تستعد بلادنا لتخليد ذكرى فاتح ماي، العيد الأممي للعمال، التي تتزامن هذه السنة مع أوضاع اجتماعية متوترة ومليئة بالمتناقضات.

ففي ما يخص النقابات، هناك اتفاق على أن الأوضاع التي تعيشها الشغيلة المغربية مأساوية، وإن كانت تختلف في ما بينها في طريقة التعامل مع هذه الوضعية. الاتحاد العام للشغالين، النقابة المقربة من حزب الوزير الأول، أعلن منذ مدة قراره بمقاطعة احتفالات فاتح ماي، وأتبع هذا القرار بالإعلان عن إضراب عام يوم 14 دجنبر. ولا تخفى على أحد دلالة هذا القرار لأن الإضراب العام إضراب سياسي وهو أقرب إلى حالة العصيان المدني. فهل ستستطيع هذه النقابة تنفيذه؟

والكونفدرالية الديمقراطية للشغل ستعلن في فاتح ماي تنظيم مسيرات عمالية في كل الاتحادات المحلية والمراكز احتجاجا على التعامل الحكومي اللامسؤول مع مطالب الشغيلة. وباقي المركزيات النقابية غير راضية عن نتائج الحوار وتتوعد، هي كذلك، بتصعيد أشكالها النضالية، وقد تحيي المسيرة التي أجلتها في مارس 2009.

أما الباطرونا فتتهرب من الحضور إلى جلسات الحوار مع النقابات، وهي شبه راضية طالما أن ضغطها أتى بنتائج إيجابية، سواء على شكل تحفيزات ضريبية أو على شكل دعم للمقاولات.

والحكومة، وهي قاطرة الحوار، تقف عاجزة أمام هذه الأوضاع المتوترة، وهي التي لم تستطع إلى حد الآن جمع كل الفرقاء على طاولة واحدة لاستئناف جولة أبريل.

وتبقى الحلقة الأضعف في هذه السلسلة هي العامل الذي يدفع الثمن، فهو يشتغل في ظروف مهنية غير ملائمة تحت تأثير تحولات قد تعصف بمساره المهني في أي لحظة، وخاصة في قطاعات تشهد تراجعات بسبب المنافسة الشديدة وغياب نظرة مستقبلية لدى مدبريها وحرصهم على الربح السريع وغياب دعم الدولة. ولذلك يفاجأ أجراء هذه القطاعات بتزايد عدد المؤسسات المفلسة والمعرضة للإفلاس، أو تلك التي تلجأ إلى تقليص أعداد اليد العاملة وساعات العمل، أو تخفيض الأجور والإجهاز على العديد من الحقوق الأساسية لهذه الفئة المستضعفة، بل إن هناك من أرباب العمل من يتماطل في تسديد أجور مستخدميه، متناسيا أنه مطلوب شرعا أن يؤدي إلى الأجير حقه قبل أن يجف عرقه.. أما عدم تسديد اقتطاعات الضمان الاجتماعي فحدث ولا حرج.

والغريب أن تكون هذه الأوضاع هي ثمرة حوار اجتماعي استغرق أزيد من عقد من الزمن.

والأغرب أن لا يقود الحوار الاجتماعي إلى سلم اجتماعي.. فكلما كثرت جلسات الحوار ارتفعت وتيرة الاحتجاجات والإضرابات والمنازعات.

إن الحوار الاجتماعي أصبح مجرد ملهاة للنقابات ومتنفس للحكومة ووسيلة ضغط للباطرونا، بل إن العديد من فرقائه يتنصلون من نتائجه ولا ينضبطون لقراراته.

والمسؤول عن هذه الوضعية هو الحكومة التي ابتدعت بدعة الإعلان المنفرد عن نتائجه سنة 2008 دون موافقة النقابات، وهي التي أفرغت الحوار من روح التشاور ليصبح محطة للاستهلاك الإعلامي والمزايدة السياسية وفضاء لتعويم المشاكل، وهي التي تتماطل في تفعيل الاتفاقات ولا تتابع حسن تنفيذها ولا تتشدد مع بعض الإدارات والوزارات والمؤسسات العمومية التي لا تمتثل للتوصيات. ولهذا، انتقل الحوار الاجتماعي من آلية لتحقيق السلم الاجتماعي اللازم لتشجيع الاستثمار وتنشيط الحركة التنموية إلى أداة في يد الحكومة تتلاعب بها ربحا للوقت، وفي يد النقابات والباطرونا للضغط والابتزاز.. بل إن الحكومة أصبحت تتأقلم مع الإضرابات وتفرغ الحوار من محتواه بعد تعويمه في حوارات قطاعية عقيمة. وسلام على الشغيلة المسكينة التي تتحمل الخسارة مضاعفة، سواء في الخدمات المتدنية التي تقدم إليها أو الخسارات المهولة التي تتكبدها المؤسسات المضربة، والخسارات التي تسببت فيها إدارة الخطوط الملكية الجوية خير مثال.

إن ما سبق يؤكد أن آلية الحوار الاجتماعي وصلت إلى الباب المسدود، فإلى حد الساعة لم تتوصل أطراف الحوار إلى تحديد جدول أعمال دورة أبريل، وهناك حرص من الحكومة على تمطيط أجواء التحضير حتى تفوت مناسبة فاتح ماي، وسنشهد، بلا شك، خطابا حكوميا منفردا يتحدث عن الإنجازات والتقدم الحاصل في تسوية النزاعات الاجتماعية، وستذكرنا الحكومة بأنها أنفقت 20 مليارا خلال سنتين عكس ما أنفقته كل الحكومات التي سبقتها منذ 1996 والتي لم يتجاوز مجموع ما أنفقته 16 مليارا طيلة عشر سنوات، وستتناسى الحديث عن الاحتجاجات والنزاعات الاجتماعية المتزايدة وغير ذلك.

إن الحكومة لا تولي أهمية للمسألة الاجتماعية بمقاربة صلبة تعالج الاختلالات الاجتماعية من جذورها المتمثلة في وجوب تبني نظام حكامة راشد يقطع مع أساليب الفساد والتبذير والمحسوبية واقتصاد الريع.

وأغلب النقابات لا تواكب التحولات الاجتماعية الحاصلة في المجتمع، وهذا ما يبرر بروز جمعيات صارت تنافس النقابات في تبني القضايا الاجتماعية التي ظلت تحتكرها منذ وقت طويل.

والباطرونا، ولا أعمم، ما زالت بعيدة عن روح المقاولة المواطنة التي لا تتهرب من واجباتها ولا تتنصل من التزاماتها وتمتلك رؤية مستقبلية للمطلوب منها في هذه المرحلة الدقيقة.

من الوهم تحقيق عدالة اجتماعية بدون ديمقراطية سياسية.. وهذه لن تتحقق بدون دستور شعبي وانتخابات نزيهة وقضاء مستقل ومعايير مضبوطة لإسناد المسؤوليات العمومية ونظام واضح للمساءلة والمحاسبة.. وكل ما سبق لن يتحقق بدون حوار وطني شفاف يفضي إلى ميثاق جامع يحدد الوجهة ويوحد الجهود لجهاد تنموي يشارك فيه الشعب والنخب، كل من موقعه.

أخشى أن نغير الآلية فندفن الحوار الاجتماعي ونعوضه بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولا نتجاوز ذلك إلى تغيير الفلسفة التي تحكم الحوار بين مختلف الفرقاء. فلن ينجح الحوار إن لم تسده روح الشراكة والمواطنة، وعلى كل طرف أن يعطي الدليل على ذلك.

ستقدم الحكومة على خطوة جبارة، في هذا المجال، إن هي استغنت عن صندوق المقاصة وألغت نظام الدعم الذي لا يستفيد منه من يستحقه، وعوضت ذلك بزيادة حقيقية في أجور صغار الموظفين ومساعدات منتظمة للأسر المعوزة. وبهذه الخطوة، ستقدم على تأهيل شريحة واسعة من المجتمع.

وستكمل مبادرتها إن هي أقدمت على تحديد الحد الأقصى للأجور وضبط فوضى التعويضات والمنح والأظرفة. وبهذه المبادرة، ستضع حدا للاغتناء الفاحش من أموال الشعب.

وستكون النتيجة أفضل إن هي أقدمت على إصلاح ضريبي ليصبح عادلا يحفز المقاولات على الأداء، مع الحرص على حسن تطبيقه لقطع الطريق على المتهربين وضعاف النفوس.

بهذا البرنامج سترفع الحكومة الحد الأدنى للأجور وستقلص الحد الأقصى وسترشد النفقات وستضمن مداخيل ضريبية هامة. والحكامة التدبيرية عامل مكمل.

هل تستطيع الحكومة تنفيذ هذا البرنامج؟

أشك في ذلك، لأن الحكومة لا حول ولا قوة لها.

لا حول ولا قوة إلا بالله.