وقعت روسيا والولايات المتحدة اتفاقا جديدا بشأن الترسانة النووية للبلدين، وقد تميز هذا الاتفاق بكونه يتم في ظروف ذاتية خاصة بهما، وظروف حساسة يمر بها العالم، خصوصا ما يتعلق بمستقبل الدول العظمى في التوازنات العالمية المنتظرة.

بدون شك، تنطوي هذه الاتفاقية على عدة نوايا وخلفيات، يتولى تفصيلها الآن القادة الروس والأمريكان سواء بتصريحاتهم، أو إشارات رحلاتهم المكوكية.

فتوقيع الاتفاقية سيرشح عنه مزيد من النقاش حول جدوى ومستقبل السلاح النووي العالمي، وطرق تهذيبه ومراقبته.

لماذا الآن؟

منذ الخمسينيات من القرن الماضي، والدول التي تمتلك السلاح النووي، أو تلك التي قامت بتجارب نووية، تحاول إعلان نفسها رسميا دولة نووية، والهدف من ذلك، التأثير النفسي على المنتظم الدولي من جهة، والرفع من قدراتها التفاوضية من جهة ثانية. الهدف نفسه، جعل جل الدول تبحث جادة في أن تكون طرفا لتوقيع معاهدة أو اتفاقية ما، تثبت رسميا اعتمادها دولة نووية، وتقيد باقي الدول الطامحة لامتلاك هذا النوع من التقنية، سواء كانت سلمية أو غير ذلك.

وهكذا، تميزت بعض الفترات من هذه المرحلة التاريخية بتصاعد الأصوات المنادية بعقد القمم النووية، لتطويق الوضع وتحديد أفق سير العالم، وفق اختيار العظماء بطبيعة الحال.

توقيع “ستارت 2” لا يخرج عن هذا السياق، فاستقراء المعطيات الميدانية وخطابات القادة الروس والأمريكان على حد سواء، قبيل وعند الاتفاقية، يبين أن الظرفية الحالية تمثل للطرفين بالفعل فرصة لهذا الاتفاق.

أمريكا لم تعد قادرة على ردع الدول السائرة في طريق التسلح النووي مثل كوريا الشمالية وإيران، كما أن التفكير في مهاجمة دولة معينة بذريعة امتلاكها لهذا النوع من السلاح لم يعد مستساغا، خصوصا بعد نكسة التدخل العسكري الأمريكي بالعراق.

أضف إلى هذا، واقع التسابق المحموم نحو التسلح النووي في الخليج، الذي يذكيه من جهة، وجود عدو إسرائيلي يمتلك ترسانة نووية أكيدة لا حق لأحد في مناقشتها، ومن جهة ثانية، وجود دول الخليج جغرافيا بين عدوين لا يتحرجان من الإفصاح عن أمل أحدهما في تنحية الآخر (إيران وإسرائيل)، إضافة إلى كون دول الخليج تطوق نفسها الآن بوجود أهم القواعد الأمريكية، التي ستكون بدون شك، هدفا للسلاح الإيراني المتنوع في حال مهاجمة المواقع النووية الإيرانية من طرف أمريكا أو إسرائيل.

فرصة مواتية إذن للولايات المتحدة للتوقيع على هذه الاتفاقية والإفصاح عن برنامج جديد للتسلح، يجسد “النوايا الحسنة” لرئيسها الجديد، نوايا تدل على أن مطامح الأمريكان تصبو إلى الآتي:

– طمأنة أصدقاء أمريكا المفتقدون لهذا النوع من السلاح، وعلى رأسهم دول الخليج، من خلال الالتزام بعدم مهاجمتها به في الحالات الاعتيادية، وتمكينها من الطاقة النووية السلمية عند الاقتضاء؛

– إحراز الإجماع لتطويق إيران ومنعها من امتلاك التقنية النووية، على الرغم من أن الاحتمال الأكبر حول هذه التقنية، أن إيران غير قادرة على صناعة القنبلة في هذه المرحلة؛

– إقرار قانونية توجيه ضربة محتملة إلى الماردين النوويين (كوريا وإيران)، وبكافة أنواع الأسلحة؛

– ضمان تعاون عالمي ضد إرهاب نووي محتمل؛

– تثبيت تجاهل دولي حيال الملف النووي الإسرائيلي، أو ضمان تطبيع وتدلل دوليين لإسرائيل مقابل فتح النقاش حول هذا الملف.

أما عن العقيدة النووية المزعومة، فقد لخص البيان الصادر عن الرئيس أوباما شكل هذه الاستراتيجية الحربية الجديدة المبنية على خطوات ثلاث: الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي -وإن شئت قل والإسرائيلي- مع التقليص من دور الأسلحة النووية في الترسانة الحربية الأمريكية، ومواصلة الضغط على الدول الساعية إلى الحصول على هذه الأسلحة وفي مقدمتها إيران وكوريا الشمالية.

بهذه الحقائق، تبقى الاتفاقية ومعها الاستراتيجية الجديدة، مجرد إجراء احترازي أمريكي للمحافظة على تفوقها العسكري، بعيدا كل البعد عن ضمان حماية الأمن الدولي، أو جعل الكرة الأرضية خالية من السلاح المدمر كما يرفع ذلك في شعارات الرئيس الجديد، خصوصا بعد توشيحه بجائزة نوبل للسلام.

أما روسيا، فرهاناتها من نوع آخر، في مقدمتها أن تكون “ستارت 2” مقدمة إلى اتفاقيات أخرى تلزم العملاقين، ومعهما الأطراف النووية الأخرى، بعدم نشر أسلحة نووية تكتيكية في بلد ثالث. بالمنطق التفاوضي، إقناع المجتمع النووي، وأمريكا على الخصوص، بخفض قواعدها العسكرية المطلة على الأراضي الروسية، وفي مقدمتها الدرع الصاروخية المقلقة، التي بقيت حجر عثرة في وجه التفاوض لمدة سنة وما يزيد.

تستمد “ستارت 002” مشروعيتها السياسية المرحلية من رغبة مشتركة للطرفين. طرف أمريكي تحفزه مخاوفه المزدوجة من عدو ظاهر طموح إلى امتلاك السلاح، وعدو خفي يتربص ببقايا مواد انشطارية تساعده في صنع سلاح تقليدي مدمر. وطرف روسي، يعاني هو الآخر من وجود حركات مناهضة لمشاريعه، تعمل بطريقة حرب العصابات التي تدخل في حساباتها استعمال كل سلاح أو وسيلة تعبد الطريق إلى الاستقلال والتحرر، إضافة إلى كون هذا الطرف (روسيا) يراهن جديا على طمأنة أمريكا وإقناعها بسحب قواعدها ودراعها الصاروخية المقلقة.

رهانات مثالية شبه مستحيلة

تتضمن الاتفاقية في أهم بنودها أربع إجراءات مهمة:

– خفض الترسانة النووية للبلدين إلى 1550 رأس لكل منهما؛

– الوصول إلى تحدي 800 منصة إطلاق فقط؛

– الاكتفاء بـ700 من حاملات الرؤوس كالصواريخ والغواصات والطائرات؛

– العمل على خفض ترسانتي البلدين بنسبة 30 بالمائة في غضون سبع سنوات.

بنود طموحة فعلا، خصوصا في ضوء تبني الاتفاقية من طرف قطبي العالم النوويين طواعية، وبعد سنة من المفاوضات الثنائية الشاقة، ودون ضغوط شعبية أو مطالبة رسمية تذكر. لكن، وللاستدراك فقط، لقد تم في السابق إبرام العديد من الاتفاقيات، وتوقيع حزمة من البروتوكولات الأكثر طموحا في هذا الشأن، فماذا كان مصيرها؟

لقد اجتمعت الدول الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية على مدار ثمان مؤتمرات لمتابعة الالتزام بالاتفاقات، وذلك منذ نفاد الاتفاقية عام 1970، فكانت النتيجة، تحول لائحة الدول النووية من أقل من عشر دول إلى ما يقارب العشرين، واللائحة مرشحة للمزيد، بل إن المعاهدة والاتفاقية مرشحة برمتها للانهيار، أما بنودها فقد طالها الإفلاس والتجاوز من قبل الدول الموقعة قبل غيرها.

لنفترض جدلا أن الطرفين استطاعا خلال السنوات السبع المقترحة الوصول إلى هذه الأهداف، ألا يرى رائد السلام العالمي أوباما، ووارث الاشتراكية ميدفيدف، أن إفناء العالم يكفيه قنبلتين أو ثلاثة، فلم إذن هذا الهوس بالتسلح، ألا يرى العاقلان أن تدمير التركة النووية لبلديهما والاحتفاظ بالثلث يعتبر إقرارا رسميا بالحق الأوحد في تدمير العالمين؟.

ولنعد الآن إلى تفصيل أحد هذه الطموحات. قد يستطيع البلدان تقليص عدد حاملات الرؤوس، كما قد يستطيعا كذلك التخلص من بعض منصات الإطلاق. لكن، كيف يستطيع أحد الطرفين تفكيك هذه الأعداد من الرؤوس النووية، مع العلم أن رأسا نووية واحدة يتطلب تفكيكها العشرات من العمليات المعقدة، وتحليل العشرات إن لم نقل المئات من الكراسات التي تتضمن طلاميس العلاقات العلمية المعقدة والكلمات السرية المستعصية.

لنتصور أنه تم بالفعل ضبط برنامج خاص للوصول إلى تفكيك بعض الرؤوس بنجاح، كيف يستطيع أحد الطرفين التخلص من المواد المشعة المترتبة عن عمليات التفكيك، وكيف يستطيع تسديد تكاليف عمليات التخلص في ضوء أزمة عالمية خانقة وعجز اقتصادي بين، أم أن العملاقين سيلجآن إلى سياسة الأرض المحروقة المبنية على أحد الاحتمالين:

– السطو على المزيد من أراضي البلدان الفقيرة وإفناء من عليها نتيجة تحويل هذه المواد القاتلة أو التخلص منها على أراضي المستضعفين؛

– بيع هذه المواد بشكل ابتزازي إلى دول صديقة لاستعماله كمصدر للطاقة، مع ما يمكن أن يلازم عملية التحويل هذه من مخاطر جمة، فلن ينسى العالم كارثة تشرنوبيل المدمرة وما تلاها من ويلات بيئية إلى يومنا هذا.

وفي كلتا الحالتين، سيبقى الخطر النووي قائما، واحتمالات أضراره مؤكدة. هذا إذا استثنينا احتمال سقوط هذه النفايات النافعة من بلوتونيوم وغيره في أيادي غير صديقة، وهو الاحتمال المخيف، الذي دفع ساكني البيت الأبيض إلى تجميع 47 دولة للبحث في سبل الحيلولة دون وقوع هذا النوع من المواد النافعة في شراك الحركات المعادية لسياسات الأمريكان، والضغط على باكستان بالتحديد لبدل مزيد من الجهد في تحصين ترسانتها النووية من القاعدة وطالبان.

عادة، عندما يحضر الكبار للتوقيع، يحضر الصغار للتصفيق والإشادة. لكن، يبدو في هذه المرة أن التوقيع قد صاحبه تصفيق من نوع خاص، تصفيق احتجاج أطاح بنظام موال لأمريكا في قرغيزيا، وتصفيق مماثل في العديد من دول العالم أرغم نتنياهو على الاعتذار عن حضور قمة الـ47 بنيويورك. أما الغضب الثابت لبيونغ يانغ وطهران فقد أذكاه تصريح أوباما باعتماد كل الخيارات في وجهيهما.

فما أصابنا من شر فبما كسبت أيدينا، ويعفو ربي عن كثير.