خرج ثلة من علماء البلاد، أخيرا، عن صمتهم وأعلنوا تأييدهم للمواقف التي اتخذتها السلطات العمومية تجاه بعض المنصرين. أركز على كلمة “بعض”.

وليس في هذا الأمر جديد، فقد عودونا على هذه الخرجات الموسمية بين الفينة والأخرى، ولكن الخرجة الإعلامية حملت، هذه المرة، طابعا استثنائيا لأن الرسالة كانت ممضاة من طرف سبعة آلاف من العلماء.

لم يتساءل هؤلاء العلماء، بطبيعة الحال، عن أسباب انتشار التنصير وعن العوامل المساعدة على نجاح مساعي المنصرين وعن مسؤولية المؤسسات الدينية في ذلك وعن التغاضي عن عمل المنصرين طيلة هذه السنين وعن الأعداد، وهي تقدر بالآلاف، التي لم تطلها المساءلة والمراقبة والطرد.

ذكرتني هذه الرسالة بخرجات سابقة كانت تصب كلها في اتجاه مباركة خطوة أو استنكار مبادرة، كما وقع عند فتوى تحريم “البوكيمون” أو عند استنكار رسالة الأستاذ عبد السلام ياسين “إلى من يهمه الأمر” أو استنكار فتوى الشيخ القرضاوي حول القروض الربوية، أو ما شابه ذلك. وهي خرجات معدودة لا تساوي معشار ما هو مطلوب من مؤسسات متعددة تشرف على تأطير الشأن الديني وإعادة هيكلته لينسجم مع متطلبات البلاد وحاجيات العباد. وهي، لا شك، مؤسسات حبلى بالكفاءات العلمية المهتمة بالدعوة إلى الله عز وجل. لا يراودني شك في ذلك.

ومن محاسن الأقدار أن تتزامن هذه الرسالة مع انعقاد الدورة الربيعية للمجلس العلمي الأعلى الذي يتولى ضمان الأمن الروحي للمغاربة وحراسة الثوابت الدينية للأمة وتنشيط الحياة الدينية، وهو المجلس الذي توسعت شبكته لتصبح بعدد ثلاثين مجلسا، إضافة إلى ثمانية وستين فرعا تغطي سائر المناطق. فهل يتجاوز المجلس ما هو معهود عنه من كيل عبارات الثناء والإطراء على حصيلته؟ وهل سيطرح الأسئلة العميقة عن أسباب انتشار التنصير والتشيع والميوعة؟ وهل يتوسع في التحليل ليضع الأصبع على الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتدهور الذي تعرفه القيم في مجتمعنا؟ هل يمكن أن يصدر توصيات بشأن السياسات العمومية المتبعة؟ سوف نرى، وإن كنت متيقنا من النتيجة.

تنعقد دورة المجلس بتزامن مع قرار بهدم 251 مسجدا في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى المساجد، سواء من حيث عددها أو محتوى ما يقدم فيها من مواد إرشادية حتى تصبح ملاذا تربويا للمغاربة الذين يفرون يوما بعد آخر إلى القنوات والمواقع المشرقية طلبا للفتوى وتلبية لفراغ روحي لم تستطع ملأه المؤسسات الدينية ببلادنا رغم كثرتها. وهذا أمر لا يخفيه الكاتب العام للمجلس الذي صرح في أحد حواراته بأن البرامج الدينية في قنوات المغرب قليلة وبسيطة وتفتقد إلى عنصر التشويق.

سيقدم المجلس العلمي الأعلى خدمة جليلة إلى الإسلام إن هو أقدم على خطوة شجاعة، في دورته العاشرة هاته، فقدم دراسة موضوعية ودقيقة حول أسباب تعثره وحول القيود التي تعوق أداء العلماء لوظيفتهم الحقيقية، وسينجز خدمة جليلة إن هو قارن حصيلته مع ما ينتظر منه، وقد سبق لوزير الأوقاف أن عبر عن هذه الانتظارات أثناء تنصيب أعضاء المجالس المحلية حين قال إنها مرجع للناس للتقصي حول أمور دينهم ومن أجل سد الباب على تناسل الفتاوى التي تفضي إلى الفوضى والاضطرابات الفكرية، مؤكدا أن دورها يتجلى أساسا في تأطير المواطنين وإرشادهم ومرافقة أئمة المساجد في كل ما يتعلق بقضايا الشأن الديني والاجتماعي والتربوي، ومشددا على أن هذه المجالس مدعوة إلى الاضطلاع بدورها الذي لا يقوم به غيرها في الإرشاد والوقاية. فماذا حقق المجلس من كل هذه الأهداف؟ ننتظر الحصيلة، ولكم واسع النظر في الحكم عليها.

في مجتمع مسلم كالمجتمع المغربي، معروف بتدين فطري لدى أفراده، يتوقع أن يكون للعلماء دور كبير في تأطير الناس وتوجيههم والحفاظ على القيم الدينية والدفاع عن الأخلاق الحسنة. ولكن، على العكس من ذلك، يلاحظ أن دورهم هامشي وأن أداءهم باهت، مما جعل أغلب المغاربة ينتقلون إلى وجهات أخرى لإشباع حاجتهم المعرفية والروحية، وهذا ما يسقطهم ضحايا لمبتدئين “متعالمين” يفسدون عليهم عقيدتهم وفهمهم الفطري للإسلام كما ساد طيلة قرون في المغرب المعروف بتسامحه واعتداله وعمق فهمه للدين في بساطته ويسره.

ولسد هذا النقص التأطيري، جربت الوزارة الاستعانة بأجهزة تلفاز في المساجد، ولكن التجربة فشلت فشلا ذريعا وأبانت عن سوء تخطيط وبعد عن احتياجات رواد المسجد. وسبق للوزارة نفسها تخريج أفواج من المرشدين الدينيين، بل إنها خصصت لذلك برنامجا رصدت له ميزانية قدرت ب 200 مليون درهم. ولكن الحصيلة دون المستوى.

وهناك جهاز آخر، هو الرابطة المحمدية للعلماء، يطمح أن يسد فراغا بالتعاون مع كل العاملين في الحقل الديني. ولكن أداءه ضعيف مقارنة مع الأهداف التي وضعها على عاتقه، وربما يرجع السبب إلى ضعف الإمكانيات المرصودة ومحدودية الاختصاصات والطابع المتشدد للتدبير حتى لا تنفتح هذه المؤسسة على عينات مغضوب عليها من العلماء والخطباء. والمقصود بهم المنتمون للحركة الإسلامية.

وهناك دار الحديث الحسنية، والتي تفتل في حبل آخر لا علاقة له بما سبق.

ورغم كثرة الأجهزة والميزانيات المرصودة، يلاحظ غياب التنسيق والتكامل بينها، بل إن العلاقة بين الفاعلين فيها يسودها صراع خفي لا يخدم الهدف من إنشائها، بل إنها تخضع أحيانا لاعتبارات سياسية ومصلحية ضيقة.. ووحدهم العلماء يدفعون الثمن.

ولا ننسى عاملا آخر يعوق أداء العلماء لرسالتهم في التبليغ، وهي غياب الاستقلالية والحرية. فلا يعقل إخضاع العلماء والخطباء للمراقبة، حيث يملى عليهم ما يقولونه وتوضع أمامهم الخطوط الحمراء والحواجز ويخضعون لمساءلة أمنية عما يقولونه في غياب حماية لهم من المؤسسات الدينية الوصية.

إن مهمة العلماء، وهم ورثة الأنبياء، هي التبليغ الكامل بدون تمييز بين الحديث عن التوحيد والعدل والحرية، وديدن العلماء كان دائما النصح لعامة المسلمين وأئمتهم دون أن يخافوا في ذلك لومة لائم. ولذلك ظلت قوتهم في استقلالهم عن جهاز الدولة في الرأي والتقدير والموارد. وهذا ما نفتقده، للأسف، اليوم.

لن يتجاوب الناس مع علماء خاضعين للتعليمات ويتحركون تحت الطلب ووفق اعتبارات سياسية ومصلحية ضيقة، ولن يتفاعلوا مع مواقف علماء يتحركون بمنطق الموظف الأجير، ولن يتجاوبوا مع علماء يرددون كلاما حفظوه دون فقه للواقع أو استجابة للتطورات التي يعرفها المجتمع. وهي تطورات تترتب عنها نوازل جديدة مازالت المؤسسات الدينية الرسمية بعيدة عن التعاطي معها. ويمكن إلقاء نظرة على فتاوى هذه المؤسسات لمعرفة هذه الحقيقة الصادمة.

لذلك يحق طرح هذا السؤال: أين علماء المغرب؟

نرجو أن نلمس الإجابة في الواقع اليومي للمغاربة بعيدا عن البلاغات المنمقة.

المصدر: المساء، العدد: 1113، بتاريخ الثلاثاء 20 أبريل 2010