استهلال

الشباب قوة اقتحامية مبدعة تتميز بالحيوية والحماسة والنشاط والدينامية الفاعلة، والشباب وقود الدعوة والتغيير المجتمعي ذي الأفق العمراني الأخوي. الشباب فتوة فاعلة ومؤثرة تحتاج إلى رعاية وعناية خاصة وتأطير وتوجيه ودعم نوعي وتكوين وتدريب تخصصي، وتفهم عمري، وتجاوب مرحلي.

الشباب قوة المجتمعات التواقة للتحضر والتغير، فإذا كانت هذه هي السمات الفضلى للشباب والحالة الطبيعية التي ينبغي أن يكون عليها شباب الأمة، فإن الواقع المرير يدلل على شيء أخر. ذلك أن مخططات واستراتيجيات أخرى اشتغلت ولا تزال في اختراق متواصل للبنية الشبابية بغية طمس الهوية ومسخها وصياغة شخصية شبابية على مقاس “المشروع الحداثي الديمقراطي” المتحرك ميدانيا وفق أجندة متعددة، والنتيجة شباب يائس منهزم محبط مترهل ومصاب بشيخوخة فكرية وعقلية وشلل في الإرادة وهي أمراض أصيب بها من جراء أنفلونزا الانهزامية المخزنية المبثوثة عبر ميازيب ومسالك متعددة: التعليم والإعلام والشارع والثقافة و…. كل هذا يتم وفق نسق مرتب بشكل ممنهج وفي سياق مناخ سياسي واجتماعي هش جدا يساهم بشكل كبير في صناعة هذا التخلف الخطير، ولملأ الفراغ والبياضات وسحر أحلام الشباب وتلهيته عن قضاياه وامتصاص غضبته، اختلقت فضاءات أخرى تخدم المسار الأول والإيديولوجية الاستراتيجية للفساد والإفساد وبث ثقافة الانهزامية واللامسؤولية. ومن ذلك تنظيم المهرجانات اللاهية وتفريخ بؤر الفساد وتناسل أوكار الدعارة وتشجيع ترويج المحذرات والمسكرات، وللمتتبع الكريم ملاحظة الحانات المرخص لها يوما بعد يوم على امتداد ربوع هذا الوطن الحبيب.

أمام هذه التحديات الراهنة، الناطقة بحال البطالة والبؤس، وعقلية الخرافة والإلهاء المنظم والإقصاء الممنهج ومنطق القتل البطيء لشباب الأمة، ما المهمات التاريخية الميدانية التربوية والأخلاقية التأطيرية والدعوية، التي ينبغي على حملة رسالة التغيير والتجديد أن يقوموا بها كرافعات أساسية من أجل تحول مجتمعي يستهدف البنية الشبابية؟

المدخل التربوي الأخلاقي القيمي كأساس لكل البناءات

إن التربية الإيمانية المتوازنة للشباب حتى يتشرب معاني الحب في الله عز وجل ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعليمه اليقين فيما عند الله تعالى، هي المدخل الأساسي لتغيير الجوهر تغييرا يستهدف بداية العقليات والنفسيات تغييرا يسبق التغيير السياسي والاقتصادي، وهذا من مدلولات القومة عند الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله في كتابه رجال القومة والإصلاح، فتربية الشباب على هذه المعاني وربطهم بخالقهم وتعميق معاني الحب في الله والخوف من الله ورجاء رحمته، والتجالس فيه والتزاور فيه عبر مجالس تربوية وإيمانية بعدها التناصح ومدارسة كتاب الله عز وجل وبرنامجها التفقه في الدين، إن هذا من شأنه أن يصوغ شخصيات شبابية موقنة صادقة مقتحمة، بواعثها الإيمان والإيمان وحده في كل حركة وسكون، إن حاجة شباب الأمة لهذه تربية تزداد إلحاحا يوما بعد الأخر، إزاء ما يتعرض له من قصف لا أخلاقي ولا تربوي كل يوم وليلة، وفي هذا الإطار فإن المدخل التربوي يحتاج إلى منظومة تربوية تراعي الحاجيات كما تسعى إلى تهذيب النفوس وفق منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المدخل العلمي التأطيري التدريبي

لا مستقبل للأمة بدون إعداد الرجال، ولا رجولة في المستقبل بدون شباب صالح فالح ناجح، حامل لرسالة ربانية بعلم وعن علم، والرسالة العلمية تحتاج إلى بناء كفاءات وكوادر علمية وتقنية متخصصة في شتى العلوم والمجالات، وإذا كانت المدارس والمعاهد والجامعات الرسمية لا تفي بالغرض في صياغة الأدمغة والعقول المنورة، فإن جانبا أساسيا وجب الارتكاز عليه في بناء الشخصية الشبابية المطلوبة والمؤهلة لقيادة المشروع التغييري المنهاجي، ويتعلق الأمر بالتكوين العلمي والتخصصي عبر تأطير مستمر للشبيبة في مجالات متنوعة بهدف فتح آفاق الإبداع والتطوير والتجديد وذلك عبر مناشط وبرامج معدة لهذه المقاصد والأهداف.

المدخل السياسي التشاركي المدني الأهلي

مهما تكن الرؤية واضحة، ومهما بلغت النظريات السياسية نضجها وعمقها التصوري والتحليلي واستشرافاتها المستقبلية، فإن الممارسة الميدانية تؤكد أن لا سبيل للعمل السياسي بدون إرادة سياسية قوية لإشراك الشباب في الفعل السياسي، فلا حركية للشباب ولا فاعلية لهم بدون إشراكهم في القرار السياسي ولذلك وجب اعتماد المقاربة التشاركية عبر فتح مسالك للممارسة السياسية الواعية والمتزنة، وعليه فالقمع السياسي الذي يتعرض له شباب اليوم من بين الأسباب الكبرى والرئيسية الدافعة إلى العنف والتشدد والمفضية إلى العزوف السياسي، ومنه فالدولة تتحمل مسؤولية تبعات ما ينجم عن الانسداد السياسي الذي يعرفه المشهد السياسي المغربي.

إن المدخل السياسي التشاركي المدني الأهلي وما يفتحه من آفاق تغييرية يدعو كل الفعاليات الشبابية مهما اختلفت مذاهبها إلى مزيد من تنسيق الجهود لبناء فضاءات من الحرية السياسية الميسرة للتنوع المحمود والتنافس الشريف والتفاعل الناضج مع القضايا والأحداث.

إن بناء الديمقراطية التشاركية داخل بلداننا رهين بتوفر إرادة سياسية حقيقية تمهد لعملية مجتمعية ميثاقية بين كل المكونات والأطراف والتوجهات في اتجاه تقعيد دستور ديمقراطي يعبر عن إرادة الأمة ويتجاوز عقلية المنح، والقاعدة الشبابية حاسمة ومصيرية في بناء هذه العملية التحولية التاريخية، ولهذا فعلى الدولة المريضة بالاستبداد أن تراجع حساباتها المغلوطة قبل أن تفاجئها الأحداث، لأن شباب اليوم مهما خوفته سياسة العصا الغليظة وعبقرية القمع المتجددة إلا أنه يعي بشكل كبير التحولات العالمية وسياقاتها الديمقراطية وثقافاتها المتشبعة بفكرة حقوق الإنسان لا سيما والتكنولوجيا ساهمت بشكل كبير في نقل هذه المناخات رغم كل محاولات التغليط والتعتيم، فالأجيال الراهنة والقادمة تدرك هذه الحقائق وهي بذلك وبالنظر إلى التطور الاجتماعي في حاجة إلى حريات أكبر.

إننا إزاء مرحلة تاريخية عاصفة وحساسة، وأي تهاون أو تمادي في خط السادية والانغلاقية والتحايل على الديمقراطية برداءات مصطنعة لا يجدي عبر مرور الزمن فقد يكون لهذه المنومات أثر مرحلي لكن التجربة الإنسانية والمؤشرات الميدانية تدق ناقوس الخطر وتدعو إلى التحلي بالحكمة والبصيرة لتدارك طوفان جارف حقيقي لا مرد له.

إننا لسنا بصدد الترهيب وبث الرعب ولسنا من هواه المزايدات ولكنه الواقع المرير والوطن المجروف إلى الهاوية ومنطق التاريخ الذي لا يرحم وسنة الله التي لا تحابي أحدا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن المدخل السياسي يحتاج إلى مزيد من الجهد المبذول لتوسيع مجالات العمل المدني عبر الإطارات الأهلية، ولهذا فتنسيق الجهود بين التنظيمات الشبابية الرامية إلى التغيير رغم اختلاف البواعث ينبغي أن يكون هدفا استراتيجيا في الحاضر والمستقبل، يدلل مرحليا بلغة الطمأنة ونوايا العيش المشترك، وهذا يدعو الجميع إلى تشرب معنى الاختلاف والإيمان به وتسنح فرصة تاريخية فيلتئم الشمل، ويبتسم القدر، وينتصر الحق على الباطل.