في زمن التدفق العلومي الممتد في الآفاق أرضا وسماء، يحار المومن فيما يدع أو يأتي، مما يفترض معه تجديد فهمنا لمعنى العلم الذي نحتاجه خاصة مع هذا الفتح الكوني الذي فتح به المولى على الناس ابتلاء وتمحيصا، خاصة أمام تعدد هذه العلوم وكثرتها واختلافها وتنوعها وتطورها وتحولها، وغير ذلك مما يعتريها من أطوار الوجود أو العدم.

علم وعلوم

1. العلم بالله:

العلم الحق الذي لا مرية فيه العلم بالله عز وجل: فاعلم أنه لا إله إلا لله العلم بوجوده و بوحدانيته وعزته وقوته وتصرفه في الخلق، فهذا هو العلم الجدير بحمل صفة العلم وسمة العلم بصيغة المفرد وبـ”أل” الدالة على التعريف والتخصيص، بينما تبقى ما أنتجته العقول البشرية “علوما” بصيغة الجمع لا المفرد. وجلي الفرق بينهما: بين العلم بالله العلم الحق، وبين علوم الحكمة البشرية.

2. العلم نور وخشية:

ليس العلم الحق بكثرة الرواية، ولا تكديس النقول، ولا حفظ المتون، ولا امتلاك النصوص. إنما العلم الحق خشية الله عز وجل: إنما يخشى الله من عباده العلماء، والعلماء الحقيقيون هم الذين يخشون المولى جل وعلا. والخشية شعور دائم بمراقبة الله ومتابعته ومحاسبته، وعيش بين الرجاء والخوف، وعرض للذات وأعمالها على مراقبة من لا يغفل ولا ينام سبحانه وتعالى.وعليه يكون العلم بهذا المعنى نورا يقذفه ربنا الكريم في قلوب عباده الذين يخشونه ويتقونه، يكون العلم عطاءً لدُنيا أزليا فيه من روح الله وريحانه ما يقرب من الله ويرفع الدرجات ويدني من حضرة القرب.

3. علم المبتدأ والخبر:

مضمون العلم الحق مبتدأ مؤداه: أن الله عز وجل موجود، وخبر معناه: أننا إليه راجعون وإليه عائدون، فجوهره إذن: العلم بكيفيات القدوم عليه والاستعداد للقائه والسلوك إليه، والعلم بمحبته ومحبة رسوله والاستجابة لندائه باقتحام العقبات إليه، والسعي الدؤوب للتقرب إليه بالفرض والنفل.

علم جامع منجمع

4. علم ما يجري في القلوب:

إن موطن الصلاح والإصلاح في الجسد المضغة المسماة القلب، وعليه لكي تستقيم الأفهام وتتحد السلوكات وتنجمع الشخصية المسلمة لا بد من علم يهتم بما يجري في القلوب، فعلى هذا المستوى تتحدد المعركة الوجودية للإنسان ويتحدد مصيرها.

إن مجال التغيير الحقيقي هو الإنسان في خصيصة قلبه وسويداء فؤاده، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الله لا يغير ما بأنفسهم حتى تتغير ما بقلوبهم.

5. علم التكامل:

في حاجة نحن إلى علم يؤسس للتكامل والتوافق بين نور القلب وحكمة العقل وحركة الإرادة، فتنجمع الذات وتستكمل قواها نحو المقصود الأعظم دون شعور بالتشتت والتمزق بين الجانب العقلي المفكر وبين الجانب القلبي الإيماني وبين المستوى الحركي الجسدي، فتتحقق لنا الشخصية الكاملة الوارثة التي لا تجد الحرج في الجمع بين رهبانية الليل وسبح النهار وتلقي العلم.

6. علم الاجتهاد الجماعي:

هو علم اجتهاد يتجاوز طوق التقليد المفكر بذهنية من يفكر لزمانه بغير زمانه،أو بذهنية نحلة الغالب المغلوب المفكر بشروط الفتنة الجاثمة على القلوب والعقول والسلوك،علم لا يرضى بغير الجلوس عند عتبة المنبع الثري الوحي: القرآن والسنة، ثم هو اجتهاد يبني لفقه جامع يتجاوز التجزيء والتشظي وكافة مخلفات التفرقة القرونية الناجمة عن تفرق السلطان والقرآن.

علم المنهاج النبوي

7. علم تجديد:

علم المنهاج النبوي هو علم تجديد الدين بتجديد الإيمان في القلوب وتنوير الفهم في العقول وبعث الإرادة في السلوك. علم تغيير ما بالإنسان ليتغير ما حوله.

8. علم كيفيات التغيير:

علم المنهاج النبوي علم بكيفيات اكتشاف الوصفة الربانية النبوية التي استطاع بها الرسول الكريم تغيير أمة جاهلية لتصبح خير أمة أخرجت للناس، علم اكتشاف المنهاج النبوي الذي ربط بين الحق الذي في كتاب الله وسنة رسوله وبين عالم الناس بتقلباته وتحولاته.

9. علم كيفيات التنزيل:

علم المنهاج النبوي علم بكيفيات تربية جند الله ليترقى في مدارج الإيمان من دون دروشة منزوية ولا حركية جوفاء ولا فكر مجادل عقيم، وبكيفيات تنظيم الصف وترتيب أولياته، وبكيفيات زحف الجماعة المجاهدة في سعيها لتحكيم شرع الله ليعبد الله.

العلم بهذا الفهم علم منشئ للعمل، علم خطوة لا علم خطبة، علم يبرز من قلب خاشع ذاكر خاضع لجلال المولى العظيم مدرك لرسالته الوجودية الفردية والجماعية.