لماذا كلما أردنا أن نكتب عن هذا الوطن وأحواله إلا واصطدمت الكلمات بسؤال الجدوى من كتابتها ما دامت الأحوال هي هي لا تتغير ولا تحمل في طياتها بشرى بالتحول من سيئ إلى حسن، ولا تتحمل روائح قد يشتمُّ منها تجاوز تحصيل الحاصل أو تحطيم لأحجار التعثر الموضوعة من زمان بعيد في وجه كل من يغرد خارج سرب المستفيدين من هذه الأحوال؟؟؟.

لماذا يجف المداد ويخون الأسلوب كل كاتب لبيب يريد أن يسبر أغوار هذا الوطن الحبيب ثم لا يخط في نهاية المطاف إلا خيبات آمال تكسوها الآلام وتلفها في دوائر من اليأس هموم تسقى من وحل واقع مرير يأبى صانعوه إلا أن يحقنوه بكل ما يمت إلى المرارة بصلة؟؟؟

لماذا كلما نظرنا إلى هذا الوطن المليء بخيرات لا تعد ولا تحصى إلا وارتد إلينا البصر حسيرا من هول ما يكنزه هذا الواقع من مفارقات وتناقضات ومضادات يستحيل العيش فيها أو التعايش معها، ويصبح التفاؤل معها ضربا من الجنون، ويمسي الحلم بينها كابوسا يقض مضاجع الفارين من عالم الحقيقة والمكتوين بنيرانه، ويؤرق بال الباحثين عن لحظة راحة؟؟؟

لماذا الحاضر عندنا دائما وأبدا ماضي يملؤه رصاص يقتل مستقبلا يبنى للمجهول، ولماذا العصور والعهود والأزمنة والأيام عندنا بصرية أوفقيرية تنسخ نفسها بيننا ولا تختار من أقمشة الديموقراطية والحرية والحداثة والكرامة والحق والقانون وغير ذلك من أنواع وفنون اللباس العصري ما يناسب مقاسها ويستر عورتها ويرد عنها هجاء الناقدين وذم الباحثين؟؟؟.

لماذا يا وطني أبقوك وحيدا في غربتك بين الأوطان، سرقوك وما زالوا يسرقون وما شبعوا، جلدوك وفي كل شبر فيك شيدوا لبنيك سجونا ومعتقلات ومخافر وما زالوا يبنون، ظلموك وبالظلم هم مشوا فيك والظلم يا وطنا نحبه ويزدرينا ظلمات بعضها فوق بعض لو يعلمون؟؟؟.

لماذا نحن يا وطني شعب بلا حكومة، السياسة عندنا مصطلحات غريبة تتشدق بها ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، أسسوا فيما بينهم أحزابا ولدت أحزابا انقسمت على نفسها بين عشية وضحاها، لتكون لنا خريطة سياسية فيها اليمين يقسم بكل يمين بمناسبة وبغير مناسبة، وفيها اليسار يسير في مسار منحرف، وفيها الكتلة تكتلت حول جبل من جمود، وعن كل هذا غابت خلف كواليس الهدوء والسكون معارضة وافقت الأغلبية في صمتها ورضت بما لذ وطاب من رقع خريطة اتفق الكل على تسميتها بلعبة سياسية لا غالب فيها ولا مغلوب، ولا قرار تصنعه بعيدا عما يوافق أهواء وفصول دستور يجعل من يد واحدة تصفق رغم أنف الجميع؟؟.

لماذا يا وطني اقتصادك ريع بالفساد يمور ويموج، عليه علية القوم تجمعوا، وبالنسب واللقب والكنية فوقه تربعوا، وعلى نهش ما تبقى من جسده العليل أجمعوا، فعشرة في المائة أو أقل من ذلك بكثير يملكون ما فوق الأرض وما تحتها ويتحكمون فيما تحويه البحار وأعماقها، أناس فوق القانون شعارهم “ما في الأرض وما تحتها لنا، وما في السماء لنا نصفه”، والبقية الباقية من المائة شعب فقير يحرم عليه التقاط الفرص أو امتلاكها، ويردع إن هو فكر في يوم من الأيام أن يكون له حظ من الفتات المتساقط من على موائد “الريــعـيين”؟؟؟.

لماذا يا وطني رتبك بين البلدان بأسفل سافلين تلتصق، بالتقدم نحو الوراء يسيرون بك، وبالتقهقر للخلف يسيرون وجهتك، فلا الرياضة تستقيم بين ظهرانيك لتشفي بعضا من غليل الجماهير العريضة، ولا الأمن فيك بالذي تطيب له الأنفس وتقر له العيون، ولا التعليم عندك ينور العقول أو ينجب النبغاء أو يخرج عن قدر البطالة المكتوب على طلابه، ولا الصحة بين يديك بخير، ولا مستوى المعيشة فوق ترابك يرقى لإسكات أنين المعوزين وآهات المحتاجين وطلبات المساكين وغيرهم ممن لا ينتمون لزمرة “لا خوف عليهم ولا هم يحزنـون”؟؟؟.

لماذا يا وطني عدلك جور يُنطق، وقضاؤك بالتمييز يدون، وعدالتك لمن له صلة وصل بالفوق تنحاز، وإنصافك للضحايا من ضحايا جدد يستخلص ويستخرج، يسرق فيك الفقراء فيؤخذ بالنواصي والأقدام، ويسرق خيراتك الجلاد والزبانية مع سبق الإصرار والترصد فيكرمون أمام الخواص والعوام. المواطن فيك متهم من غير براءة، والمعارض لصانعي القرار فيك مدان بلا تهم، والشريف خائن، والفاضل خلف قضبان السجون يلقى، والمناضل في المعتقلات ينسى، والمس بالمقدسات والإرهاب والإخلال باحترام واجب وتجاوز الخطوط الحمراء وتسفيه مجهودات الدولة وغيرها صكوك اتهام لمن قال “لا” أو فكر في قولها؟؟؟.

لماذا يا وطني نبحث فيك وبين أراضيك عن سكة الصواب فلا نجد إلا سككا معوجة خطيرة وطرقا محرفة قاتلة وسبلا مسيجة بأشواك مسمومة تنذر من اقترب من حدودها بسوء العاقبة وتتوعد من همّ بتجاوزها بالويل والثبور وبؤس المصير؟؟؟.

“لماذا يا وطني” غيض من فيض “لماذات” خرجت من أعماق قلب غيور عليك، وجزء من أسئلة يطرحها الكل صباح مساء تبحث عن جواب مسؤول من مسؤول يقدر معنى المسؤولية، ويضع النقط على الحروف من غير نسج لخطابات تسويفية أو نهج لسياسة تذر الرماد في العيون أو تتبع لزلات قلم بغية وأده في مهده. فما أحوجنا لأجوبة تزيل القناع عن ترقيع ما لا يرقع وتميط اللثام عن واقع تبث بالواضح الملموس أن الخطاب “العدمي” هو الخطاب الوحيد القادر على وصفه، وأن الحل العملي للخروج من تجلياته السوداء ومشاكله المتعددة وعقده التي لا تنتهي لن يتأتى لا بانتخابات عبثية ولا بمشاريع حكومة صورية ولا بمبادرات فردية ولا بمهرجانات هنا أو هناك، ولن يتأتى إلا باحترام هذا الوطن ومواطنيه، وطبعا فبعض هذا الاحترام يقتضي فصلا في السلط وتعديلا للدستور يوافق عليه الكل من غير استثناء ورجوعا إلى الشعب وتقربا منه وإشراكا لنخبه وأبنائه في صنع القرارات ونشرا للعدل وإحقاقا للحق… وقد نهجو وطننا من غير ذنب ولو نطق الوطن لهجاهم قبل أن يهجونا.