شهر الحسم

لكل شهر خاصيته، وماي شهر الحسم في أكثر من مجال. شهر حاسم بالنسبة للموسم الفلاحي في بلد لم يهيكل قطاعا يعتبره منذ الاستقلال رافعة التنمية؛ فالموسم مهما كان مطراً تبقي تساقطات شهر ماي حاسمة. شهر حاسم بالنسبة للموسم الدراسي، وعليه يعول لاستدراك ما فات، وتثبيت ما حُصل استعدادا لخوض “شر” لا بد منه: الامتحانات. شهر حاسم للطبقة العاملة، فيه تعبأ القواعد العمالية وتشحن البيانات عرضا للمطالب التي تلتف عليها الحكومة بـ”بدعة” الحوار الاجتماعي. شهر حاسم بالنسبة للدولة، فبانصرافه ستخلد مؤسسات الدولة حكومة وبرلمانا وإدارات عمومية إلى ما يشبه العطلة البيولوجية، فالمسؤولون خارج التغطية وعقارب الزمن الإداري المغربي تتوقف إلى ما بعد الصيف.

أحداث ومواقف في شهر ماي

ماي -كان وما يزال- شهر الحسم والحسم المتبادل بالنسبة لجماعة العدل والإحسان في تدافعها مع المخزن. ونعرض فيما يلي لأهم الأحداث والمواقف التي شهدها شهر ماي منذ بزوغ فجر الجماعة: 1

ماي 1978: الأستاذ عبد السلام ياسين يلج المسجد بمراكش تأدية لواجب التوجيه والموعظة الحسنة.

• ماي 1978: السلطة في مراكش تمنع الأستاذ عبد السلام ياسين من إعطاء دروس بالمسجد فيفتح بيته.

• 08 ماي 1990: السلطات المغربية تحاكم مجلس إرشاد الجماعة في المحكمة الاستئنافية بعدما أدانتهم ابتدائيا بسنتي سجن نافذا، وأكدته محكمة الاستئناف لاحقا.

• 08 ماي 1990: الجماعة تنظم اعتصاما كبيرا أمام مبنى محكمة الاستئناف في قلب العاصمة الرباط قريبا من مجلس النواب تنديدا بمحاكمة أعضاء مجلس الإرشاد. وقد ضاقت مخافر الشرطة وملحقاتها بالرباط وسلا بآلاف المعتقلين من أعضاء الجماعة والمتعاطفين، ليتم الإفراج عنهم في وقت متأخر من الليل بعد إجراءات التحقيق في هوياتهم.

• 08 ماي 1990: المخزن يؤسس “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان” للالتفاف على الملف الحقوقي.

• فاتح ماي 1991: الجماعة تشارك بكثافة لافتة في مسيرات عيد العمال العالمي، وذلك في مدن الرباط، فاس، تطوان، وجدة، البيضاء، مراكش، أكادير. وقد امتازت هذه المشاركة الواسعة بالتنظيم المنضبط والسلوك المسؤول والشعارات الإسلامية المتميزة المنددة بالظلم والاستبداد والحصار المضروب على الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.

• 24 ماي 1998: جمهور كبير من رجال ونساء العدل والإحسان يشارك في المهرجان الخطابي، الذي دعت إليه الهيئة الوطنية لمساندة الشعب العراقي، بالمركب الرياضي بالدار البيضاء. وقد كان حضور الجماعة مكثفا ومميزا في المهرجان.

• 10 ماي 2000: تصريح وزير الداخلية أمام مجلس النواب في موضوع الحصار، والذي ادعى فيه أن الأستاذ عبد السلام ياسين ليس محاصرا وأنه حر يفعل ما يشاء.

• 15 ماي 2000: الأستاذ ياسين يصدر بلاغا يعلن فيه أنه سيخرج لصلاة يوم الجمعة: (19/05/2000)، وأن بيته سيكون مفتوحا لمن أراد أن يزوره ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال من نفس يوم الجمعة.

• 19 ماي 2000: الأستاذ عبد السلام ياسين يخرج من بيته -كما صرح- وسط حضور إعلامي وجماهيري مكثف، بعد أكثر من عشر سنوات من الحصار المخزني الظالم، ويؤدي صلاة الجمعة بمسجد بنسعيد بحي السلام بسلا، ثم يتوجه، بعد الصلاة رفقة أعضاء مجلس إرشاد الجماعة إلى مدينة القنيطرة لزيارة السجناء الاثني عشر من طلبة الجماعة.

• 19 ماي 2000: إدارة السجن المركزي بالقنيطرة وبتعليمات عليا تمنع الأستاذ المرشد من زيارة معتقلي العدل والإحسان.

• 20 ماي 2000: الأستاذ عبد السلام ياسين يعقد أول لقاء له مع وسائل الإعلام بعد أكثر من عشر سنوات من الحصار. وقد حضر هذا اللقاء عدد كبير ومتنوع من الهيئات الإعلامية والمنابر الصحفية الوطنية والأجنبية، من بينها هيئات ومنابر مرموقة على الصعيد العالمي.

• 31 ماي 2002: شاركت جماعة العدل والإحسان في إطار التنسيق مع مكونات الحركة الإسلامية بالمغرب في وقفة احتجاجية بالدار البيضاء أمام الفندق الذي احتضن أشغال مؤتمر الأممية الاشتراكية، تنديدا بمشاركة وفد صهيوني.

• فاتح ماي 2003: القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان يدعو في بيان له إلى العمل على إنشاء جبهة نقابية موحدة، وينظم ندوة حول: “آفاق العمل النقابي بالمغرب” بمشاركة ممثلين عن نقابات أخرى.

• 22 ماي 2003: جماعة العدل والإحسان تدعو الشعب المغربي للمشاركة المكثفة في مسيرة أمام فندق فرح بشارع الجيش الملكي بالدار البيضاء تنديدا بأحداث 16 ماي 2003 الأليمة.

• 05 ماي 2005: موقع الجماعة ينشر نص كلمة الأستاذ عبد السلام ياسين، وجهها للمؤتمرين في المؤتمر الإسلامي الأول لولاية داكوتا الشمالية بالولايات المتحدة.

• 07 ماي 2006: منع لقاء تواصلي مع الأستاذ المرشد بمدينة وارزازات.

• 24 ماي 2006: ردا على النجاح الباهر الذي حققته الأبواب المفتوحة التي نظمتها فروع الجماعة في ربوع المغرب، وزير الداخلية شكيب بنموسى يصرح لوكالة الأنباء الفرنسية قائلا: بتكثيفها للأنشطة تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون.)

محاولة لقراءة أحداث ومواقف شهر ماي

اكتفينا بعرض ما بدا مهما حتى لا نضيع أمام كثرة الأحداث والمواقف، ولمن أراد التفاصيل فليعد لتاريخ الجماعة في موقعها الرئيسي في نافذة: “من نحن”.

نميز بين هذه الأحداث بين القرارات المخزنية، وقد بلغ عددها (07) سبعة قرارات. ومواقف الجماعة ومبادراتها التي بلغت (11) أحد عشر موقفا.

وإذا كانت قرارات المخزن ذات طابع تحكمي كما يقول أهل القانون، عنوانها الأبرز “المنع” تطبيقا لتعليمات فوقية، فإن قرار تأسيس “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان” كان الغرض منه هو إضفاء شرعية حقوقية لانتهاكات المخزن السافرة لحقوق الإنسان؛ يجليها التعريف الذي أسس عليه الملك الراحل الحسن الثاني المقاربة الحقوقية المخزنية، عندما اعتبر في الخطاب التأسيسي للمجلس أن الذي لا يقول بالنظام الملكي، والذي لا يقول بالمذهب المالكي، والذي لا يقول بمغربية الصحراء ليس معتقلا سياسيا أو معتقل رأي. وعقب على التعريف ـ التوجيه بعبارته المشهورة: “ولا أريد أن أكيفكم”.

في حين جاءت مبادرات ومواقف الجماعة -وما تزال- لتبرهن أنها تشق الطريق متوكلة على ربها، تعد الإنسان وتؤهله لتجاوز عقبات مألوفاته وعقبات واقع موبوء اكتسابا لإرادة اقتحامية، وفق برنامج تربوي وتعليمي وتدريبي يلبي اهتمامات الإنسان المعاصر: برنامج تربوي إيماني خروجا من دائرة الغفلة عن الله تعالى، وتعليمي تحصيلا للمعلوم من الدين بالضرورة، وتدريبي امتلاكا لمهارات التواصل والتدبير والإعداد والتنفيذ والتقويم.

لقد ظلت الجماعة منذ نشأتها تصنع الأحداث والمواقف تعريفا بتصورها وسيرا بمنهاج تغييرها فتغلغلت في الشعب برفق، واقتحمت قواعد كانت حكرا إلى وقت قريب على تنظيمات سياسية معينة، واكتسبت مواقع أقدام في ميدان المقارعة والتدافع، وغدت قوة اقتراحية متميزة مما أغاظ الخصوم قبل الأعداء، فلم يجد المخزن سبيلا لإيقاف زحفها سوى الحصار والتضييق وترهيب الشعب من الانخراط في أنشطتها.

خلال أكثر من ثلاثة عقود تؤكد الجماعة:

1. التزامها بالخط السلمي وتجنب إثارة القلاقل واستغلال التوتر الاجتماعي تحقيقا لمكاسب سياسية سريعة. التزام ينسجم مع تصور الجماعة وأسلوب عملها النابذ للعنف فكرا وفعلا وقولا وسلوكا.

2. اختيارها لنهج الرفق تطبيبا رحيما لأدواء مجتمع فتن وجهل وفقر لقرون.

3. تمسكها بالتدرج وعيا منها بتعقد معضلات المجتمع، وإعادة لبناء وعي مجتمعي سليم بذاته وقدراته.

4. شمولية التعاطي مع أزمات المجتمع يفسر ذلك تعدد مجالات الاهتمام واستهداف مكونات الشعب جميعِها.

5. يقينها في صواب منهاجها ونجاعة أسلوب تدافعها وعظيم يقينها في نصر الله وتسديده لخطاها.

دأب المخزن وثبات الجماعة

عرضنا أحداث شهر ماي باعتباره يمثل امتدادا لمخزن دأب على نهج سياسة قمع أي صوت معارض لا فرق في ذلك بين عهد قديم وجديد، لتتبخر شعارات طي صفحة الماضي وسنوات الرصاص ودولة الحق والقانون واستقلالية القضاء، مثلما تبخرت قبلها شعارات طي ملف الاعتقال السياسي.

قبل عقدين من الزمن ـ 08 ماي 1990ـ سعى المخزن لاستئصال شوكة الجماعة فحاصر مرشدها واعتقل مجلس إرشادها اعتقادا منه أنه بذلك سيجهز على الجماعة ويربك سيرها، فسارع يسابق الزمن ليساوم قيادة الجماعة على مواقفها مقابل سخاء مخزني: تعويضات مالية خيالية وفتح مقرات وجرائد ووسائل إعلام. ولما خاب سعيه انتقل إلى السرعة الثانية ” deuxième souffle” ليزج بطلبة العدل الإحسان في غياهب سجونه بدءً من طلبة كلية الطب بالبيضاء وانتهاء بطلبة وجدة الإثني عشر. لكن -والمنة لله تعالى- ثبتت الجماعة وما لانت وما بدلت وصمدت لضربات المخزن المتتالية، وخرجت من ابتلاء محاكمات التسعينات بأعلى نسبة توسع دعوي وأكبر تعاطف شعبي معها. فالشعب يعرف بخبرته أن المخزن يضايق دعاة الإصلاح والتغيير.

وفي “العهد الجديد”، وعوض أن يتخلص المخزن من أثقل تركات العهد السابق، يأبى إلا أن ينهج مسلك من سبقه فضيق على أنشطة الجماعة ليحول بينها وبين النخب السياسية والفكرية من جهة، وبينها وبين عموم الشعب؛ فدشن مواجهتين: الأولى تحت عنوان “حرب الشواطئ” والثانية تحت عنوان “منع التجمعات العمومية” التي تحل ذكراها الرابعة يوم 24 ماي 2010.

حصاد المخزن الجديد

ترى ما هي حصيلة أربع سنوات من تضييق “العهد الجديد” على الجماعة؟

معتقلون بالآلاف وفي مختلف الأعمار والفئات، فحاسة شم المخزن لا تميز بين الرجال والنساء والشيوخ والأطفال بل والحوامل والرضع.

سجل أيها التاريخ أن المخزن المغربي يعتقل النساء والرضع بتهمة الاجتماع لقراءة القرآن الكريم!

وسجل أيها التاريخ أن الشواذ وأباطرة الفساد المتاجرين في أعراض أبناء وبنات المسلمين طلقاءُ أحرارٌ يفتكون بفلذات أكبادنا ترويجا لبلاوي “القرقوبي” بأثمان بخسة وأحيانا بالمجان!

وسجل أيها التاريخ أن مؤتمرات الشواذ تحظى بحماية خاصة، ومهرجانات الفسوق تحظى بدعم مالي ولوجيستكي لو بذل أقل من عشره لفكت العزلة على مداشر صور بؤسهم يندى لها جبين مسؤول فيه ذرة حياء. ولكن لا حياة لمن تنادي!

محاكمات لأعضاء الجماعة بالجملة وأحكام براءة تثرى تؤكد سلامة النهج وتحشد تعاطفا شعبيا آخذا -رغم سياسة الترهيب- في التنامي. وبالمقابل، انكشاف بوار المقاربات وإفلاس المبادرات وتراجع كبير في الثقة بمؤسسات المخزن يبصم عنها الشعب في الاستحقاقات، وزيف الأرقام لم تعد تنطلي على أكثر فئات الشعب سذاجة، بل هم من صنعوا الموقف، وقاطعوا فصول مسرحية 07 شتنبر2007 جماعيا في أعالي الجبال والمداشر، وبعثوا أبلغ رسالة لمن يهمهم الأمر.

اللهم الطف بالعباد والبلاد، وأبرم لنا من أمرنا رشدا. آمين. والحمد لله رب العالمين.


[1] “تاريخ الجماعة” الموقع الرئيسي لجماعة العدل والإحسان. الصفحة الأولى. نافذة: “من نحن”.\