الأم الحاضنة المربية

الأم عائشة امرأة طيبة وحنون.. معين لا ينضب من العلم والحنان وحسن الخلق.. تحب الأطفال، وترعاهم، وتحسن إليهم وتحتملهم وتواسيهم.. وتبدي لهم بشاشة الوجه ولين الجانب وحسن العشرة.. لم يرزقها الله بأولاد.. فاتخذت الأطفال لها أولادا.. حباها الله وأعطاها علما وفضلا لم يعطه لأحد في هذا الزمان.. فكانت مثالا للداعية المربية الناصحة المقبلة على الله دعاء ورجاء، وإنفاقا وبذلا وسماحة.. ليمكن لأهل الحق كي يعلوا الحق وينشروه.. ويجروا الخير بين الناس ويبذروه.. كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والجيل الفريد من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من بعده.. فتحت أبواب بيتها الرحب الفسيح.. لكل الوافدين صغارا وكبارا.. تحتضنهم فيه بأيادٍ كريمةٍ مسعدةٍ.. في طلاقة وجه، وسعة صدر، ولين جانب.. في محبة ورفق وبلاغ..

بيتها يتوسط البيوت.. شمسٌ ساطعةٌ في سماء الفقر والحاجة والجهل وسوء الخلق.. فيه روضٌ جميلٌ مليءٌ بالأزهار والورود .. فلٌّ وريحانٌ ، بنفسجٌ وأقاحٌ.. ووسط الروض الجميل ألعابٌ مختلفةٌ أشكالها.. لها هندساتٌ بديعةٌ سهرت الأم عائشة على تنسيقها بنفسها لتكون أجمل مكان يشبع فيه الأطفال حظهم من اللعب والمرح، ويروون حاجتهم إلى العلم المفيد.. وداخل البيت غرفٌ جميلةٌ وواسعةٌ مصفوفة في الطابق الأسفل والأعلى.. قسمت حسب الأعمار والأهداف.. اختيرت موادها بدقة وإتقان، وانتقيت مجالاتها برعاية وإحكام.. لتلبي الحاجة العلمية والفكرية والروحية والوجدانية لمن يرتاد البيت ويغشاه.. غرفٌ بها ورشات يتلقى فيها من يفدون على البيت أشياء رائعة مفيدة وممتعة.. فهذه غرفة الآداب، وبقربها غرفة الأخلاق، وتليها غرفة العلوم، فغرفة العبادات، فغرفة المعاملات وهكذا.. غرف يا لها من غرف! تمتلئ بكل ما هو جميل ومحي وهادف.. أجهزة وأنظمة وموائد مستديرة.. كل غرفة عليها قيم يهتم بها.. له حظ من علم وعمل كفيلين بزرع الخير في الغير، و بعث النفوس على الترقي والنشأة في ظل الصلاح والطهر والفلاح.. ووسط المنزل بهوٌ فسيحٌ.. تتوسطه نافورةٌ: عذبٌ ماؤها.. مبهجٌ منظرها.. وفي الجانب الخلفي للبيت مطبخٌ تعد فيه الأم عائشة أشهى الأطعمة، وأسوغ الأشربة.. تدخل بها السرور على الأطفال.. لتشعرهم وكأنهم في بيوتهم.

فهي أم لمن لا أم له.. وراعية لمن لا راعي له.. وحبيبة لمن لا حبيب له.. وصدر دافئ لمن لا صدر له.. وطبيب قلب ونفس لمن لا طبيب له.. لذلك استحقت أن يتعلق بها الجميع.. ففازت بمحبة الجميع.. ولذلك استحقت أن يكون بيتها مقصدا لكل محتاج، وجاهل، وعليل.. ومتردد وولهان.. ووجل وحيران.. وملاذا يلوذ به كل إنسان في دنيا الوساوس والأوهام والمصائب والأحزان .. استحقت أن تكون منقذ الإنسان في هذا الزمان بلا امتنان.. ومأوى يأوي إليه السائلون من نواح مختلفةٍ وأماكنَ بعيدةٍ. لا للظفر بما تجود به من أكل وشرب فحسبُ، بل للفوز بالابتسامة الرقيقة، والرعاية الرفيقة، والنظرة الحنون.. وقبل هذا وذاك للنيل من علمها الرشيد، وإرشادها السديد.. فقد جمعت بين سماحة اليد، وبين سعة العلم.. وألفت بين طيب الأخلاق، وبين بهجة النفس..

لها من مقومات الإدارة الناجحة ما يؤهلها لبناء النفوس وتربيتها: الانسجام والاحترام والوحدة والاقتحام واكتشاف الطاقات وتحرير المبادرات وتفويض المسؤوليات وتوزيع المهام والتياسر والتراضي والتسامح والقيادة القوية المحبوبة …

فيا لها من امرأة!.. يا لها من صاحبة ومربية ومعلمة وراعية الأم عائشة البشوش!..

العلم: تعلم صغار الأمور قبل كبارها..

طرق بابَها ذات يوم فريد.. فتحت له.. دخل مسرعا.. متلهفا.. وهو يردد بصوت مرتفعٍ.. ينم عن شدة طبع.. بل عن سوء خلق: أنا جائع.. يكاد الجوع يقتلني.. أريد طعاما.. أريد أن آكل.. أليس لديك طعام يأكل وشراب يشرب؟ إنهم يقولون إن لديك ها هنا طعاما كثيرا، وشرابا وافرا.. أين طعامك وشرابك؟ أريد أن آكل.. فأنا جائع.. جائع جدا.. أتسمعين؟!

لم تستغرب الأم عائشة من فريد ما بدا عليه من سلوك.. فلطالما ورد عليها أطفالٌ من شاكلته.. فهي تعرف من طباعهم، ودوافعهم، وسلوكاتهم ما يساعدها على معالجتها بحكمة وصبر ويقين.. أجلسته.. ألقت عليه ابتسامة رقيقة مرققة.. خف معها اندفاعه وغضبه، ولانت شدته..

قالت بصوت هادئ حنون: ما اسمك يا بني؟

أجابها بلهجة حادة: فريد.

قالت برقة: فريد اسم جميل.. نظرت إليه مضيفة: ووجه جميل.. أهلا بك يا فريد في بيتك.

فريد: أنا جائع.. ألديك ما يؤكل؟

اهدأ واصبر وتريث.

تركته وتوجهت إلى المطبخ.. أحضرت له طعاما شهيا، وشرابا سائغا.. فانكب يلتهمه التهاما.. يأكل بيمناه، ويشرب بيسراه.. مصدرا أصواتا مزعجةً.. كأنها أصوات أقدام عريضة فوق وحل مبلل.. يمضغ الطعام بسرعة.. كأنما هو في مهمة مستعجلة.. يلقي في فمه المنتفخ باللقيمات على نحو يثير الاشمئزاز.. مما دفع الأم عائشة الجالسة على مقربة منه إلى التدخل: لا تسرع يا ولدي! فالأكل كثير، والشراب وفير.. فلا تسرع كي لا تتأذى.. حذار أن تصاب بأذى.. لأن الإسراع في الأكل يضر بصاحبه.

– أجابها وهو يبتلع الأكل ابتلاعا: أتريدين مني أن أكف عن الأكل، أم تراك تعدين علي هذه اللقيمات؟! يا للندامة!

– أجابته: كلا، وإنما أردت أن تتأدب بآداب الأكل.. بإمكانك أن تأكل بطريقة أفضل..

– لكنني منذ صغري تعلمت أن آكل هكذا. فهكذا يأكل أبي، وهكذا تنافسه أمي على المائدة.

– لكن هذا ليس من آداب الأكل في شيء..

– كيف؟ لم أفهم..

– إن الإسراع في الأكل يؤذي المعدة.. ويجعل عملية الهضم شاقة وصعبة، مما يسبب الأمراض الكثيرة.. والأكل على هذا النحو يزعج الآخرين.. والكلام أثناءه مفيد جدا.. وموافق لما جاء في السنة، ولما جاء به العلم..

– قلت آداب الأكل! فما هي هذه الآداب؟

– جميل يا بني.. لقد أحسنت.. آداب الأكل: أن تغسل يديك، وتسمي الله، وتأكل بيمينك، وتأكل مما يليك.

– فريد وقد طأطأ الرأس: فهمت.. بدأ يبطئ في الأكل ويأكل مما يليه.. وعندما انتهى مسح يديه في منديل ثم قام..

قالت له الأم عائشة: فريد يا بني عندما ننتهي من الأكل نقول: الحمد لله.. شكرا على ما أنعم به علينا، وتأدبا معه.. نظر إليها فريد نظرة استغراب، وكأنه مشدوه بما سمع.. فهو لم يتعود على مثل هذه الآداب.. لبث برهة… ثم قال: الحمد لله.

– بارك الله فيك يا ولدي وحسَّن أخلاقك كما حسَّن خَلْقك.. ثم أردفت مذكرة: فريد يا بني إذا دخلنا بيتا نستأذن أصحابه، ونسلم عليهم قائلين: السلام عليكم.. ونفعل مثل ذلك عند الانصراف.. شد فريد يد الأم عائشة، وقبلها بحرارة وانصرف وقد خرجت من فمه التحية ندية…

لم تكن تلك أول مرة يزور فيها فريد بيت الأم عائشة.. بل تكررت مرات عديدة إذ ألحقته بورشة الآداب.. ومن بعدها ورشات أخرى.. فتغيرت كثير من طباعه وسلوكاته وأخلاقه.

وتحولت معها أشياء كثيرة في حياته…

فيا لها من صاحبة ومربية ومعلمة وراعية الأم عائشة البشوش!

شعر:أفش السلام مبديا *** حب الأنام ترشدِ
سمِّ الإله ذاكراً *** عند الطعام تسعدِ
كلْ من يمين ٍ آخذاً *** مما يليك تمددِ
كمْ من رجيمٍ قد سعى *** للأكل يرجو يبتدي
ما لم يكن ذكر الإلـ *** ـه منيتي ومقصدي
فالأمر رهن ٌ بالدعا *** به نروح نغتدي
فالحمد لله الذي *** دام له تعبدي