ظل العلماء عبر كل مراحل تاريخ الأمة الإسلامية حصنا حصينا تلجأ إليه الأمة إذا عصفت بها الأنواء، وملاذا يستجار به إذا ألمت المدلهمات وعم البلاء. وكانوا رضي الله عنهم يضربون في كل مرة المثل الأعلى في البذل والتضحية والجرأة في قول الحق، لأنهم كانوا على وعي تام بجسامة المسؤولية وخطرها فهم ورثة الأنبياء، والوراثة تعني فيما تعني التضحية والقدوة والصبر على الابتلاء، فهم النجوم التي يقتدى بها خاصة في معاقد تاريخ الأمة، وكانوا كلما حل الجور، واشتد الظلم، وضيق على الناس في أرزاقهم ومعايشهم وفي حقوقهم، أو مست عقائدهم ومقدساتهم، نجد العلماء حاضرين زمانا ومكانا شاهدين بالقسط. فهم ألصق بالأمة وأقرب إليها وأكثر إحساسا بها وبمطالبها الدينية والدنيوية، لهذا كانت فتواهم حاضرة تجيب عن احتياجات الناس ومطالبهم، وكان القول إلى جانب الفعل والفتوى إلى جانب الموقف ديدنهم.

شهادة وحضور هما إذن، ومشاركة فاعلة لهموم الناس، وتحمل لضريبة قول الحق إن اقتضى الحال، وتوثب لإصلاح مظاهر الفساد والإفساد بكل أشكالها ومصادرها في المجتمع بالتوجيه والإرشاد وبالموقف الحازم اللازم، نابع من الإحساس بجسامة المسؤولية وثقل العهد المأخوذ عليهم وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه لا من سياسة التعليمات والتوجيهات المفروضة، والبيانات والفتاوى الصادرة تحت الطلب وفق خطوط حمراء مسقوفة مظروفة.

فكم من حدث كان يستوجب من علمائنا التدخل العاجل بقوة وبحزم -لكن للأسف- لا يتدخلون إلا بعد فوات الأوان وفق أجندات أصحاب القرار والأمثلة على هذا البطء والغياب عديدة لعل آخرها رسالة علماء المغرب بشأن التنصير -وهي أقل ما يجب- التي وقعها 7000 عالم، يدينون فيها خطط التنصير، لكن دون أن يتحدثوا عن سياسة التجهيل والتفقير، ودون أن يتحدثوا عن معاول الوثنية والأليكة والتنصير والفرنكة والشذوذ التي يتعرض لها المجتمع يوميا في الإعلام والتعليم، في الخطاب والرؤية، في الشكل والسلوك، في المناسبات والاحتفالات، في الحكم والسياسة، وقبل كل ذلك لا حديث عن معدن كل هذه الشرور وهو الاستبداد برقاب وخيرات الشعب.

إن الحق كل لا يتجزأ، فمظاهر الجرأة على الدين والتمييع والإفساد سياسة رسمية مرعية مثبتة في الإعلام والتعليم والثقافة من خلال برامج تبيد الأخلاق وتفشي الفاحشة والرذيلة في الشباب جهارا نهارا، دون أن يصدر بيان مجمع عليه أو موقف متفق حوله. فهل ننتظر من علمائنا بيانا، بلاغا، نصيحة للدولة تدين سياسة الانحلال المستشرية الممنهجة التي تأتي على المروءة والدين والأخلاق؟ وهل ننتظر إجماعا على محاربة مظاهر الفساد التي تنخر مغربنا في السياسة والاقتصاد والإدارة والقضاء؟ نتمنى وننتظر.

وإلى ذلك الحين نستمع إلى هذه الكلمات الطيبات لعالم من علماء هذه الأمة، يقول البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى: وكانوا يزنون –أي العلماء- الشدائد التي تصيبهم في الطريق إلى إقامة دين الله بأجرها عنده، ومثوبتها في الدار الآخرة، لا بما يفوتهم من أعراض الدنيا، وسلامة البدن، وخفض العيش، وراحة البال، فكل ما أصابهم من ذلك يعدونه طريقاً إلى الجنة ووسيلة إلى رضا الله.

وكانوا ملوكا على الملوك، واقفين لهم بالمرصاد، لا يقرونهم على باطل ولا منكر، ولا يسكتون لهم على مخالفة صريحـة للدين، ولا يتساهلون معهم في حق الله، ولا يترضونهم فيما يسخط الله.)