انطلق الموسم الدراسي الحالي الذي أشرف على نهايته، على إيقاع حديث متواصل ومسترسل عن مخطط استعجالي شرع في تنفيذه لإنقاذ المنظومة التعليمية المغربية من الدرك الذي تتخبط فيه بشهادة التقارير الخارجية التي أحرجت المسؤولين، فبادروا بإصدار تقرير باسم المجلس الأعلى للتعليم يتحدث عن اختلالات واسعة وهامة في مختلف مجالات الإصلاح التي تضمنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي أريد له أن يكون الإطار الجامع والمرجع الأساس للتعليم المغربي، بعد أن أضفيت عليه صفة الإجماع الوطني.. وبعد أن دنت نهاية عشرية التربية والتكوين المنصوص عليها في الميثاق الآنف الذكر، سارع القائمون على الأمر إلى القيام بمبادرة استباقية بدعوى الواقعية والتقويم تمثلت بداية بالاعتراف الضمني بالفشل في تحقيق أبسط الأهداف ثم بعد ذلك التبشير بمخطط مستعجل لتعزيز “المكتسب” وتدارك الخلل.

إن التقييم والوقوف على النقائص والثغرات ومن ثمة وضع المخططات والبرامج الإصلاحية شيء محمود لا ريب، كما أن المطلع على بنود هذا المخطط يسجل مجموعة من التدابير المهمة والبرامج الواعدة؛ غير أن الرهان دائما يكون على التطبيق والممارسة، فالمغرب يحتل مرتبة “متقدمة” عالميا في عدد الإصلاحات في مجال التربية والتعليم إلا أنه في كل مرة نجد أنفسنا نجتر الفشل ونمضغ آلام الإخفاق. فنحن وإن كنا بارعين في استيراد أرقى ما بلغته الإنسانية من برامج ومخططات -فتحا من الله الوهاب لمن اتخذ الأسباب بعد صدق النية والعزم- لا نلبث بعد تنزيلها في واقعنا المتردي أن نتسبب لها في الانتكاسة والفشل؛ وإن لم تتحول صورتها الجميلة المتناسقة إلى أخرى سمجة ومشوهة فلا أقل من أن تفقد بريقها ومصداقيتها.

وحتى لا تتفرق بنا السبل، نقتصر في المقال عن خاصية هذا الموسم الدراسي، لما كان لها من صدى واسع وما رصدت لها من طاقات بشرية هائلة وإمكانات مادية ولوجستيكية غير مسبوقة: إنه عام التكوين في قطاع التعليم بامتياز.

إن أهم ما لفت انتباه العاملين في حقل التعليم هو كثافة الحصص التكوينية التي خضع لها المدرسون والمدرسات بمختلف الأسلاك والتخصصات بل ورجال الإدارة التربوية منذ انطلاق هذا الموسم ولا يزالون، لدرجة أنه من الممكن أن تكون هذه الحصص قد استغرقت جميع أسابيع الزمن المدرسي منذ الشهور الأولى للموسم.

ورغم أن لا أحد يجادل في أهمية وقيمة التكوين المستمر في حق العاملين في الحقل التربوي وفي طليعتهم المدرس، وكما يركز على ذلك المخطط الاستعجالي في المشروع (E3P1) المتعلق بتطوير الكفايـات المهنية لأطر قطـاع التعليم المدرسي العاملة بالأقسـام وتحسين أدائها المهني في أفق تفعيل مشروع جيل مدرسة النجاح، فإن هذه الغزارة في التكوين قد رافقتها سلبيات متعددة نذكر منها:

ـ ارتباك في سير المؤسسات التعليمية بسبب غياب المدرسين الدائم والمتواصل ولمدد ليست بالقصيرة.

ـ تأخر ملحوظ في إنجاز المقررات الدراسية، وإن أنجزت فبكيفية تداركية تخل بالمضمون وتفتقر إلى الفاعلية.

ـ إرهاق كبير لمجموعة من العاملين بمؤسسات الاستقبال سواء المكلفين بالتنظيم أو بالإطعام من إداريين وأعوان.

ـ اضطراب في الإيقاع الدراسي للتلاميذ الداخليين الذين تستقبل داخليتهم المستفيدين من التكوين بسبب توظيف قاعات الأكل وقاعات المطالعة والمداومة بله المراقد.

ـ تأثر الأنشطة التربوية المبرمجة في إطار تفعيل الحياة المدرسية بمؤسسات الاستقبال.

ـ تأثير مباشر على مستوى وفعالية مواد التكوين نفسها حيث اشتكى عدد من المستفيدين من التكرار وغلبة النظري على العملي في التعاطي مع القضايا التربوية والديداكتيكية.

ـ مبالغة في الإنفاق المادي على هذه الحصص، والذي قد يكون على حساب أوراش أخرى لا تقل أهمية واستعجالا.

وختاما، وفي معرض الحديث عن هذه السلبيات، تجدر الإشارة إلى أن التركيز على المدرس واستهدافه بهذه الحصص التكوينية الماراطونية قد يوحي إلى المتتبعين والمهتمين بكون المدرس المغربي يشكو من هشاشة في التكوين وضعف في الكفايات المهنية وبالتالي قد يكون من حقنا أن نتساءل عن ما إذا كان هذا فعلا من النوايا الخفية حيث ما فتئ المسؤولون يحاولون تعليق فشل المنظومة التعليمية على مشجب المدرس. والحال أن رجال ونساء التعليم ضحايا سياسة عامة اعتبرت قطاع التعليم مجالا لامتصاص البطالة وسد الخصاص بأسرع وأقصر الطرق حيث لا تأهيل ولا تدريب على مممارسة التعليم (توظيفات 3 غشت 2009 وقبلها سلسلات إلحاق أفواج المعطلين من حملة الشهادات العليا نموذجا)، ولا مصاحبة وإشراف تربويين بعد التعيين، لذلك فـمن بين ثغرات المدارس التي عممها الاستقلال الوطني،.. والمعلمين الذين كونهم تتمثل الثغرة الأفدح في جدار المنظومة في قلة كفاءة المعلم، وانعدام الباعث القوي لدى المعلم، وضيعة المعلم مع سائر الناس في دوامة السائبة العامة، ووضعية المعلم الاجتماعية غير المريحة.) 1


[1] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. للأستاذ عبد السلام ياسين، ص:168 وما بعدها.\