صدر عن المجلس الأعلى للحسابات تقريرا يؤرخ لسنة من الفساد والعبث بأموال الأمة، ويبين مدى حالة التردي الذي وصل إليه تدبير المال العام ببلادنا. تناول التقرير 61 حالة منتقاة في قطاعات ومجالات متنوعة، معتمدا بذلك منهجية دراسة حا لات معزولة –وفي ذلك ما فيه من التعسف المنهجي وتحوير مقاصد البحث والتقصي-كما قام ب 630 مهمة رقابية شملت عدة مؤسسات عمومية، وخلاصة حوالي 730صفحة من التقرير ظهر الفساد في البر والبحر.

المستقرئ للتقرير يقف عند حجم الكارثة والفساد الذي ينخر الجسم الوطني رغم الترسانة القانونية الصارمة في منطوقها، ورغم انتصاب المحاكم المالية وما تتمتع به من صلاحيات قضائية لمحاسبة ومتابعة المفسدين، ورغم جهود المجالس الجهوية ومفتشيها ا الماليين، والعمل المضني الذي قامت وتقوم به منذ نشأتها لسنوات والتقارير التي أعدتها ورفعتها للمجلس الأعلى، ورغم المجهودات الجبارة التي يقوم بها كثير من الفاعلين المدنيين والإعلاميين والسياسيين لفضح المفسدين.

فإذا كان مهندسو العهد الجديد يتحدثون عن الحكامة الجيدة والتدبير المعقلن للشأن العام، فدعونا نسائل

” الحكامة المغربية” على ضوء المبادئ المؤطرة لها، فالحكامة بماهي تقليل لاحتمالات الخسارة في تدبير الشأن العام تقتضي الشفافية والمشاركة والمساءلة والفعالية، فأين حكامة العهد الجديد من هذه المبادئ؟

الشأن العام بالمغرب وسؤال الشفافية والمشاركة

تعتبر الشفافية والمشاركة من أهم العناصر الأساسية المكونة لمفهوم الحكامة، فإذا كانت الشفافية كمبدأ تتطلب توفير المعلومات والبيانات والوثائق وكل ما من شأنه المساعدة على اتخاذ القرار،وكذلك توسيع دائرة المشاركة الشعبية والرقابة والمساءلة والمحاسبة وتطويق الفساد ومحاصرته، فإن واقع تدبير المؤسسات العمومية يعكس نقيض ذلك، فالمعاملات المالية المنجزة تتسم بكثير من الغموض، فمن يطلع عليها من أبناء الشعب ؟ومن يتابعها من المنتخبين؟ وكيف له ذلك ؟والأمثلة كثيرة في مؤسسات الدولة.

والحقيقة أن إشراك المواطنين والشعب والأمة في عملية اتخاذ القرار شيء غير وارد البتة في التفكير السياسي لدى صناع القرار داخل دوائر النظام السياسي المغربي الذين لا يريدون الشعب المغربي هناك في موقع المشارك المنخرط في عملية البناء المجتمعي المراقب للسياسيين وللسياسات الواقف في وجه الفساد والمفسدين، بل يريدونه هناك فقط حيث يدفع الضرائب ويضخ الأموال المستخلصة في تلك الصناديق العجيبة.

فإذا كان المجلس الأعلى أعد تقريره بالمنهجية التي يريد، فمن المفروض نشر التقرير على أوسع نطاق على مستويات متعددة : الصحافة والندوات الجامعية ومراكز الأبحاث وتنظيم نقاش عمومي بخصوص هذه الإختلالات والاختلاسات الخطيرة والنهب السافر للمال العام، بل ويجب فضح هؤلاء المفسدين أمام الرأي العام بعد مساءلتهم ومحاسبتهم.

إن دور الرأي العام مهم وأساسي في بناء المشاركة كقاعدة ضرورية لاستمرار كل نظام و اعتماد الشفافية وإقرارهما مبدئيين أساسيين للحكامة، فالتعاون بين الإعلام العمومي والمستقل والمجتمع المدني والهيئات التخصصية لحماية المال العام قمين ببعث توجه مجتمعي منسجم ومتكامل يشكل جبهة وبرجا استراتيجيا للتصدي للفساد، مما يدفع عجلة أجهزة الرقابة لمزيد من الفعالية، ودون هذا في مغرب اليوم خرق القتاد.!!!

الشأن العام بالمغرب وعلاقته بالمساءلة والفعالية

رغم ما تتمتع به المجالس الجهوية من اختصاصات قضائية -على ضعفها وعدم قوتها- ومن أهمها السلطة التأديبية المنوطة بها، فإن سؤال النجاعة والفعالية في اعتماد الرقابة على تدبير المال العام يظل دون جدوى،فهاهي التقارير تلوى الأخرى تتناسل وتشير بالأرقام والمؤسسات والأفراد، ولكن تظل دون فعالية، فمؤشر النهب يزداد سنة بعد أخرى، بل أضحى الفساد عقيدة وتعاقدا، فما الهدف من هذه التقارير إن كانت لا تفضي إلى المساءلة والمحاسبة وتطبيق القانون ؟وما معنى أن تصدر جهات قضائية أحكاما وقرارات قضائية،ولا تتابع ولا تنفذ ؟وأ ي مضمون للمساءلة مادامت الجهات القضائية المالية لا تتوفر على سلطة زجرية، فهي مؤسسات ذات طبيعة استشارية ليس إلا، وللسلطة التنفيذية القوة لتوقيف أثر الأحكام الصادرة عن المحاكم المالية بمجرد قرار إداري،إن هذه الإشكا لات القانونية والواقعية تطرح سؤال إصلاح القضاء، وفق منظور يسعى إلى تفعيل الرقابة على المال العام بما يضمن قانونيا وسياسيا الترشيد والعقلنة والشفافية والمشاركة والنجاعة والفعالية وبالتالي التنمية المنشودة. وهذا طبعا لا يتأتى إلا ضمن إصلاح سياسي جذري يشمل المفاصل الأساسية الأخرى لنظام الحكم.

الحكامة المفقودة وسؤال المسؤولية

بعد عرض الحكامة المغربية على ضوء المبادئ المكونة لها، وبعد تبيان أن شعار الحكامة بالمغرب، ورهانات التنمية في سياق الحديث عن الجهوية والارتقاء بالتدبير العام للشأن العام مجرد استهلاك إعلامي وتسويق سياسي، وتكتيكات مرحلية لتدبير ملفات محرجة من زاوية نظام سياسي منغلق، فإن السؤال العريض والتاريخي المطروح، من يتحمل المسؤولية؟

من المسؤول عن النهب والسرقة والتبذير والفساد والإفساد والاستبداد؟ من المسؤول عن التمكين للمجرمين وعصابات السرقة والاختلاس؟ من المسؤول عن حمايتهم وعدم متابعتهم ومقاضاتهم وزجرهم ؟لماذا لاتنتصب الدولة كطرف لمقاضاتهم وتحرك المحاكم المختصة لذلك، أم أن هذا الاجتهاد والجدية يكون في مقامات أخرى عند متابعة الماردين والمغضوب عليهم من المعارضين الحقيقيين والصحافة الحرة والمناضلين الشرفاء والمعتقلين السياسيين، أم أن السؤال الأكثر فظاعة ووعورة وخطورة ومرارة، من يحاسب من؟؟؟؟

إن ما يقع اليوم في المغرب، لا يدع مجالا لأي شك أن الفساد وصل ذروته ومنتهاه التي لم تعد تطاق، فهاهم علية القوم وكبار المسؤولين في الدولة يعيثون في الأرض فسادا، ينهبون ويسرقون، ولا من حسيب ولا رقيب، في نفس الوقت يتابع أبناء الأمة وخيرة شبابها ونسائها ورجالاتها وشيوخها وحتى أطفالها في حركاتهم وسكناتهم، ويحاكمون لانتماءاتهم السياسية ولمواقعهم ومواقفهم الدعوية والاجتماعية، ويشدد على دافعي الضرائب وتقتطع أموال طائلة من رواتب الموظفين بدعوى الإضرابات غير القانونية وتمتص دماء الشعب وتسمن الصناديق ليجد المفسدون العابثون المبذرون ما تمتد إليه أيديهم الآثمة.

إن المسؤولية التاريخية والسياسية تفرض علينا أن نستنكر ونشجب ونفضح وبقوة، وفي كل المنتديات ونعمل على مدافعة هذا الفساد والاستبداد مع الإدراك الجيد أن الأمر أصبح أكبر من مجرد ثقوب في سفينة، القضية أشد هولا فالثقوب أضحت ترعا والحفيظ الله.