لا يمكن لمن سمع تطمينات وزارة العدل لهيئة دفاع المعتقلين السياسيين الستة إلا الاستغراب. فقد وعدت الوزارة المحامين والعائلات بأن المحاكمة ستكون عادلة، وفي هذا اعتراف ضمني بأنها افتقدت، طيلة مراحلها السابقة، إلى مقومات المحاكمة العادلة، وتعهد السيد الوزير بالوقوف على الاختلالات التي شابت هذه المحاكمة في كل الأطوار، سواء في المرحلة الابتدائية أو في الاستئناف أو حتى أثناء التحقيق.

المثير للدهشة أن يمر الموضوع ببساطة في وقت تتعالى فيه صيحات المجتمع مطالبة بإصلاح القضاء بما يمنحه الاستقلالية والنزاهة والكفاءة اللازمة للقيام بمهمته في إحقاق الحق وحسن سير العدالة.

والمثير أكثر أن لا تنتبه الوزارة إلى الاختلالات التي شابت محاكمة هؤلاء المعتقلين السياسيين رغم حصول إجماع وسط كل مكونات المجتمع المغربي على أن الأحكام التي صدرت في حقهم كانت سياسية بامتياز، ورغم حصول إجماع على براءتهم من التهم الثقيلة التي نسبت إليهم، ورغم حملة التضامن الحقوقية والإعلامية والسياسية الواسعة التي حظي بها ملفهم، ورغم الاستنكار الذي لقيته تصريحات ممثلي الحكومة، وخاصة الداخلية والإعلام، الذين أثروا على مجرى القضية وأصدروا حكما نهائيا على المتهمين قبل أن تعرض القضية على أنظار القضاء، ورغم الأشكال النضالية المتنوعة التي تراكمت طيلة كل مراحل محاكمتهم.

رغم كل هذا الزخم النضالي لم “تنتبه” الوزارة للأمر إلا بعد انسحاب هيئة الدفاع وبعد رفض المعتقلين تعيين المحكمة من ينوب عنهم ودخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام منذ الاثنين 22 مارس، وهو إضراب يمكن أن تترتب عنه، لا قدر الله، تداعيات خطيرة على مسار القضية وعلى حياة المعتقلين وعلى أوضاع عائلاتهم والمتعاطفين معهم وعلى سمعة البلاد.

هل كان ضروريا أن يدخلوا في إضراب بهذا الشكل لتصل الرسالة؟ وأين كانت الوزارة في عهد وزيرها السابق؟ وهل يستنتج أنه لا بد من سلوك مسطرة نضالية استثنائية ليكتسب المظلوم أبسط حقوقه؟ وهل وصل الأمر بالقضاء إلى هذا الدرك الذي يجعله أسير إشارات لا تخلو من اعتبارات سياسية؟ ومن يتحمل مسؤولية ما سبق من خروقات في هذا الملف، وهي الخروقات التي دفع هؤلاء المعتقلون بسببها جزءا من حريتهم وصحتهم وراحة عائلاتهم واستقرارها؟

لا شك أن خطوة تعليق الإضراب عن الطعام مهمة لتفادي الأسوأ، ولكنها خطوة يمكن التراجع عنها في أية لحظة إن لم تأخذ العدالة مجراها الطبيعي، وهذا أقصى ما يطلبه المعتقلون، أو هو في الحقيقة أبسط ما يجب أن يوفر لهم. فلا أحد يطلب من المسؤولين التدخل للتأثير في الأحكام أو تجاوز صلاحياتهم، ولكن المطلوب هو وضع حد للعبث والإساءة لقيم العدالة والاستخفاف بحقوق الدفاع.

ولا شك أن ما يحدث من مضاعفات وتداعيات في هذا الملف سببه عدم تواصل وزير العدل السابق مع مطالب هيئة الدفاع، وغياب رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عن متابعة هذا الملف رغم أن بإمكانه تقديم توضيحات قد تؤثر على مسار القضية.

كيف لا يتحرك المناضل حرزني ويطلب، من تلقاء نفسه، المثول أمام المحكمة للإدلاء بشهادته وهو يرى أشخاصا معرضين للموت في أية لحظة بسبب مضاعفات الاستمرار في الإضراب المفتوح عن الطعام؟ أين الدفاع عن حقوق الإنسان والحق في الحياة ينتهك؟

إن غياب الهيئات المسؤولة وعدم تواصلها مع الجهات المتضررة يؤكد لدى المواطنين أن لا سلطة لهذه المؤسسات التي يتولون مسؤولياتها، ويجعلهم يلجؤون إلى أشكال تصعيدية للتعبير عن احتجاجهم. وهذا ما يتأكد في أكثر من قضية، حيث يضطر المعطلون، لإسماع صوتهم، إلى صب البنزين على أجسادهم أو التعرض للقطار، ويضطر سكان بعض المناطق إلى القيام بمسيرات بسبب “الأذن الصماء” للسلطة، ويضطر الطلبة في الجامعات إلى مقاطعة الامتحان لتضطر الإدارة إلى التحاور معهم من أجل تأجيل الامتحان بضعة أيام…

هكذا تضطر السلطات المواطنين لاتخاذ أشكال تصعيدية من أجل المطالبة بأشياء بديهية.

لقد كانت الأحكام الصادرة في قضية المعتقلين السياسيين الستة صاعقة، وعبرت عن الطبيعة السياسية للملف وعن الدوافع الانتقامية لمن حركه ونسج فصول مسرحيته وحلقات مسلسله الرديء.. كما كشفت عن الموقف الضعيف الذي كانت فيه السلطة، وكذا حجم التعاطف الذي حظي به هؤلاء المعتقلون.

وشكلت كل هذه الفترة الفاصلة بين تحريك الملف ووعد وزير العدل الجديد فرصة ذهبية لإصلاح هذا الخطأ، ولا شك أن مرافعات الدفاع وشهادة الشهود مناسبة لذلك لأنها ستكشف تهافت ادعاءات الإدانة، كما أن حجم التعاطف المجتمعي مناسبة لأنه يستحيل تحقق ما شاهدناه من إجماع على براءتهم من قبل كل هذه الأطياف الفكرية والألوان الحزبية والتوجهات السياسية والشرائح المجتمعية، كما أن هذه المدة التي مرت مناسبة لطي الملف بعد تجاوز هول الصدمة النفسية التي جعلت بعض المسؤولين يتجاوزون صلاحياتهم وينتحلون صفة القضاء ويصدرون قبله أحكاما بالإدانة.

والأكيد أن هذه القضية شكلت دليلا آخر على زيف الشعارات المرفوعة لأنها شهدت غياب استقلال حقيقي للقضاء الذي ظل مرتهنا لتصريحات الداخلية، وعرفت كذلك توقيع المحاضر بالقوة وخضوع المعتقلين للتعذيب النفسي والجسدي كما صرحوا بذلك أمام القضاء الذي ظل عاجزا أمام ما يراه ويسمعه. ولذلك، فإن الذين حركوا هذا الملف أضافوا إلى السجل الأسود للدولة في حقوق الإنسان نقطة سوداء أخرى، وهم، بتعنتهم اليوم، يضيعون فرصة أخرى لاستدراك ما فات.

للمسؤولين أن يفبركوا ما شاؤوا من التهم والملفات، ولهم أن يختاروا التوقيت الذي يرونه لتحريك كل قضية، كما لهم أن يدخلوا من شاؤوا السجن أو حتى أكثر من ذلك ما دامت السطوة واحتكار أدوات السلطة يعطيانهم هذا الحق الذي يثبتون يوما بعد آخر أنهم يسيئون استعماله، وما دام البناء الدستوري والقانوني والمؤسساتي للدولة متمنعا بفعل ميزان قوى غير عادل بسبب تشتت جبهة الراغبين في رؤية مغرب مغاير. لكن علينا أن نأخذ العبرة من هذا الحدث وغيره لأن سياسة الاستفراد بالخصوم المتبعة من قبل هذه الأجهزة، وواقع التشتت الذي يقابلها في الصف الآخر لا يخدم هدف الحد من تغولهم، فأحرى أن يخدم هدف الإصلاح والتغيير والبناء على أساس آخر.

هذه أهم خلاصة. عجل اللهم بفرجك.