

حادة في حنق: ولكنهم يدفعونني إلى ذلك يقسون علي كثيرا فأدافع عن نفسي ليس غير، أرد عليهم بما يستحقون.

أدركت الأم عائشة أن هذه الطفلة في حاجة إلى رعاية شاملة، لا ينفع معها التأجيل فقررت أخذها إلى البيت للسهر على تربيتها وإيلائها كل الاهتمام الذي يجعلها مستقيمة حتى تغدو كمثيلاتها من البنات تنبهت حادة إلى أنها تسير في غير الوجهة التي تناسبها، وكأنها أخذت على حين غرة، فاحتجت على الأم عائشة: أتريدين اختطافي يا هذه؟!

لا يا بنيتي حاشا أن أفعل اهدئي لا تخافي.

أنا! أنا أخاف منك أنت! إلى أين تأخذيني؟

إلى بيتي حيث تجدين السكينة والراحة والأمل.

حادة وقد أطلقت ضحكات عالية: بيتك أنت لك بيت؟ هذا العجب وأي العجب!

الأم عائشة: نعم لي بيت جميل يحبه الأطفال ويأنسون فيه، فيه كل ما تحتاجين إليه، أكل ولعب وملابس جميلة وحمام ساخن لن تشعري فيه بأي تعب أو انزعاج أو خصاصة.

حادة: أتعتقدين أنني سأرافقك إلى بيتك المزعوم؟ أنت واهمة لا لن أرافقك.

الأم عائشة: اذهبي معي وجربي فإن أعجبك الأمر بقيت، وإن لم يعجبك خليت سبيلك.

حادة أنت واثقة من نفسك كثيرا؟!

الأم عائشة: عليك فقط أن تجربي فقد يعجبك الأمر وترتاحين تنظر إليها باستعطاف: أرجوك افعلي.

صاحبت حادة الأم عائشة إلى بيتها، قامت بتنظيفها وإطعامها وألبستها ملابس جميلة، فبدت الطفلة جميلة جميلة جدا كأنها وردة يتباهى بها روض جميل. أولتها الأم عائشة كل عنايتها وأحسنت معاملتها وألحقتها بغرفة الأخلاق حيث تلقت دروسا وواظبت على حضور ورشات جعلت منها طفلة أخرى مهذبة ورقيقة وسعيدة.

فولدت الطفلة حادة من جديد وأصبحت بارة بالأم عائشة في بيتها الجميل.

فيا لها من صاحبة ومربية ومعلمة وراعية الأم عائشة البشوش!

شعرسر الفتى في نطقه *** وخيره في فعله
في وجهه بشاشة *** وقاره في شكله
نهى الرسول عن خنا *** لمؤمن في قوله
عن سبه لغيره *** أو طعنه أو جهله
فلتلتزمْ خير المقا *** لِ تنتفعْ بفضله