شكل تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2008 مناسبة أخرى للحديث عن الفساد المستشري داخل مؤسسات الدولة والنهب المتواصل للمال العام واستمرار سياسة الإفلات من المحاسبة والعقاب.

وإذا كان لهذا المجلس من حسنة فيكفيه أنه أكد مجموعة من الأقاويل التي تتداولها الألسنة في المنتديات الخاصة والعامة، وأضفى صبغة رسمية على الكثير من الفضائح التي تنشرها يوميا وسائل الإعلام وهي المتهمة دوما بالمبالغة، كما أنه أخرج العديد من الممارسات الفاسدة من العلبة المظلمة لتصبح على مرأى ومسمع من الرأي العام.

على هذا المستوى، يمكن اعتبار حصيلة المجلس الأعلى للحسابات نوعية رغم تأخره وتردده في نشر هذا التقرير حتى ظننا، في لحظة معينة، أنه تراجع عن هذه السابقة الحسنة التي دشنها في تقريره الخاص في سنة 2007 رغم غياب أي نص يلزمه بالنشر.

لذلك، واستفادة مما حصل من تردد وتأخر واستخلاصا للعبرة، نرى أنه صار لزاما على المجلس إدخال تعديل على المادة 100 من القانون رقم 99-62 التي تنص على أنه يرفع إلى الملك بيانا عن مجموع أنشطته لتضاف إليها إلزامية نشر التقرير للرأي العام. فهذا أبسط ما تقتضيه الشفافية وإخبار المواطنين واحترامهم.

ولا شك أن من أتيح له الاطلاع على هذا التقرير الضخم سيخرج بخلاصة رئيسة، وهي أن الفساد في مؤسسات الدولة أصبح هو القاعدة، وخاصة أن تقرير المجلس همّ عينة فقط. والأكيد أن الصدمة ستكون أكثر قوة لو تم افتحاص كل المؤسسات.

لقد أنجز المجلس 130 مهمة رقابية فقط، ونشر في تقريره 61 حالة فقط ارتأى أنها تشهد اختلالات، وتهم قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية وجماعات محلية ومراكز استشفائية وجامعات، ولكنه، للأسف، لم يوضح حيثيات الاختيار. وهذه ثغرة يجب تفاديها في المهام الرقابية للمجلس مستقبلا، ولو استدعى الأمر تعزيز موارده المادية والبشرية حتى لا يسقط في الانتقائية أو التوجيه القبلي أو تصفية الحسابات.

وهناك قضية أخرى لا تقل أهمية عما سبق، وهي أن هذا التقرير لا يختلف عن سابقه في ما يخص الاختلالات المسجلة، سواء التنظيمية أو الإدارية أو المالية. وللإشارة، فهذه ليست هي المرة الأولى التي يصدر فيها المجلس تقريره السنوي حول حصيلة أنشطته الهادفة إلى المساهمة في تحسين التدبير العمومي من خلال مراقبة شرعية العمليات المالية المنجزة من قبل الأجهزة العمومية وكذا مراقبة التدبير التي تشمل تقييم أدائها طبقا لمبادئ الفعالية والأخلاقيات وقواعد الحكامة الجيدة.

ولكن، رغم كل هذه التقارير المنشورة وهذا العمل المضني لقضاة المجلس، فإنه لم يلاحظ أي تحسن في منظومة التدبير العمومي ولم يسجل أي تشدد لحماية المال العام. وهذا يفتح باب التساؤل عن مرحلة ما بعد الافتحاص والنشر. فهل تنجز هذه التقارير لإشباع فضول معرفي؟ أم لتبرئة الذمة؟ أم لتفعيل إجراءات المحاسبة وتحريك المتابعة وتوقيع الجزاء على المقصرين ومكافأة المتفوقين؟

لنتصور مصير المغرب وردود فعل الرأي العام بعد سنوات إذا بقيت الاختلالات نفسها تتكرر في هذه المؤسسات رغم تغير الأشخاص؟ حينها سيصبح الفساد بنية صلبة عصية على الاختراق.

لذلك يخشى أن يقود نشر هذه التجاوزات والخروقات والاختلاسات إلى نوع من التطبيع مع الفساد والتعايش مع المفسدين، مع ما يصاحب ذلك من تشجيع لمرضى النفوس ومنعدمي الضمير، وانتشار اليأس وفقدان الثقة، وضعف الدولة أمام لوبيات الفساد.

لكل ما سبق، نؤكد بأن خطوة المجلس الأعلى للحسابات ستبقى ناقصة إن لم يتحرك القضاء لمساءلة كل الذين أشار إليهم التقرير بتبذير المال العام أو سوء تدبيره. ويمكن، في هذا الباب، إن توفرت الإرادة اعتبار التقرير بمثابة بحث تمهيدي يحال على قاضي التحقيق لإكمال البحث وتعميقه، ويمكن بعد ذلك تحريك المتابعة إن بدا أن الأمر يتطلب ذلك. بدون ذلك، ستبقى الخطوة ناقصة أو ربما سيصبح لها مفعول معاكس للهدف الذي تتوخاه.

ويجب، مع هذا وذاك، إعادة النظر في معايير ومساطر التعيين في مناصب المسؤولية لتصبح الكفاءة والأمانة هي أساس الاختيار وليس الولاء والقرابة والزبونية. ويستحسن أن تطول المسؤولية، ولو المعنوية والأخلاقية، كل من ساهم في اقتراح هؤلاء لشغل مناصب حساسة يفترض في من يعين فيها أن يكون أحرص من غيره على المال العام الذي يقتطع من عرق المواطنين البسطاء.

لذلك، أقترح وضع لائحة سوداء بكل تلك الشخصيات المبذرة للمال العام، على أن يترتب عن ذلك، بطبيعة الحال، النضال ضد تعيينهم في أي منصب عمومي مستقبلا مع المطالبة الدائمة بإحالتهم على القضاء وإرجاع ما اختلسوه أو بذروه.

أما تحريك المتابعة القضائية ضدهم فتتحمل مسؤوليته الحكومة، وخاصة الوزراء الأوصياء على هذه المؤسسات لأنهم يتحملون مسؤولية سياسية وأخلاقية أمام الشعب. وإن كانوا عاجزين، فما عليهم إلا الاستقالة لأنه لا يعقل أن يتحرك مديرو هذه المؤسسات خارج أية رقابة حكومية.

يمكن، في هذا الباب، تقييم صدق نوايا الحكومة ووزرائها انطلاقا من هذا الملف لقياس مردوديتها في ما يخص هدف التخليق الذي سطرته في تصريحها الحكومي.

إن انتشار الفساد داخل مؤسسات الدولة، وتزايد المبالغ المبذرة من أموال الشعب، وتكرار الممارسات نفسها، إن كل ذلك يفرض على الدولة تفعيل الإجراءات الردعية وتحديث آليات المحاسبة حتى لا تبقى هذه المؤسسات منبتا للفساد ووكرا للمفسدين، وإلا فإن البلاد تفتقد لمنظومة تدبير فعالة وناجعة وشفافة.

إننا بحاجة إلى هذه المنظومة التي يجب أن تشكل مرجعية ملزمة تتضمن المنطلقات والضوابط اللازمة للتعامل مع المال العام والمرفق العام وتحدد معايير موضوعية للتعيين في مناصب المسؤولية،

وإننا بحاجة إلى مراجعة جذرية للنصوص القانونية والتنظيمية وملاءمتها مع مقتضيات الشفافية ومكافحة الفساد،

وإننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى المنظومة التربوية لأنها أساس بناء مواطنين يستوعبون مقتضى المواطنة بما هي حقوق وواجبات،

وإننا بحاجة إلى عدم التساهل مع كل حماة المفسدين،

وإننا بحاجة إلى حملة شعبية للأيادي النظيفة.

بدون ذلك، لن نوقف تيار الفساد وممارسات المفسدين التي تشوه سمعة البلاد وتبدد ثرواتها وتعطل انطلاقتها.

باختصار، أصبح التخليق مهمة مستعجلة بسبب العواقب الوخيمة لمظاهر الفساد التي أصبحت عامة ومنتشرة في كل القطاعات وعلى كل المستويات وتعوق تنمية البلاد.

لا تنمية بدون حكامة، ولا حكامة بدون مشاركة ومحاسبة وشفافية، ولا محاسبة بدون إيقاع الجزاء، ولن يتم ذلك بدون قضاء مستقل ونزيه وكفء.