يخلد العالم قاطبة اليوم العالمي للعمال، بعد مرور أكثر من مائة عام على أول احتفال سنة 1886. مدة تغير فيها العالم وشهد تحولات كبرى، وظهرت أنظمة وتلاشت أخرى، وعاشت الإنسانية خلالها إخفاقات وحققت نجاحات، لكن في ظل كل هذه التحولات ظل الإنسان هو الإنسان، وزادت المطالب، وظلت المطالب هي المطالب، جشع وأنانية ورفاه وبذخ هناك، وبؤس وفقر وعوز وكوارث إنسانية هنا. أرقام مهولة عن فقر ينخر العالم، عن رق جديد، عن تجارة في البشر، عن تهديد نووي، عن تغيرات مناخية تنذر بالكارثة… بالجملة عن استكبار مستهتر متغطرس يسحب العالم وراءه نحو الهاوية.

سقطت كل النظريات السياسية والاجتماعية ولم تفلح في إخراج العالم من حالة التيه التي يعيشها، لأنها لم تعن بتغيير الأساس وهو الإنسان. لم يتحقق العدل والكرامة ولا السلم للبشرية جمعاء بل ظل الظلم والإذلال والحروب هي السمة الغالبة لحد الآن.

حولت المادية الإنسان إلى قطعة من آلة إنتاج صماء، أخرس الكدح اليومي ودوامة الحياة والسعي المجنون وراء الاستهلاك صوت الفطرة السائل عن إنسانية هذا الإنسان وعن التوازن في مطالبه وحقوقه، وفي مقدمتها حقه في معرفة الوجهة والمصير، حق معرفة الرب الخالق وعبادته، وتبعا لهذا الحق تترتب باقي مناحي حياة الإنسان.

اليوم آن للبشرية أن تصيخ لتسمع رسالة الإسلام إلى العالم، لتسمع عن عدل الإسلام وتكريمه للإنسان، لتسمع عن الحرية والأخوة والمحبة، لتأخذ وصفته الكفيلة وحدها بشفاء النفس من أنانيتها وشحها وعنفها .رسالة تثبت الأيام والحوادث –رغم بؤس المسلمين وفقرهم وتخلفهم- أن الإسلام هو طوق النجاة لإنقاذ البشرية من ضياعها وإفلاسها. بالأمس دخل الصحابي الجليل ربعي بن عامر على رستم الفرس فقال له: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه).

رسالة إنسانية غاية في الوضوح، وشعور بمسؤولية كبرى تجاه البشرية وإشفاق ورحمة كبيرين وأهداف نبيلة سامية ما أحوج الإنسانية إليها اليوم.