دوام الحال من المحال

هكذا قضت حكمة الله أن تكون الدنيا تقلبا بين رخاء وابتلاء، وأيهما حل بالإنسان إلا كان له معه شأن.

فالمؤمن أمره كله عجب، أعطي فشكر، و ابتلي فصبر، وكلاهما خير له. وغير المؤمن ابتلي فضجر، وأعطي فاستهتر، فكلاهما حجة عليه. 1 .

ولن يكون الإنسان إلا أحد الرجلين لا ثالث لهما، مؤمن أو غير ذلك. ولن تكون الأحوال إلا حالتين، رخاء أو ابتلاء. الإنسان في هذه الحياة إذن، صنفان لحالتين. وعلى أساس هذه العلاقة يتحدد القصد من حكمة خلق الله تعالى للإنسان على هذه الأرض، يناديه الوحي ليرقى إلى درجات الإيمان، وتناديه الدنيا ليشقى في دركات الخسران. وحرصا منه سبحانه على عبده، جعله بين رخاء وابتلاء، حتى لا تستبد به الدنيا فيحسب الرخاء تمكينا في دار زوال لا تملك الدوام لنفسها، أو يحسب الابتلاء عقوبة فيسيء الظن برب رحيم على خلقه من الأم بصغيرها.

الابتلاء سنة

عندما بشر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بالوحي، فزع فزعا شديدا، ورجع إلى أهله ليشد أزره بهم، فارتأت أمنا خديجة رضي الله عنها أن تذهب به إلى ورقة بن نوفل تستشيره في الأمر لعلمه بالكتب السابقة، فكان مما قاله له: “”ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك” فاستغرب صلى الله عليه وسلم: “أو مخرجي هم” فقال ورقة: “لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك، أنصرك نصرا مؤزرا”” 2 .

كلمة “قط” هذه لورقة بن نوفل، تحيل الكلام إلى آخره، كل من جاء بالرسالة أو آمن بها أو حملها أمانة صدق عن الأنبياء والرسل إلا عودي، والعداء ابتلاء، وقد كان لخير البرية القسط الوافر منه.

فهذا أحد أباطرة الكفر يسخر منه صلى الله عليه وسلم، فيجيبه الوحي “تبا له”، وذاك يدير المكيدة لقتله بضربة رجل واحد على أيدي أقوى شباب قريش، وذاك يصب على رأسه الشريف أحقر النفايات مما تحمل بطون الأنعام، وقوم يحرضون دراريهم لرجمه، بأبي هو وأمي، وهؤلاء يتبعون أثره إلى الغار لقتله، وذاك يبارزه بالكفر جهارا “أعل هبل”، وهذه تطعمه السم لقتله. والأمثلة في هذا الشأن كثيرة لا تحصى.

ومن قبل بعثته عليه السلام، ابتلي كل الأنبياء والمرسلين. ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون. ابتلي آدم فأكل من الشجرة بعدما أغواه الشيطان. ابتلي نوح حتى هجره أقرب أقربائه، لبث فيهم ما يربو على الألف سنة، يدع وينوع أساليب التبليغ، لكن قومه سخطوا واستعجلوا العقوبة فأغرقهم الله. ابتلي يونس فلم ينس ربه وهو في بطن الحوت. ابتلي أيوب في جسده فجعله الله علما لطمأنة المصابين. ابتلي إبراهيم بأمر ربه أن يذبح ولده، فلبى وفاز، وجعله الله قدوة المستجيبين. ابتلي لوط بقوم يكرهون الطيبات ويعشقون الخبائث، فآواه الله إلى ركن شديد بعد طول دعاء. ابتلي موسى بالرسالة أولا وهو ذو لسان لا يبين، وابتلي ثانية بإرساله إلى فرعون، فاستجاب وصبر حتى جعله الله سببا لهداية السحرة من أتباع فرعون.

هذه نماذج من أعلى هرم الشرف والنبوة، جعلها الله بيانا لسنته في خلقه، إنه لا يعذب حبيبه بل يبتليه. وقد رفع الله إلى مقام المحبوبية من تبعوا الأنبياء أو صحبوهم، وعلى رأسهم أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ملأت صور ابتلائهم أرجاء بلاد المسلمين. وإن كان المجال لا يتسع لذكر أصناف ابتلاء الصحابة والصالحين من بعدهم، فبطون الصحاح تزخر بتفصيل أحوالهم مع الابتلاء وصبرهم عليه. صبر يحث التابعين ومن تبعهم على التماس سبيل المتقين، فما بين العبد وعطاء ربه صبر ساعة، وفي ذلك يقول أحد الصابرين وهو بن القيم رحمة الله عليه ما بينهما صبر ساعة (بين الصابر وغيره)، وتشجيع القلب في تلك الساعة، وحسبنا أن نعلم أن الابتلاء مقدمة طبيعية لتربية العبد على الصبر وتحقيقه، ومن تم فهو سبب لتحصيل الأجر الجزيل، والنعيم المقيم) 3 .

ما من عبد إلا وهو مبتلى لا محالة، وعلى قدر مجالات الحياة ورغبات الخلق وطموحاتهم تتعدد صور الابتلاء عطاء أو حرمانا، لكنها تتلخص جميعها في هدف واحد: الابتلاء تمحيص.

الابتلاء تمحيص

قد يتعرف الإنسان الابتلاء إذا هو أصابه على وجه الحرمان، لكن القليل من يتعرفه على وجه العطاء، لذلك حذر الحق سبحانه من هذا النوع الخفي من الابتلاء في كثيرا من الآيات الكريمة. إنما أموالكم وأولادكم فتنة، وإن الله عنده أجر عظيم. يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم، ليعلم الله من يخافه بالغيب، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. وقد حض الله تعالى كذلك عباده المتقين على معرفة أسرار هذا النوع من البلاء ليحسنوا التصرف يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب. وإليك كلام أحد من عرفوا أن الحرمان والعطاء كلاهما وصل بالله وهو صادق الرافعي إذ يقول: تأتي النعمة فتدني الأقدار من يدك فرع الثمر الحلو، وأنت لا تدري جذره ولا تملكه، ثم تتحول فإذا يدك على فرع الثمر المر، وأنت كذلك لا ترى ولا تملك. ألا فاعلم أن الإيمان هو الثقة بأن الفرعين كليهما يصلانك بالله، فالحلو فرع عبادته بالحمد والشكر، وهو الأحلى عندك حين تذوقه بالحس، والمر فرع عبادته بالصبر والرضا، وهو الأحلى حين تذوقه بالروح) 4 .

ويا سعد من تذوق قرب ربه بالروح والحس والمعنى. جعلنا الله منهم، آمين.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة” 5 . هذه جدوى الابتلاء، أن يتطهر المؤمن من ذنوبه، ويعرف خبث نفسه وعجزها، وكرم ربه وعطائه. ومتى تمكن القلب من هذه المعاني (معرفة النفس ومعرفة الخالق) حدث التخليص النهائي للعبد لكي يتأهل إلى ما عند الله، وما عند الله خير وأبقى. عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها، إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة” 6 .

لو قيل إن النار تخلص المعادن لكان مفهوما لما يشاهده المرء رأي العين. لكن، إذا قيل إن الابتلاء تخليص للمؤمن من كل ما ينافي إيمانه، لما كان الحال كذلك، والأمر راجع إلى موقع الإنسان ومسافته من ربه عز وجل. يقول الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: 7 الناس في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم، فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه).

متى كان القرب سما الفهم، وحيثما حل البعد سفل هذا الفهم وانحط إلى دركات الضيق والحيرة، لذا فالتماس الفهوم السليمة لا يكون إلا بالإنصات لمن كانت عبادتهم لربهم مراقبة ومشاهدة. يقول أحدهم، وهو بن القيم رحمه الله: فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا، سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه.) 8

الابتلاء تمكين

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا جاءه مبتلى يسأله الدعاء، يخيره بين أمرين:

أن يصبر وله الجنة والثواب في الآخرة. أو يدعو الله له برفع البلاء. وما من أحد سمع تخييره الشريف هذا، إلا اختار الأجر العميم في الآخرة، علما منه أن الدنيا لو كانت غنيمة لما عجزت أن تساوي عند الله جناح بعوضة.

لكن المسلم أمر أن يتعوذ بالله من البلاء ابتداء، أما إذا حل البلاء، فسلاح المؤمن الصبر والاحتساب وانتظار الفرج، يقينه في ذلك أن مع العسر يسرا، واليسر تمكين من النعمة من جنس الابتلاء.

يطالعنا القرآن الكريم بنبأ القوم من قبلنا وكيف كانوا مع الابتلاء، ولا يزال الخطاب القرآني يؤكد صبرهم واحتسابهم وتمكينهم، حتى لا تكاد تجد حديثا عن البلاء إلا مردوفا بالحديث عن التمكين. ابتلي زكرياء بالغربة فوهبه الله يحيى وأصلح له زوجه. ابتليت مريم بنفخة ربانية لا قبل لها بها، فأخرج الله من بطنها من برأها بكلام معجز. ابتليت أم موسى حيث أمرها ربها بإلقائه في اليم، ولما استجابت، بشرها سبحانه فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن. ابتلي يوسف عليه السلام، فلبث في السجن بضع سنين، ثم جعله الله على خزائن الأرض. ابتلي المصطفى صلى الله عليه وسلم -وهو إمام الصابرين- ولم يلبث إلا قليلا حتى وهبه الله السيادة العامة على العقول والقلوب، وجعل الله رسالته خاتمة الرسالات. عليهم جميعا أزكى الصلاة والتسليم.

عندما خاطب القرآن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يذكره بمسار حاله مع الابتلاء قال له: ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى. هو سبحانه من ابتلى باليتم والفقر والضلالة، وهو سبحانه من أنعم بالإيواء والهدى والغنى، كل ذلك العطاء ليطلب من العبد مطلبا واحدا: وأما بنعمة ربك فحدث. النعمة التمكين، والحديث بها إنما هو دندنة حول المبدأ الأصيل: الابتلاء مقدمة التمكين.

وحيثما اكتمل الصبر وعم اليقين، كان التمكين حليف المؤمنين. من ابتلي بالحرمان فالتوفيق حليفه، ومن ابتلي بالمرض فالصحة رديفه، ومن ابتلي في دينه فاحتسب أمره على الله، فقد وعده الله أن الأرض يورثها عباده الصالحين. وفي هذا المعني قيل للإمام الشافعي رحمة الله عليه: أيهما أفضل: الصبر أو المحنة أو التمكين، فقال: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن.فالله يحدث بعد العسر ميسرة *** لا تجزعن فإن القاسم الله
إذا بليت فتق بالله وارض به *** إن الذي يكشف البلوى هو الله
فيا من تهاوى جسده من الأسقام، أبشر بالعافية، إن لم تراها في الدنيا، فقد وعدك الله النعيم المقيم في دار الخلود. ويا أيها الفقير الصابر، أبشر بحساب يسير، ومجالسة رب العالمين في جنة عرضها السماوات والأرض. ويا أمة نال منها سيف الاستبداد المسلط على رؤوس المستضعفين، أبشري بيوم عز قريب كتبه الله لخاصته من الصالحين الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور.

جعلنا الله من المجاهدين المترقبين لوعده. آمين.


[1] جاء هذا المعنى في الحديث الذي رواه مسلم.\
[2] الحديث في الصحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها.\
[3] زاد المعاد.\
[4] السحاب الأحمر.\
[5] رواه الترمذي.\
[6] رواه مسلم.\
[7] هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر أبو علي التميمي الخراساني، المتوفى سنة سبع وثمانين ومائة 187 هـ.\
[8] زاد المعاد.\