تقديم

رغم غزارة وتنوع مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين، فإن ثمة خيطا ناظما رابطا يجمع بينها، بحيث يدرك المطّلع عليها أنه أمام بناء فكري شامخ يتسم بالشمولية والتكامل والتماسك من جهة، وبالتناسق والانسجام من جهة أخرى، كما يدرك أن كل مؤلف من هذه المؤلفات يُشَكِّلُ لَبِنَةً موضوعة بإتقان وحكمة في مكانها المناسب، ذلك أن كلا منها يعتبر بمثابة جواب عن أسئلة جوهرية تَهُمُّ كل جانب من جوانب المشروع المجتمعي الشامل الذي تسعى جماعة “العدل والإحسان” جاهدة إلى إقامته مسترشدة بكتاب “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا” الذي يشكل بوصلة تتضمن أهم ركائز وأسس الجماعة.

فما موقع لبنة “القرآن والنبوة” في إطار هذا البناء الشامخ السامق؟ وما هي الأسئلة التي يجيب عنها هذا الكتاب؟ وما هي المفاتيح التي يمكن بواسطتها الولوج إلى عوالم هذا الكتاب؟

أولا: بين يدي العنوان

أ- تركيبيا:

العنوان عبارة عن جملة اسمية تتكون من مبتدأ (القرآن)، وحرف عطف (الواو)، واسم معطوف (النبوة)، والخبر محذوف يمكن تقديره انطلاقا من مضامين الكتاب.

ب- دلاليا:

القرآن هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام، ومن أسمائه: الفرقان – الكتاب- النور- التنزيل- الكلام- الحديث- الموعظة- الهادي- الحق- البيان- المنير- الشفاء- العظيم- الكريم- المجيد- العزيز- النعمة- الرحمة- الروح- الحبل- القصص- المهيمن- الحكم- الذّكر- السراج- البشير- النذير- التبيان- العدل- المنادي- الشافي- الذكرى- الحكيم – الصراط المستقيم – النبأ …

النبوة: النبوءة لغة مأخوذة من النبأ أي الخبر، ونبأه بالأمر أي أخبره، والمقصود بها هنا الإخبار عن الله تعالى، بمعنى أن النبي هو الذي يخبر الناس بأوامر الله ونواهيه وكل ما يريد الله تعالى أن بخبرهم به، إذا النبي هو واسطة بين الله تعالى والناس.

ومما ينبغي تحديده في هذا السياق الفرق بين النبي والرسول ذلك أن الرسل كلّهم أنبياء ولكن ليس كلّ الأنبياء رسلا، لأنّ الرسول هو نبيّ أوحى الله إليه بشرع جديد أي أحكام جديدة يعلّمها للذين أرسل إليهم، أما النبي فهو الذي أوحي إليه أن يعمل بشرع الرسول الذي كان قبله ولم يُوحَ إليه بشرع جديد.

قال العلماء: كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. والأنبياء والرسل كلّهم يبلغون الدعوة إلى الناس. ولهذا الأمر، فإنّ عدد الأنبياء كبير جدا، أما الرسل فعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا، وقد ورد في القرءان أسماء خمسة وعشرين نبيا.

ج- إيحاءات العنوان:

يوحي العنوان بوجود علاقة تكامل وتواصل تامين بين القرآن والنبوة، وهو تكامل نابع من مصدرهما الرباني الواحد. وهذا الارتباط والتلازم بين القرآن والنبوة يكشف أصالة ومشروعية وعمق المشروع الدعوي لجماعة “العدل والإحسان”، وهو المشروع الذي أعلن ارتباطه التام والمطلق بكتاب الله عز وجل (القرآن الكريم)، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم (المنهاج النبوي)، غير أن ما يثير الانتباه هو أن كل الحركات الإسلامية تعلن ارتباطها بالقرآن والسنة، لذلك يحق لنا أن نتساءل: ما الذي يميز ارتباط “العدل والإحسان” بالقرآن والسنة؟ وبأي منظار يتم الارتباط بهذين المصدرين؟ وبأية إرادة يتم الانطلاق منهما؟ ثم ما الغاية من هذا الارتباط بالقرآن والسنة الشريفة؟

ثانيا: موقع الكتاب، وموضوعه المحوري

يندرج كتاب “القرآن والنبوة” في إطار مشروع المنهاج النبوي الذي كرس الأستاذ عبد السلام ياسين كل مجهوداته لبنائه والدفاع عن أصالته ومشروعيته، وهو المشروع الذي صدرت منه لحد الآن خمسة كتب، هي: “في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية” و”رجال القومة والإصلاح” و”الخلافة والملك ” و”مقدمات لمستقبل الإسلام” و”إمامة الأمة”.

يجيب الكتاب عن سؤالين محوريين:

1- كيف لنا أن نعيد للقرآن الكريم والنبوة الشريفة تلازمهما ودورهما في تحقيق ذلكم المشروع التجديدي الشامل ببعديه العدلي والإحساني؟

2- بأي فهم، وبأية إرادة نتعامل مع القرآن الكريم والنبوة الشريفة من أجل تجديد الإيمان في القلوب والعزة في الأمة؟

ثالثا: بنية الكتاب

يتكون الكتاب من أربعة فصول:

_ الفصل الأول: عبد يوحى إليه.

_ الفصل الثاني: “قل ما كنت بدعا من الرسل”

_ الفصل الثالث: الهجرة والنصرة.

_ الفصل الرابع: الجهاد.

رابعا: المفاتيح الستة لقراءة الكتاب

أ- مفتاح التأصيل:

إن أصالة مشروع “العدل والإحسان” تنبع من الامتياح المباشر من القرآن الكريم ومن النبوة الشريفة، لذلك نجد حرصا كبيرا ومتميزا على توظيف المصطلح القرآني والنبوي، بل نجد حرصا على إحياء وتجديد فهم هذا المصطلح وفق ما يناسب متغيرات العصر، ومن المفاهيم المحورية التي ينبني عليها الكتاب:

* الوحي: يقول تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتَهْدِي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور، الوحي والرسالة مناط الإيمان كله، لذلك يركز وثنيو القومية وأساتذتهم من المستشرقين هجومهم على الوحي والرسالة ليتعتعوا المسلمين عن يقينهم بأن الرسول مبعوث مأمور من لدن خالق الأرض والسماء، خالق الإنسان ومصيره من الدنيا للآخرة) 1 .

مركزية هذا المفهوم في تصور الجماعة تتمثل في التأكيد والتذكير المستمر بأن القرآن الكريم وحي منزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه كان عليه الصلاة والسلام ربانيا في كل حركاته وسكناته، وتتمثل هذه الربانية في ارتباطه الكامل بالوحي الإلهي.

* القرآن الكريم: دواء دائنا في القرآن ودولة القرآن، ودولة القرآن إنما تستحق الاسم إن اتخذنا القرآن إماما، كل القرآن في كل المجالات، فإن الضلالة لا توافق الهدى) 2 . ونجد في الكتاب حرصا على تأصيل تسميات القرآن المختلفة:

– فرقان: يقول عز من قائل: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. الفيصل بين الإيمان والكفر موقف الناس من القرآن) 3 .

– برهان: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا. معنى كون القرآن برهانا كما قال تعالى، ومعنى كونه نورا مبينا، أن كلام الله هو المرجع به يبرهن على الهدى والضلالة، على الصلاح والفساد، على إصابة العقل وخطئه، على سلامة الفهم وعلته) 4 .

– إحسان: تلك آيات الكتاب الحكيم، هدى ورحمة للمحسنين. وإنما عماد دولة القرآن الإحسان، أي موقف جماعة المسلمين من ربهم موقف العبيد المطيعين) 5 .

يقترن ذكر العقل في القرآن بذكر القلب، قال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، فنفهم أن من الناس من يعقل بالهوى، ومنهم من يعقل بالقلب. القلب المؤمن هو الذي يعقل عن الله. العقل المعتبر شرعا هو وظيفة قلبية تابعة للإيمان، وفي هذا يكون خلاص العقل من ربقة الهوى) 6 .

* الموعود النبوي: من الثوابت التي يقوم عليها تصور الجماعة الموعود النبوي بعودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، ولعل ما ينفرد به الإسلام وحده تلك الصفحة السماوية من تاريخ الأرض، يحتفظ بها كل مسلم ذكرى حية، هي صفحة النبوة ثم الخلافة على منهاج النبوة. انتظار الأمة للإمامة المهدية إنما هو انعكاس تلك الصفحة على مرآة الأمل، يؤيد إخبار السنة النبوية بعودة الخلافة على منهاج النبوة بعد عهود العض والجبر ذلك الأمل) 7 .

* الشورى: من ثوابت الحكم في التصور الإسلامي الشورى التي ارتبط غيابها في تاريخ المسلمين بالانكسار التاريخي الذي ابتليت به الأمة الإسلامية بالانقلاب الأموي الغاشم الذي أطاح بالخلافة الراشدة وأسس للملك العاض الوراثي في الأمة، وكان غيابها مؤشرا على الاستبداد الذي ظل ينخر منذئذ في جسم الأمة.

يصف الله عز وجل شورى المسلمين، التي وردت في سياق إيمان لا يفصلها شيء عن الشرعية الكلية التي تحرر الإنسان من بغي الإنسان حين تجعله عبدا لله وحده لا شريك له، قال تعالى: “وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون”) 8 . الشورى ترتبط بالتطهر من الآثام والفواحش، وهذا ما تجسد في السنة النبوية والخلافة الأولى.

* الانكسار التاريخي: من المفاهيم المحورية التي ينبني عليها تصور الجماعة، وهو مستمد من الحديث النبوي الذي رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحُكْم وآخرهن الصلاة”.

* الهجرة والنصرة: من المفاهيم التي تم بعثها واعتمادها في بناء تصور الجماعة، يتتبع الأستاذ هجرات الرسول صلى الله عليه وسلم واحدة تلو الأخرى، مستخلصا دروسا وعبرا من كل واحدة منها:

أول هجرة في الإسلام هجرة محمد صلى الله عليه وسلم مألوفه، وتخليه في غار حراء، هناك وصل قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم بنور الوحي) 9 .

هجرة المؤمنين إلى الحبشة: كان اللجوء إلى مَلك لا يظلم درسا لنا في التماس الفرج) 10 .

كان الإسراء والمعراج هجرة ثالثة: عاد المصطفى يحدث أصحابه وقومه بمعراجه ومسراه الشريفين) 11 .

الهجرة إلى المدينة: أصبح قيام دولة القرآن ممكنا بوجود حملة للدولة ودعائم لبنائها، لابد من أرض تحتضن دولة القرآن في ميلادها) 12 .

كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف هجرة فردية) 13 .

وإذا كانت الهجرة بذرة فالنصرة هي الأرض لبذرها، والبيئة المناسبة لصلاحها) 14 .

نجد حضورا لهذا المفهوم بهذه الحمولة الجديدة الأصيلة في (المنهاج النبوي) ص 50 نقرأ: فابتداء من إسلام عام، من مجتمع لا مقاييس إسلامية فيه، نربي ونمتحن من كان قابلا للتربية ومن يقترح نفسه حتى نأنس أنه أصبح نصيرا للدعوة فنسميه عضوا نصيرا، فإذا زاد على المشاركة الناصرة وحصل على مجموع جيد من الفضائل العلمية العملية الخلقية التنفيذية سميناه عضوا مهاجرا، استئناسا وتفاؤلا بهذين اللقبين الكريمين عند الله).

* البيعة: مبايعة الأنصار النبي على السمع والطاعة في النشاط والكسل… نقرأ في كتاب “العدل” ص 109: البيعة الشرعية قُربة عالية بين أطراف طُموح كل منهم متعلق بالله وباليوم الآخر).

* المؤاخاة: ما كانت المؤخاة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار إلحاقا طُفَيْليا لأسرة عاطلة تعمل وتنتج) 15 . الأسوة في هذا لغد الإسلام في دولة القرآن، ومغزاه ومرماه، أن تكون إعادة القسمة وإحلال عدل الإسلام ورخاء الإسلام القاعدة المادية التي يختل البناء وينهار بدونها) 16 .

* خطوة نحو السلطان:

الهجرة والنصرة، وتأمين القاعدة الاقتصادية، وتوقيع العقد والبيعة المفصلة المنظمة) 17 .

بناء المسجد) 18 .

عقد هدنة مع اليهود: عقد بمثابة دستور مكتوب يستكمل بعد بناء المؤسسة المركزية) 19 .

عقد المؤاخاة: الظروف النظامية والأساس الدستوري الإداري الاقتصادي الأمني لمجتمع مقبل على قتال طويل) 20 .

دروس وعبر تشكل منارات تهتدي الدعوة بها في سعيها الرباني الدؤوب لبناء دولة القرآن.

الرحمة: كل معاني الغيب الربانية والقدرية والقلبية والملكوتية والأخروية) 21 .

الحكمة: ما تدركه الحواس ويعالجه العقل وتأمر به الشريعة.) 22

ب- مفتاح التصحيح:

أخذ الأستاذ على عاتقه تصحيح مجموعة من المفاهيم، ومجموعة من الأخطاء/الأوهام التي تنتمي إلى تصورات فكرية مختلفة.

الوهم الخطير هو أن نتصور الحكم بما أنزل الله عملية قانونية فقهية بالمعنى الدارج للفقه لا بالمعنى القرآني. من الوهم أن نتصور أن دولة القرآن تقوم بمجرد رفع النصوص شعارا. والإلزام بها، والناس كالناس، والقلوب جافة من معاني الإيمان والرحمة ناشفة منها) 23 . إن الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الحدود القرآنية لابد أن يكون مسبوقا بالتربية النبوية المؤسسة على الرحمة والرفق والحكمة.

– قدر الله بدل ظروف التاريخ: تعابير ومصطلحات فرضتها علينا ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم. ويجد المرء حرجا منذ لوث لغتَنَا الشريفة أصحاب الفكر المترجم، أن يجمع بين لسانَيْ القدر والشرع، كما يجمع القرآن وتجمع السنة. وهذا من التقويض التاريخي) 24 . إن بناء الخلافة الثانية على منهاج النبوة، يفترض الحرص على بناء الذات بتصحيح جميع المغالطات خاصة التي تسربت لنا من الآخر.

يقول بعضهم: هلم نبني ما جاء به القرآن لا نعدوه، فهو أهدى وأمتن وصْلاً من سنة انحدرت إلينا على يد أجيال طويلة) 25 . جواب هؤلاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني، هو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه. وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله) 26 . إن كل محاولة للفصل بين القرآن الكريم والسنة النبوية ضرب من الوهم الذي ينبغي أن يصحح.

بدأ الخراب من أكثر جوانب البناء حساسية وهو الحكم. لابد أن يستقر هذا في أذهان بعضنا ممن يدافع عن الحكام على المسلمين بأي ثمن. لابد أن نفهم أن تاريخنا، وأنه أطوار بدأت بالنبوة، ثم الخلافة على منهاج النبوة، ثم الملك العاض والجبرية. قرأت لبعض علمائنا تعليقا على حديث الملك العاض كله تبرير لهذا الملك واعتبار له وقبول لكون الإعلام النبوي سبق به. يكفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم أطلق عليه وصفا حيوانيا هو العض، وعلى تاليه اسم الجبرية وهي حرفة الجبارين. أفما يكفي هذا؟ ثم ها هو حديث نقض عرا الإسلام يُعْلِم بانتقاض الحكم أول ما ينتقض من الإسلام. وقد كان ذلك مبكرا جدا في تاريخنا) 27 . تصحيح القراءات المغرضة العاجزة التي تسعى لتبرير واقع الاستبداد الذي عاشته وتعيشه الشعوب المسلمة تحت ضغط وإكراه حكام العض والجبر، ضرورة تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقة.

– من الناس من يفهم الإسلام حسب هواه، أو في حدود ظروفه، أو عبر نصوص مستغلقة عليه، أو يعتبره ثورة، الفهم الصحيح هو ما كانت النظم السياسية الاجتماعية الاقتصادية تأخذ مكانها كفروع للشريعة) 28 .

آخرون يقولون: إن ضرورة الإبداع المستقبلي تقتضي أن نعالج مشاكل الحاضر والمستقبل بمناهج متطورة. فأين السنة المحترمة -أي المسكينة المتخلفة- من مشاكل التصنيع والصراع الدولي وآفاق العلم وإمكانيات التكنولوجيا؟ هؤلاء نوع ممن لا يحبون أن يفهموا أن الإنسان وحده في مصيره فوق الأرض وفي البرزخ وفي دار الجزاء هو محور الأمر كله. وإن السنة المطهرة ما هي شكل اللباس وحجم الإنتاج وأدوات العمل وأساليب الأمن والحرب، السنة النبوية روح ونور ورحمة وفضل، وهي أيضا تعاليم خالدة تنتظم سلوك العبد الحريص على آخرته في عبادته الظاهرة والباطنة، في خُلقه وتعالمه، في عبوديته لله عز وجل… ) 29 . الفهم الصحيح للسنة النبوية أنها نور وروح تؤطر حياة الفرد ظاهرا وباطنا.

قوم سلاحهم الشك والتشكيك يرونها ظاهرة، شِرْك إن سُيِّد في لفظ محمد صلى الله عليه وسلم، أو عُظِّمَ في اللهجة، أو سُكِبت العَبْرَة حنينا إليه، أولئك ما قرأوا أنه عبد يوحى إليه، وأنه سيد ولد آدم، إنما هو عندهم عبد آدمي بَلَّغَ وانتهى وولَّى، نعوذ بالله من الخذلان!) 30 . رد على “التيار السلفي” الذي يتعامل مع النبوة ومع شخص النبي صلى الله عليه وسلم بجفاء وغلظة تطرح أكثر من علامة استفهام.

– قومة بدل ثورة: أستعمل هنا كلمات ثورة ورجعية وما إليها بالمعنى الدارج المتعارف، وإن كنت أحب التميز فلا أطلق على نهضة المسلمين إلا اللفظة القرآنية الحديثية قومة) 31 .

– تصحيح المفاهيم الخاطئة للدين: الدين الصحيح؟ الاستسلام للحاكم الظالم دين. التخلي عن كل اهتمام بأمر المسلمين دين. الانزواء في تعبد خامل دين. البدع والجهل دين. مظاهر اللباس والاكتحال ومضغ بعض العبارات هو جماع الدين. إسلام ميت. إسلام خوف وجهل وخنوع) 32 . القرآن الكريم وسنة المصطفى تؤكدان أن الدين جهاد.

ج- مفتاح الإجرائية:

اليوم ما سبيل جمع ما أصبح شتيتا؟ ما منهاجه؟ جاهلية اليوم من نوع جديد على التاريخ. لا مكان فيها للدين إلا في ركن تنسحب عليه أحكام القانون (…) حياة المجتمع الاقتصادية والسياسية واليومية والثقافية والترفيهية لا دخل فيها للدين بتاتا. وصحوة ناشئة أمامها ركام الخراب الضخم. فماذا تجمع؟ وكيف تعود بالأمة لوحدة المنهاج النبوي، وتماسك الأمة وأخوة الإيمان والعزة على الأعداء؟) 33 . سؤال يتعلق بكيفية أجرأة التصور، سؤال يؤكد ضرورة “المنهاج النبوي”.

ورثة رسالة لا رشد لهم، إن لم يتبعوا منهاج النبوة، ويتفانوا في حب الله ورسوله، ويتعلموا من الله ورسوله، ويهتدوا بنور الله المودع في قلوب أولياء الله…) 34 .

… كانت هناك قوة معنوية، هي قوة الإيمان من وراء القوة العسكرية التي كان التفوق فيها للعدو أضعافا. قوة خارقة مكنت الصحابة رضي الله عنهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من تطويع بلاد العرب وتنظيمها في أقل من عشر سنين، ومكنتهم في أقل من اثنتي عشرة سنة بعد وفاته من فتح فلسطين والعراق ومصر، لم تقف خيلهم المظفرة إلا عند الحواجز الطبيعية مثل جبال الطورس وإيران وصحاري النوبة وليبيا) 35 . ضرورة الحرص على تجديد الإيمان وتقويته، لأنه كان أساس التفوق والفتوحات التي حققها الصحابة رضي الله عنهم، الشرط المادي لا يكفي لتحقيق النصر الموعود، لا بد من توفر الشرط الإيماني.

– الحكمة النبوية في الدعوة إلى الله عز وجل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمد إلى وجهاء كل قوم ورؤسائهم مفتاحا لإسلام القبيلة، ولم تبدأ وفود العرب تجيء خاضعة لله ورسوله إلا بعد الانتصارات الحاسمة لجند الله بحد السلاح) 36 .

ومن خلال شبكة القوة والأحلاف هذه نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعملا في مراحل جهاده عُرْفَ الجاهلية بما لا يشكل تنازلا عن أهدافه. واعتمد على ما في العرب من مروآت، فصَادَقَ، وحَالَفَ، واستعار السلاح من المشركين، وبعث أصحابه يتعلمون “التكنولوجيا” في الشام حتى صنعوا له المنجنيق في حصار الطائف. لم تلوثه الجاهلية ولا لوثت حزب الله تحت قيادته لما كانت القلوب طاهرة بلا إله إلا الله من كل شرك) 37 .

– العلم: رغم هوس الجاهلية المعاصرة وضجيجها فإن منافذ الدعوة كثيرة، أهمها شِقْوَةُ الإنسان بما يعانيه تحت ركام الحضارة المادية. إما ركام البضائع والثروة واللذات حتى الملل، وإما ركام البؤس والجوع والجهل والاحتقار. وينتظر الإنسان مَنْ يعلمه فضائل الإسلام، ويبلغه حقيقته، ليتجلى له مدى جهله حين نسي الله) 38 .

– حب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وليكن بلاغنا الإسلامي، بعد كلمة لا إله إلا الله التي يفسرها القرآن، مشبعا بالحب لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، مفعما بالتقدير لمكانته عند الله عز وجل وبالاقتناع بعصمة سنته وقيادته) 39 .

– التدرج: ولا بد في ذلك من تَدَرُّج حتى يُكْبَحَ جِمَاحُ الرأسمالية والأنانية الطبقية دون أن تُكسر عجلة الاقتصاد) 40 .

ولكي تكون قومة إسلامية على النمط الأول لا تكفي شدائد تاريخية تجمع غضب الأمة، بل لابد من مرور كل مومن من مدرسة الشدائد، يتربى فيها تربية تمكنه من الانقطاع عن ماضيه، وحاضره، ومألوفه، وراحته، وعلاقته بكل ما يشده إلى الأرض وشهواتها، ليرتبط بموعود الله، ولتملأ جوانحه محبة الله، والشوق إلى لقائه) 41 . أهمية التربية في بناء جند الله المعول عليهم لإنجاح القومة الإسلامية.

د- مفتاح المماثلة/النموذج:

لا ينطلق تصور “العدل والإحسان” من فراغ بل إنه ينبني على نموذج سابق تمثل في تلك الصفحة السماوية التي تجسدت خلال عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، والتي اعتبرت بحق بمثابة شهادة تاريخية تؤكد بأن القرآن قابل للتطبيق، وبأن دولة القرآن ليست مثالا حالما تمخضت عنه الفلسفة الأرضية كما تمخضت عن المذاهب الفكرية)، يقدم الكتاب معالم لهذا البناء/النموذج الذي يشكل منارات تهتدي بها الدعوة الموعودة بالنصر والتأييد:

ما انتصر الإسلام الأول في أية بعثة نبوية بتفوق تضبطه الأرقام، وتفصح عنه الأرقام، إنما انتصرت الدعوات النبوية بالتأييد الإلهي الذي يظهر في التاريخ على صورة روح جديدة تسري في المؤمنين، وتصوغ منهم جندا يطيع الله والرسول، وينبذ كل إله غير الله، ويقطع كل ولاء غير الولاء لله ورسوله) 42 .

انبعث الإسلام الأول أربعين سنة بعد أن غزا أبرهة الحبشي مكة، ووُلِِدَت دولةُ القرآن في المدينة وسط يهود، ورغم مكرهم وعدائهم وخيانتهم، كذلك اليوم صليبية ولا كأبرهة، ويهودية مسلحة بمال العالم -وصفوته مال العرب- مسلحة بالتكنولوجيا تشير يدا في يد مع الصليبية) 43 .

البعثة النبوية كانت وسط جاهلية بلاد العرب تحيط بها جاهلية منتشرة في العالم بعد أن حرف اليهود والنصارى دين الله إلا من بقي منهم على أثارة من علم. كان البشر طبقات تؤول إلى مستكبرين بقيادة دولتي الفرس والروم، ومستضعفين هم سائر الشعوب المقهورة. وكذلك اليوم في جاهلية العصر، دوائر ظلمانية تنبثق من خلالها صحوة الإسلام المتجدد، واستكبار عالمي يُنيخ بكلكله على المستضعفين) 44 .

إنسان عصرنا وثني يعبد مصنوعاته كما كان يعبدها وثني الجاهلية الأولى. يعبد شهواته كما كان يعبدها من قبله، كان للعرب هبل واللات والعزى، وهبل هذا العصر وأصنامه أكثر إتقانا في الصنعة لكنها أكثر فتكا بأخلاق الإنسان وحياة الإنسان) 45

هـ- مفتاح المغايرة:

لا غرابة أن نجد في الكتاب حضورا للآخر/اللائكي تارة والغرب تارة أخرى، والشيعة تارة ثالثة، باعتبار التأثير الذي مارسه ومازال يمارسه الغرب على الأمة الإسلامية على جميع المستويات عسكريا، واقتصاديا، وثقافيا، وحضاريا… وباعتبار الحضور القوي والمتميز لإخوتنا الشيعة خاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران.

الإسلام دين، هذه جملة يفهم منها إنسان العصر اللايكي أن الإسلام علاقة بين الإنسان وربه لا علاقة لها بالمجتمع ونظامه… كلمة “دين” سطَّحها الذين نسبوا للسيد المسيح عليه السلام القول بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله…) 46 .

العقلانية تفرض في الفيلسوف المخرص والعالم الباحث صرامة المنهجية، وحياد العقل، وتحري النتائج المنطقية حسب المنطق المختار. وتفرض عزل العقل عن العاطفة، ومن تلك الصرامة وهذا العزل تولدت الحضارة المتحجرة اللإنسانية التي يسيطر بأسها على العالم اليوم) 47 .

– الديموقراطية/الشورى: لا مكان في هذه الأنظمة لشيء زائد عن المصلحة الدنيوية المادية. فإذن لا حديث فيها عن التربية الخلقية إلا بمقدار ما يلزم المواطن أن يكون صالحا أو رفيقا أو مناضلا) 48 .

لكن إخوتنا عندما يعلنون على العالم ويبثون في صفوف المسلمين المتطلعين للتحرر من كابوس الجاهلية أن إسلام أهل السنة معاد لآل البيت، فتحدث البلبلة، ونسمع من الشباب أفواجا “تتشيع” كأنها تخرج من دين لدين) 49 . الرد على هذا الموقف أن كتاب الله جامع، وإمامة آل البيت لا ينكرها مسلم. ومحبة آل البيت دين. فيبقى أن نسدد ونقارب ونجتهد لنجد صيغة موحدة) 50 .

إن البلاغ الإسلامي ينبغي ألا يحاكي الخطاب الثقافي الجاهلي في تَثَنِّيهِ وتحذلقه الفلسفي، يجب ألا ننهزم أمام العقلانية الكافرة التي تكشط من كلام من يحاور المغربين على أرضهم كل نداءات القلب الحارة. لا إله إلا الله ليست فلسفة. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ليست استدلالا منطقيا.) 51

و- مفتاح الهدف:

يعلن الكتاب عن الأهداف التي تسعى جماعة “العدل والإحسان” إلى تحقيقها:

– الخلاص الجماعي: الهدف العام السامي هو السعي لتحقيق الموعود النبوي الصفحة الناصعة من تاريخ الخلافة الثانية أمامنا. جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه) 52 .

– هدف إقامة العدل: الأسوة في هذا لغد الإسلام في دولة القرآن، ومغزاه ومرماه، أن تكون إعادة القسمة وإحلال عدل الإسلام ورخاء الإسلام القاعدة المادية التي يختل البناء وينهار بدونها. فإنه إن زعم زاعم أنه يحكم بما أنزل الله ثم يُبْقِي قوما في المهنإ والترف، وقوما في الكدح والبؤس، فإنما هو زعم وباطل) 53 .

– الخلاص الفردي: اللب هو مصيرك يا إنسان إلى ربك، وعبورك هذه الدنيا لِتُخْتَبَرَ فيها وتصير إلى جزائك. وتكتسب النُظُم التي تمهد لك وتساعدك على معرفة الله تعالى، وعبادته أهميتها من خدمتها للدعوة التي تعرفك بوجود الله، وتحبب إليك الإيمان وتصلك بالمؤمنين، حتى تصبح واحدا منهم، فتفوز في الدار الآخرة.) 54

أما بعد:

هل تكفي هذه المفاتيح الستة لقراءة هذا الكتاب أم أن هناك مفاتيح أخرى يمكن الاستعانة بها لإضاءة بعض جوانبه؟ ثم هل تغني قراءته عن قراءة باقي الكتب أم أنها على العكس من ذلك تدعو إلى مزيد من السعي لفهم مقومات وخصوصيات هذا التصور الدعوي الرباني؟

لا أستطيع الجزم بجواب قاطع غير أن الخلاصة التي أنتهي إليها أن هذه القراءة المتواضعة لا تغني بتاتا عن قراءة الكتاب، كما أن الفهم الشامل والعميق لمشروع “المنهاج النبوي” يفرض الإقبال على قراءة كتب الأستاذ عبد السلام ياسين، بدءا بكتاب “المنهاج النبوي” وليس انتهاء بكتاب “القرآن والنبوة”، سيقف القارئ لا محالة على تجربة فكرية ودعوية ربانية عظيمة وغير مسبوقة، سيجعله يشعر فعلا بأن الله عز وجل مَنَّ على هذا القطر العزيز من العالم الإسلامي برجل رباني صادق لا يسع المرء إلا أن يتشرف بأن يصحبه ويتتلمذ على يديه لأن الله عز وجل يقول في محكم تنزيله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.


[1] ص: 13.\
[2] ص: 16.\
[3] ص: 17.\
[4] ص: 18.\
[5] ص: 25-26.\
[6] ص: 23.\
[7] ص: 27.\
[8] ص: 30.\
[9] ص: 76. \
[10] ص: 76.\
[11] ص: 77. \
[12] ص: 77-78.\
[13] ص: 78.\
[14] ص: 78.\
[15] ص: 83.\
[16] ص: 84.\
[17] ص: 84.\
[18] ص: 85.\
[19] ص: 85.\
[20] ص: 85.\
[21] ص: 101.\
[22] ص: 101.\
[23] ص: 34.\
[24] ص: 37.\
[25] ص: 38.\
[26] ص: 36.\
[27] ص: 40.\
[28] ص: 90.\
[29] ص: 38-39.\
[30] ص: 54.\
[31] ص: 73-74.\
[32] ص: 92.\
[33] ص: 37-38.\
[34] ص: 63.\
[35] ص: 64.\
[36] ص: 49.\
[37] ص: 50.\
[38] ص: 52.\
[39] ص: 53-54.\
[40] ص: 84.\
[41] ص: 74.\
[42] ص: 44-45.\
[43] ص: 47.\
[44] ص: 46-47.\
[45] ص: 47.\
[46] ص: 92. \
[47] ص: 23.\
[48] ص: 29.\
[49] ص: 67.\
[50] ص: 67.\
[51] ص: 53.\
[52] ص: 40.\
[53] ص: 84.\
[54] ص: 90.\