أُطارِدُ طَيْفاً في خَيالي أُقاتِلُهْ *** فَتَمْتَدُّ نَحْوي في الظَّلامِ حَبائِلُهْ
لَوِ اقْتَرَبَتْ مِنّي مَخالِبُ جِسْمِهِ *** لَبِسْتُ رِداءَ الواثِقينَ أُخاتِلُهْ
تَسَمَّرَ مَكْسورَ الجَناحِ كَأَنَّما *** بِتَعْويذَةِ الكُرْسِيِّ شُلَّتْ أَنامِلُهْ
أُحَّصِّنُ نَفْسي بِالمَثاني أَصونُها *** بِذِكْرٍ عَظيمِ الشّانِ طالَتْ شَتائِلُهْ
رَأَيْتُ قُلوبَ النّاسِ تَسْعى شَريدَةً *** بِوادٍ عَديمِ النَّفْعِ تَعْوي ثَعالِبُهْ
إِذا عَظُمَتْ في العالَمينَ ذُنوبُنا *** لَنا خالِقٌ فَوْقَ الوُجودِ نُسائِلُهْ
وإِنْ كَثُرَتْ مِثْلَ النُّجومِ غَزارَةً *** فَأَكْبَرُ مِنْها عِزُّهُ وجَلائِلُهْ
طَريقٌ إِلى الرَّحْمَنِ سَهْلٌ رُكوبُها *** على بَحْرِ إِيمانٍ تُصانُ سَواحِلُهْ
ولي في الحَنايا خافِقٌ غَيْرُ نائِمٍ *** وقَدْ كَثُرَتْ في الكائِناتِ عَواذِلُهْ
ولَكِنَّهُ ساعٍ إِلَيْكَ مُكَبَّلاً *** عُبابُ الخَطايا قَيْدُهُ وسَلاسِلُهْ
يَرومُ رَجاءً منْ حِياضِكَ دافِقاً *** ووابِلَ غُفْرانٍ لِتُمْحى رَذائِلُهْ
رَأَيْتُ إِلاهي باسِطاً كَفَّ جودِهِ *** إِذا ما دعاهُ العَبْدُ ما خابَ سائِلُهْ
إذا المَرْءُ ماتَ الجودُ في عَرَصاتِهِ *** فَسُحْقاً لِحَقْلٍ لا تَجودُ سَنابِلُهْ!
مَتى ضَمَّني حُضْنُ السَّماءِ تَفَتَّحَتْ *** بَساتينُ قَلْبي واسْتَفاقَتْ عَنادِلُهْ
رَأَيْتُ طُيورَ الخُلْدِ تَلْتَقِطُ النَّوى *** وقَلْبي على الأغْصانِ تَشْدو بَلابِلُهْ
فَكُلُّ غَريبِ الدّارِ أَنْتَ كَفيلُهُ *** وكُلُّ يَتيمٍ في الدُّنا أنْتَ عائِلُهْ
فَلَوْلاكَ ما شَعَّتْ شُموسٌ وأَنْجُمٌ *** ولَوْلاكَ ماءُ البَحْرِ جَفَّتْ مَناهِلُهْ
بِمُزْنٍ منَ النَّبْعِ السَّماوِيِّ زَغْرَدَتْ *** حَساسينُ دَوْحٍ واسْتَقامَتْ خَمائِلُهْ
تَدَفَّقَ منْ نافورَةِ الغَيْبِ سائغاً *** فَفاضَتْ على البيدِ العِطاشِ هَواطِلُهْ
هُوَ الكَوْنُ أَوْراقٌ على صَفَحاتِها *** كَلامٌ بَديعُ النَّظْمِ سَوّاهُ قائِلُهْ
كَأَنَّ هَديلَ الوُرْقِ بَعْضُ لِسانِهِ *** وصَفَّ نَخيلِ الرّافِدينَ جَدائِلُهْ!
يَقينٌ يُنيرُ النَّفْسَ لَيْلاً كَأَنَّهُ *** سِراجٌ منَ الأقْمارِ شَعَّتْ فَتائِلُهْ
تَذَكَّرْتُ أَنْصاراً بِيَثْرِبَ هَلَّلوا *** بِِأُمِّ القُرى رَكْبٌ تَسيرُ رَواحِلُهْ
تَجَمَّعَ شَمْلُ المُؤْمِنينَ بِمَقْدَمٍ *** لأَحْمَدَ فَوْقَ الخَلْقِ ذاعَتْ شَمائِلُهْ
حُشودٌ منَ الأَصْحابِ طَوْعُ بَنانِهِ *** وإِنَّ الهُدى أَسْيافُهُ وجَحافِلُهْ
يُرَتِّقُ حُبٌّ قَلْبَ أَوْسٍ وخَزْرَجٍ *** وهَذا أَبو الزَّهْراءِ تَعْلو فَضائِلُهْ
فَيا رَبِّ لا تَحْرِمْ عُبَيْدَكَ رُؤْيَةً *** لِبَيْتٍ عَتيقٍ في خُشوعٍ أُقابِلُهْ
تَعاظَمَ في الأَكْوانِ بُرْجُ مَنارِهِ *** وطابَتْ على مَرِّ الزَّمانِ مَنازِلُهْ