الخبر مقدس

احتفالا باليوم العالمي للمرأة، أصدرت وكالة المغرب العربي للأنباء قصاصة خبرية نقلا عن المندوبية السامية للتخطيط (المؤسسة الرسمية للإحصاء) مفادها أن المغرب بذل جهودا جبارة لمحاربة الأمية في صفوف النساء، حيث انتقلت من 90% عام 1960 إلى 50,80 فقط سنة 2009.

التعليق حر

من خلال النسبة المصرح بها ـ وهي رسمية على كل حال ـ يتضح أن المغرب احتاج لحوالي نصف قرن من الزمان ليقلص نسبة أميات المغرب بـ: 39,20%، معناه أن المغرب لن ينعتق من الأمية قبل ست وستين ـ 66 ـ سنة من الآن أي بعد عام: 2076م؛ هذا في وقت سبق أن وعد الميثاق للتربية والتكوين بالقضاء شبه التام على الأمية في أفق 2015م. أبشري يا أُمية بطول العمر!

الأمية في الخطاب الرسمي هي الأمية الأبجدية، وتعني حسب تعريف الأمم المتحدة الجهل بالكتابة والقراءة في حدودها الدنيا. ومن أبرز خلاصات تقرير المجلس الأعلى للتعليم تدني مستوى تلاميذ المدرسة العمومية في مهارات القراءة والكتابة والحساب، مما يؤشر إلى أن نسبة الأمية ـ وفق التعريف الأممي السابق ـ متفشية في صفوف المتمدرسين.

الأمية اليوم واقع، وهي في تنام نتيجة الهدر المدرسي وإفلاس المنظومة التعليمية بعد الفشل الذريع لمبادرات الإنقاذ. وواقع الحال يكرس الأمية، لذا تنبه المهتمون بترويج المنتوجات والبضائع الصناعية والفنية والسياسية لاعتماد اللهجة الدارجة في الوصلات الإشهارية في وسائل الإعلام كما في اللوحات الإشهارية فتم التطبيع مع الأمية الأبجدية. ولذات الغاية وتحقيقا لأعلى نسبة من الغزو الثقافي والخلقي دبلجت الأفلام السوقية والمسلسلات الخليعة بالدارجة لتتقلص مساحة تداول الفصحى. وباستحضار الجهود الحثيثة لإنتاج برامج إذاعية إباحية حوارية بالدارجة وإطلاق قناة فضائية بالأمازيغية يتضح أن الضحية المستهدفة هي اللغة العربية الفصيحة: لغة القرآن الكريم ومنظومة قيم القرآن ومشروع خلاص الإنسان بالقرآن ومشروع انعتاق الأمة بالقرآن.

وللأمية الأبجدية أخوات

الأمية فينا معقدة مركبة، وهي أميات، منها:

1. أمية أبجدية، وهي أبسط الأميات محاربة لو توفر لدى المسؤولين العزم والحزم.

2. أمية تاريخية حالت دون أن تعرف الأمة تاريخها وتضبط مفاصله لتدرك مواطن الخلل في مسيرتها والداء الذي شل حركتها فزاغت عن مسارها وضيعت رسالتها وفقدت عزتها فتكالبت عليها الأمم كما حديث القصعة النبوي.

أمية تاريخية مجدت نظام حكم ذمه من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فاختلطت المفاهيم على الأمة وراحت تسمي الأنظمة السياسية بغير مسمياتها النبوية. سمت خلافة أموية وعباسية وعثمانية ما صنفه التصريح النبوي ملكا عاضا وجبريا. ومن أفحش التيهان عن المعالم والغمض في البصيرة ووضع الأمور في غير مواضعها أن نتغنى مع جوقة المعزين لأنفسهم بالأمجاد الأموية والحضارة العباسية دون أن نؤطر الصورة في إطارها الصحيح…وتلك أمية في التاريخ تزيد فظاعة الأمية الفظيعة في الدين.) 1

3. أمية سياسية ربيبة الأمية التاريخية، يرتبك بها الفهم والأولويات، فتصبح الفروع أصولا والوسائل أهدافا، فيُشتغل بمعارك وهمية هامشية عن المعارك المصيرية، فتتحول الممارسة السياسية إلى ملهاة تختزل في “كرنفالات” انتخابية تسوق فيها الأوهام ويُشرعن للاستبداد، وتُفوت على الأمة فرص تاريخية للبناء والانعتاق.

4. أمية فكرية تختزل عقلية متخلفة فقدت الثقة في مؤهلاتها الذاتية لما جهلتها، وافتتنت بعقلية الآخر ورضيت لنفسها بوضعية المستلب. فالصواب ما اعتبر الآخر صوابا، وقمة التفوق أن يتواضع الآخر فيعترف بنا تلامذته وتبعه؛ أسس لذلك مغربون من بني جلدتنا ـ طه حسين نموذجا ـ لما صرحوا من مواقع النجومية الفكرية أن أقصى ما يمكن أن نصبو إليه أن نكون تلامذة للغرب.

5. أمية سلوكية تعتبر تحصيل حاصل لغياب منظومة تربوية ورؤية حضارية، تجليها السلوكات العامة للأفراد ـ إلا من رحم ربك ـ في الأماكن العامة: إدارات، سائل نقل عمومية، أسواق، ساحات ومنتزهات والتي تنم عن أعرابية فظيعة تجعل البداوة تحضرا والفظاظة تمدنا.

6. أمية دينية جهلا أو تجهيلا، ومسؤولية الدولة فيهما مباشرة. قال أمير المؤمنين عمر في إحدى خطبه: ألا وإني ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن أرسلتهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم)… خلافة تنيط بالعمال، وهم أساسا ممثلو سلطة الدولة، مهمة الدعوة، مهمة تعليم الناس دينهم.) 2 . أما التجهيل فتراوح بين إشاعة فهم قاصر للإسلام واعتباره قضية شخصية لا أثر له في الحياة العامة للناس أو فهم مسطح يأخذ بالمظاهر دون الجوهر فيغدو الدين عامل فرقة وشقاق، وبين عداء واضح للإسلام واعتباره أفيون الشعوب تولى المهمة خريجو طواحين التغريب.

سبيل الانعتاق

تعليم نافع مفتاح كرامة الفرد وعنوان عزة الأمة. فلا أمل لعزة في هذا العصر لأمة لا تقرأ ولا تكتب ولا تشارك شعوبها عن معرفة بما يجري في العالم وما تفرضه ضرورات الصراع في العالم… تعميم المعارف الضرورية في الدين ومحو الأمية في الدين تساير جهود الأمية الأبجدية، والأمية السياسية، والأمية التقنية، وتساندها وتستند إليها.) 3

تعليم نافع جزء من مشروع مجتمعي تحشد له الجهود وتعبأ له الأمة ليضطلع الجميع بمسؤوليته في الإعداد والبناء؛ الجميع دولة وأحزابا ومجتمعا مدنيا معني بالانخراط الإيجابي في تعميم التعليم لأنه مقدمة لاغتنام التقنيات التي هي قوام التصنيع، ولا بد من التصنيع الذي هو قوام القدرة على الكسب، ولا بد من مزاحمة الكاسبين في الدنيا المتنافسين فيها، القادرين عليها.) 4 ، وليس لتقليص نسب الأمية التي أضحت سُبة لدولة تعتبر نجاح المنظومة التعليمية ثاني أولوياتها بعد الوحدة الترابية.


[1] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين للأستاذ عبد السلام ياسين. ص:132.\
[2] العدل: الإسلاميون والحكم. للأستاذ عبد السلام ياسين ص:77.\
[3] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين للأستاذ عبد السلام ياسين. ص:135،136.\
[4] نفسه، ص:136.\