الصبر والحلم

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “ما خير رسول الله في أمرين قط إلا اختار أيسرهم ما لم يكن إثما، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمه الله تعالى، فينتقم لله بها”. وروي أن النبي لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقاً شديداً، وقالوا: لو دعوت عليهم! فقال: إني لم أبعث لعاناً، ولكني بعثت داعياً ورحمة. اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه، فقال: رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطيء ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيراً، فقلت: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون.

ولما تصدى له غورث بن الحارث ليفتك به، ورسول الله منتبذ تحت شجرة وحده قائلاً (نائما وقت القيلولة)، والناس قائلون، في غزاة، فلم ينتبه رسول الله إلا وهو قائم والسيف صلتاً في يده، فقال: من يمنعك مني؟ فقال الله فسقط السيف من يده، فأخذه النبي، وقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.

ومن عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية التي سمته في الشاة بعد اعترافها -على الصحيح من الرواية-. وأنه لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره، وقد أعلم به وأوحي إليه بشرح أمره، ولا عتب عليه فضلاً عن معاقبته. وكذلك لم يؤاخذ عبد الله بن أبي وأشباهه من المنافقين بعظيم ما نقل عنهم في جهته قولاً وفعلاً، بل قال لمن أشار بقتل بعضهم: لا، لئلا يُتَحدَّث أن محمداً يقْتل أصحابَه. وعن أنس رضي الله عنه: كنت مع النبي وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه الأعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ومال أبيك. فسكت النبي، ثم قال: المال مال الله، وأنا عبده. ثم قال: ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي. قال: لا. قال: لم؟ قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة. فضحك النبي، ثم أمر أن يحمل له على بعيره شعير، وعلى الآخر تمر قالت عائشة رضي الله عنهما: ما رأيت رسول الله منتصراً من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله. وما ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وما ضرب خادماً قط ولا امرأة.

وجيء إليه برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي: لن تُرَاعَ، لن تراع، ولو أردت ذلك لم تُسَلَّط علي. ومن الأمثلة على حلمه أيضاً، حديث زيد بن سعنة -وهو من أحبار اليهود- أنه أقرض النبي قرضاً كان قد احتاج إليه ليقضي شؤون بعض المؤلفة قلوبهم. يقول زيد: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فو الله ما علمتكم بني عبد المطلب بمطل ولقد كان لي بمخالطتكم علم!! قال: ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني ببصره، وقال: أي عدو الله! أتقول لرسول الله ما أسمع، وتفعل به ما أرى، فو الذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك، ورسول الله ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة ثم قال: “إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة – طلب الحق – اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا من غيره مكان ما رعته”، قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما رعتك. فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة قال: الحبر؟ قلت: نعم الحبر. قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ما قلت وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد اختبرتهما فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وأشهدك أن شطر مالي فإني أكثرها – المدينة مالاً – صدقة على أمة محمد، فقال عمر: أو على بعضهم فإنك لا تسعهم كلهم قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسول الله فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمن به وصدقه وشهد مع رسول الله مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك.

ولعل أكبر مثال على عفوه، أنه عندما دخل مكة فاتحاً وجُمِع له أهل مكة ممن آذوه بشتى أنواع الأذى وتسببوا في إخراجه من بلده، فقال لهم حين اجتمعوا في المسجد: “”ما ترون أني صانع بكم؟” قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”” 1 .

قال أنس: هبط ثمانون رجلاً من التنعيم صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله، فأنزل الله تعالى: وَهُو الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً. وقال لأبي سفيان -وقد سيق إليه بعد أن جلب إليه الأحزاب، وقتل عمَّه وأصحابه ومثل بهم، فعفا عنه، ولاطفه في القول-: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأوصلك وأكرمك؟

ويقول جندب بن سفيان رضي الله عنه: دَمِيتْ إصبع رسول الله في أحد المشاهد فقال:هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت 2

التواضع

فلقد كان من أكثر الناس تواضعاً، ولقد كان من شدة تواضعه أن الداخل للمسجد لا يعرفه من بين أصحابه، يقول أنس بن مالك: “بينما نحن جلوس مع النبي في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ…” 3 .

وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يذهب مع المسكين والضعيف وصاحب الحاجة حتى يقضي لهم حوائجهم، فعن أنس رضي الله عنه قال: أن امرأة من أهل المدينة كان في عقلها شيء، فقالت يا رسول الله: إن لي إليك حاجة، فقال: “يا أم فلان انظري أي السكك -الطرق- شئت، حتى أقضي حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها” 4 .

يقول عمر بن الخطاب: “دخلت على رسول الله وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مدبوغاً، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: “ما يبكيك؟” فقلت يا رسول الله: إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله، فقال: “أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة”” 5 .

وتقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت ما كان يعمل رسول الله في بيته؟ فقالت: “كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه” 6 . يقول أنس بن مالك رضي الله عنه -وقد خدم الرسول عشر سنوات ليلاً ونهاراً حضراً وسفراً فعلم خلالها حاله وأحواله-: “كان رسول الله أحسن الناس خلقاً” 7 ، ويقول أيضاً: لم يكن النبي سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: “ما له ترب جبينه” 8 .

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: “”أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟” فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً، قال: فتله -وضعه- رسول الله في يده”” 9 .

ويقول البراء بن عازب رضي الله عنه: “رأيت النبي يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى -غطى- التراب شعر صدره.”

الجود والكرم

عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه قال: “ما ترك رسول الله عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضاً جعلها صدقةً” 10 وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: “جاءت امرأة ببردة قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها. قالت يا رسول الله: إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله اكسنيها فقال: “نعم” فجلس النبي في المجلس ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه فقال له القوم: ما أحسنت سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلا! فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل فكانت كفنه” 11 .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “ما سئل رسول الله على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة” 12 . يقول ابن عباس رضي الله: “كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة” 13 .

ويقول أبو ذر رضي الله عنه: “كنت أمشي مع النبي في حرة المدينة فاستقبلنا أحداً، فقال: “يا أبا ذر” قلت: لبيك يا رسول الله، قال: “ما أحب أن أحدا لي ذهبا يأتي علي ليلة أو ثلاث عندي منه دينار إلا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه”” 14 . ويقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “ما سئل النبي عن شيء قط فقال: لا.” 15

خاتمة: حاجة البشرية لحبيبنا صلى الله عليه وسلم

تعاني البشرية اليوم من تدهور على جميع المستويات، بداية من الأسرة وانتهاء بمجال الحكم، فأينما وليت وجهك إلا وراعك ما ترى من فقر مدقع، وحروب وتطاحنات ودماء بريئة تسيل، تتخبط في مشاكل تكاد لا تحصى، وهي اليوم في حاجة ماسة، أكثر من أي وقت مضى، للرجوع للسيرة النبوية، التي غيرت المجتمع الجاهلي، من مجتمع لصيق بالأرض، إلى حضارة حكمت الدنيا. السيرة النبوية رحمة ورفق وحكمة، تخرج الناس من الظلمات إلى النور، يقول الإمام مالك: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها.)


[1] سنن البيهقي الكبرى.\
[2] صحيح البخاري وصحيح مسلم.\
[3] صحيح البخاري.\
[4] صحيح مسلم.\
[5] صحيح البخاري وصحيح مسلم.\
[6] صحيح ابن حبان.\
[7] صحيح البخاري وصحيح مسلم.\
[8] صحيح البخاري.\
[9] صحيح البخاري ومسلم. \
[10] صحيح البخاري.\
[11] البخاري.\
[12] صحيح مسلم.\
[13] صحيح البخاري ومسلم.\
[14] صحيح البخاري.\
[15] صحيح البخاري وصحيح مسلم.\