عصر يوم الأحد ثاني ماي 2010 حج العشرات من مختلف التيارات الحركية والحزبية والجمعوية والفكرية والحقوقية وقاسمهم المشترك تكريم الراحل محمد الحبيب الفرقاني، أحد رجالات الحركة الوطنية قبل وبعد الاستقلال. رجل قيل حوله الكثير وشهد له الجميع بالصلاح والنبل والأخلاق الفاضلة، رجل استطاع أثناء حياته أن يجمع بين الإسلاميين والقوميين، وكذلك كان يوم تكريمه، حيث حضر، إلى جانب عدد من أفراد أسرته الكريمة، ممثلون عن قيادة جماعة العدل والإحسان أبرزهم محمد بارشي ومحمد حمداوي وعبد الهادي بلخيلية أعضاء مجلس الإرشاد وعمر أمكاسو نائب الأمين العام للدائرة السياسية، وعمر إحرشان ومصطفى الريق عضوا الأمانة العامة للدائرة السياسية. إلى جانب زعماء اليسار والحركة الوطنية والجمعوية يتقدمهم المناضل بنسعيد أيت إيدر، وخالد السفياني رئيس سكرتارية المجموعة الوطنية لدعم الشعبين الفلسطيني والعراقي، وأحمد ويحمان عضو السكرتارية، وعز الدين العلام القيادي بحزب البديل الحضاري، ومحمد الخالدي الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة، والإعلامي الفلسطيني محمد معروف، وحمزة الكتاني شقيق المعتقل السياسي حسن الكتاني…. وإذا كان الراحل قد قدر له أن يعيش ما شاء الله أن يعيش فإن زمن التسعين دقيقة التي هي مدة الحفل التكريمي، جعلت من الحضور معايشة طول مسار هذا الرجل، إذ اعتبره عبد الإله المنصوري عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الاشتراكي الموحد شخصية موسوعية قل نظيرها في الساحة الوطنية، فهو مناضل سياسي وكاتب أدبي، ومفكر صحافي، وثائر وطني، وهو أيضا فقيه إصلاحي، وبقدر ما كان مدافعا عن الحق في وطنه الصغير، كذلك كان تواقا لرفع الاستبداد عن وطنه العربي الكبير، وبقدر ما تصدى للاستعمار وأذنابه، كذلك كان ما بعد الاستقلال، مكافحا ومجاهدا ولا يخاف في الله لومة لائم).

بعد ذلك وباسم فعاليات المؤتمر القومي الإسلامي، تناول الكلمة منسق الساحة المغربية محمد الحمداوي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حيث أثنى على الراحل مستعرضا محطات من حياته في مواجهة الاستعمار والظلم والطغيان، فقد كان سي الفرقاني رحمه الله، فقيها ابن فقيه، مناضلا ثائرا، ومن تم يجري تكريمه في زمن انحطت فيه القيم النبيلة، قيم البذل والعطاء، والوفاء للمبادئ، لتبقى الغاية من تكريمه هي تثبيت الرموز الوطنية في الذاكرة وعدم إحداث القطيعة بين السلف والخلف.)وفيما يخص خصال الراحل ذكر الحمداوي أن الراحل استطاع أن يقرن بين العبادة والنضال، وأظهر الدين على حقيقته وعمقه في إصلاح الفرد والجماعة، بعيدا عن التحنيط والشعوذة وهو ما يبرز جليا من خلال كتابات وأفكار سي الحبيب الفرقاني، فمنذ كان فقيها بمنطقة تحناوت كان يحارب البدع والشعوذة وله إسهامات غزيرة في تجديد الفكر الديني والعقيدة، كما عرف عنه أديبا وشاعرا مرهف الإحساس وعالي الهمة يستنهض بشعره وأدبه الهمم ويناهض الظلم والاستبداد، وكذلك كان في نشاطه السياسي مناضلا وثائرا وقائدا وقبل ذلك كان رمزا من رموز المقاومة، وأوذي في سبيل تحرير الوطن مرات عديدة، حيث حكم عليه بالنفي، ورغم المحن الشديدة التي تعرض لها زمن الاستعمار، كان وفيا لمبادئه عقب رحيل الاستعمار، فثبت على خط النضال من أجل الديمقراطية واستكمال تحرير الوطن من كل أشكال ومظاهر الاستعمار، فتعرض بذلك للسجن والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان، ومع ذلك لم يثنه التعذيب والسجن والقهر عن الجهر بالحق، وبذلك استحق أن يكون رجل تواصل مع جميع التيارات الوطنية والإسلامية، مغلبا المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة. وكما عاش لوطنه عاش أيضا لأمته من خلال دعم قضية فلسطين معتبرا أنها لا تقل أهمية عن القضية الوطنية، فكان من المؤسسين الأوائل للجنة دعم الشعبين الفلسطيني والعراقي بمراكش، وتشهد أشكال الدعم من وقفات واحتجاجات على تهمم هذا الرجل سواء بقضايا أمته أو قضايا وطنه.)شهادة أخرى ألقاها رفيق دربه، الأستاذ المناضل بنسعيد أيت يدر، والذي شدد على أن الحبيب الفرقاني هو خريج معهد ابن يوسف بمراكش، وعرف فيه بورعه وتقواه ومناهضته لكل أشكال الظلم، كان رحمه الله من المؤسسين للحركة الوطنية بمنطقة سوس، وذلك من خلال إدارته لمدرسة الحسنية الحرة بمدينة أكادير سنة 1949، ما جعله يتعرض للكثير من المضايقات من قبل الاستعمار والإقطاعيين الذين كانوا يرون في هذه المدارس مشاتل للحركة الوطنية المناهضة للظلم، وكما نال نصيبه من التنكيل في زمن الاستعمار، نال أيضا نصيبا وافرا من القمع والتنكيل في زمن الاستقلال، هذا الاستقلال الذي كان يعتبره الحبيب الفرقاني ناقصا ما لم يستكمل معه البناء الوطني بدء من تبني الإصلاحات السياسية والدستورية. فجلاء المستعمر هو شكل من أشكال الاستقلال، لكن استمرار عملائه وأذنابه في التحكم في القرار السياسي والاقتصادي هو استعمار جديد. مما جعله يتعرض بداية سنوات الستينات للاعتقال بدعوى التآمر ضد الدولة، وكذلك منتصف السبعينات، في إطار ما عرف بمحاكمات مراكش الشهيرة، وكان دائم الارتباط بالجماهير الشعبية فلاحين وطلبة وعمال، وكانت كل خطبه وأفكاره تنهل من الدين الإسلامي الصحيح بمنهج تجديدي فاستحق أن يكون مناضلا سياسيا وفقيها إصلاحيا سلفيا، كما لم يكن متعصبا لأصوله الأمازيغية، بل جمع بين أمازيغيته وعربيته وإسلامه ليكون بحق شخصية وطنية صادقة.)وعلى نفس المنوال سار أحمد الخراص أحد رفاقه في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، معتبرا أنه ما زال حيا بأفكاره ومؤلفاته في مجال السياسة والثقافة والشعر، فهو رجل مهموم بقضايا وطنه وأمته، عرف عنه ذلك لما كان طالبا بمدرسة ابن يوسف بمراكش، وضحى بالغالي والنفيس من أجل تحرير وطنه من الاستعمار وأذنابه، وتحرير فلسطين من ربقة الامبريالية الصهيونية، مما جعله معرضا أكثر من مرة للملاحقات البوليسية.)

أفراد من عائلة الراحل الحبيب الفرقاني\

وفي ختام هذا الحفل التكريمي تقدم خالد الفرقاني، نجل الراحل، بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إنجاح هذا الحفل التكريمي للراحل محمد الحبيب الفرقاني رحمه الله، حيث غالب خالد الفرقاني دموعه وهو يشكر فعاليات المؤتمر القومي الإسلامي على مبادرتهم النبيلة في تكريم والاحتفاء بوالده الذي حلت ذكرى رحيله للسنة الأولى. معتبرا سيرة والده نبراسا للأجيال الصاعدة في التشبث بالمبادئ والقيم الوطنية، واستكمالا لمجهودات حفظ الذاكرة.

كما اعتبر أن تراث والده الفكري والثقافي هو ملك للجميع، مذكرا بعقد الشراكة الذي وقعته أسرة الفقيد مع المكتبة الوطنية بالرباط قصد تسليمها كل محتويات إنتاجاته سواء تلك التي صدرت أو ما تزال عبارة عن مخطوطات، ملتمسا في الوقت ذاته من الجهات المعنية جمع ما تفرق من إسهامات والده، ووضعها رهن إشارة الباحثين، باعتبارها تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ المغرب الحديث.