1   +   8   =  

الفقرة الأولى: توصيات ترتبط بمضمون الإصلاح

السياسة التعليمية حسب تقرير البنك الدولي: لا يمكن أن تكون لها نتائج صريحة دون إنجاز إصلاحات موازية للإطار المؤسساتي والماكرو اقتصادي ولسوق العمل، وتدابير أخرى تهدف إلى تشجيع التنمية المعتمدة على كثرة اليد العاملة المؤهلة) 1 ، ومن أجل توفير اليد العاملة وتأهيلها يحظى التعليم الأساسي والتكوين المهني بأهمية خاصة في تقرير البنك الدولي على حساب التعليم العالي. فأطروحة ومنظور خبراء البنك الدولي… تبلور في واقع الأمر مشروعا إصلاحيا مضادا يقوم على استراتيجية “الجذب إلى الأسفل” من خلال آليات وتدابير غلق مسالك الوصول إلى القمة؛ أي الحد من إمكانية ولوج أغلبية المتمدرسين مسالك التعليم العالي، بمختلف تخصصاته، وتبرير ذلك بدعوة أهمية التعليم الأساسي والتكوين المهني المبكر في الرفع من القدرة التنافسية والتنموية لبلادنا، ومن تمكين إدماج أغلبية أبناء هذا الوطن في مسلسل التنمية الشاملة 2 .

فالهدف الأساسي من توصيات البنك الدولي، المتعلقة بمضمون إصلاح التعليم العالي، يتمثل في الحد من ولوجه، تقليصا للنفقات العمومية، وخدمة للمديونية الخارجية، وتوفيرا ليد عاملة رخيصة تستجيب لحاجات السوق المعولم.

ورغم أن التقرير نص على أن نسبة التمدرس في التعليم العالي يجب أن تتضاعف في حدود سنة 2010 3 ؛ فإنه من جهة أولى ربط ذلك “برغبة المغرب في احتلال وضعية جيدة في الأسواق الدولية”، مما يعني التكيف مع متطلبات الشغل وسوق العمل المعولم. ومن جهة ثانية نص على توصيات تحد من ولوج التعليم العالي.

فقد نصت المادة 29 من التقرير على نهج سياسة الانتقاء لولوج مؤسسات التعليم العالي، وذلك بناء على معايير و”ميكانزمات” خاصة بكل مؤسسة، وحسب مقاييس يصادق عليها وزير التعليم العالي. والغريب أن نفس المادة ربطت بين سياسة الانتقاء ومسألة استقلال المؤسسات، إذ ورد فيها بالحرف: ويدخل هذا النظام -أي سياسة الانتقاء- في إطار استقلال المؤسسات في تسيير شؤونها المالية والإدارية). فالدعوة إلى استقلالية التعليم العالي لم تنبن على ما لها من إيجابيات، وإنما لحصر الالتحاق بهذا المستوى من التعليم، بل إن نفس المادة التي نصت على نهج الانتقاء تضمنت تشجيع تنويع محتوى البرامج والمناهج)، مما قد يوحي أن ما تضمنه التقرير من توصيات بيداغوجية يقصد بها هي الأخرى خدمة هدف الانتقاء، الذي يصب بدوره في غاية تقليص النفقات العمومية.

وفيما يرتبط بتمويل التعليم العالي فقد أكد التقرير –انسجاما مع توجه تقليص النفقات العامة- على ضرورة البحث عن موارد أخرى غير ميزانية الدولة. فقد جاء في المادة 35: أما فيما يخص التعليم العالي، فيجب الحصول على مصاريف للتمدرس لتغطية 20 حتى 25% من التكاليف…)، وللمساعدة على تحقيق ذلك نصت نفس المادة على إحداث برنامج قروض للطلبة مسير من قبل جهاز بنكي أو إدارة جبائية! لتمكين الطلاب من أداء رسوم التسجيل، التي نصت المادة 14 من التقرير على تشجيعها. واستمرارا على نفس النهج يوصي خبراء البنك الدولي بأن تصبح المنح الدراسية والمساعدات الاجتماعية استثناءا في منظومة تعليمنا العالي لا يجب إعطاء منح التعليم العالي إلا للطلبة المحتاجين والمتفوقين، ويجب التقليص من الإعانات المالية الموجهة للخدمات الاجتماعية) 4 .

وتنص المادة 35 أيضا على: تشجيع خلق مؤسسات التعليم العالي الخاص)، وذلك لتفادي الطلب المتزايد على مؤسسات التعليم العالي العام. الأمر الذي ينتج عنه ارتفاع النفقات العامة. وفي بُعد بيِّن عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي يقرر تقرير البنك الدولي في سياق حديثه عن نموذج للتعليم العالي الخاص أن: جامعة الأخوين بإفران يمكن أن تكون خطوة في الطريق السليم)!. ولنا أن نسأل أية خطوة؟ وأي طريق؟ وأي سليم؟ إذا علمنا حقيقة التكاليف الباهظة التي تطلبها جامعة الأخوين، مما يجعلها حكرا على أبناء الأغنياء من داخل المغرب وخارجه.

وإذا كانت أهم مظاهر أزمة التعليم العالي تتمثل في كثرة نسب التكرار، وفي ارتفاع معدل الهدر الجامعي، وفي ضعف المردودية الداخلية والخارجية. إذا كان ذلك كذلك، أليس من أهم أسبابه تلك الوضعية المالية والاجتماعية المزرية للطلاب؟

فأي أفق لتجاوز الأزمة وفق توصيات تقضي بالمزيد من تقليص المنح والخدمات الاجتماعية؟ بل تقضي بفرض رسوم تسجيل على الطلبة؟

إن هذه الأسئلة وغيرها تناقلتها الكثير من الأوساط التعليمية والإعلامية والثقافية. ولعل عبد الرحيم عمران أفضل من عبر عن ذلك بقوله: إن سلبيات مثل هذه التوجهات –أي توجهات البنك الدولي- تعود في نظرنا إلى كونها تكرس منطق معادلات الفوارق الاجتماعية القائمة حاليا… مما يجعل من مبادئ تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية شعارات موسمية يفندها الواقع الفعلي لنظامنا التعليمي بدليل أننا إذا تفحصنا الدراسات الميدانية: الاجتماعية والتربوية والسيكولوجية والاقتصادية حول ظاهرة الرسوب والانقطاع عن الدراسة والإهدار التعليمي… سنلاحظ من خلال معطياتها بأن الأطفال واليافعة الأكثر عرضة للرسوب والانقطاع عن الدراسة هم بالأساس أبناء الفئات المحرومة…) 5 .

وحين أشار التقرير إلى بعض معالم الإصلاح التربوي في التعليم العالي، فإنه أكد على ضرورة التنويع، لكن فقط من أجل ضمان رصيد أكثر تنوعا من المؤهلات التقنية التكوينية والمتعلقة بالتسيير لاستقبال القرن 21) 6 ، وكل هذا بمبرر تنمية القدرة التنافسية للمغرب، حتى يكون له حضور في المستقبل.

ولا نملك إلا أن نقول: أن التأكيد على ذلك البعد “التكويني – المهني” فقط في التعليم العالي ينسجم مع أهداف البنك الدولي في فرض نموذج تنموي قاصر يستجيب لمتطلبات سوق العمل المعولم. وإلا فأين هي وظيفة البحث العلمي؟ وأين هي الوظيفة التنظيرية والفكرية والقيمية لمؤسسات التعليم العالي؟.

إننا لا ننكر أن تقرير البنك الدولي لسنة 1995 تضمن إشارات صائبة، خاصة فيما يرتبط ببعض مكامن الداء في منظومتنا التربوية، من مثل تقريره: أن النظام التعليمي المغربي لا يحسن استخدام الموارد المخصصة له بفعالية). لكننا نعيب على خبراء البنك الدولي ارتهانهم لتلك النظرة الاقتصادية الضيقة في معالجة النظام التربوي المغربي، بل قبل ذلك نعيب عليهم فرض توصياتهم على دولة المفروض فيها أنها حرة ومستقلة.


[1] المادة 4 من نفس التقرير.\
[2] عمران عبد الرحيم، “الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية”، منشورات الموجة، الطبعة الأولى 1999، ص 46.\
[3] المادة 4 من تقرير البنك الدولي لسنة 1995.\
[4] المادة 35 من نفس التقرير.\
[5] نفس المرجع السابق، ص 42-43.\
[6] المادة 12 من تقرير البنك الدولي لسنة 1995.\