تقديم

يقول الله تعالى مادحا سيد البشرية دنيا وأخرى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ورحمة حبيبي محمد عليه أفضل الصلوات عمت كل شيء مخلوق، فهو رحمة للمؤمن كما للكافر، وللتقي كما للمنافق، جاء رحمة للجماد والحيوان، للإنس والجن، تأثر به كل من رآه وعايشه، وهام به كل من قرأ سيرته قراءة منصفة، يقول “غوت” في كتابه “الديوان الشرقي للشاعر الغربي”: إننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد … ولقد بحثتُ في التاريخ عن مثل أعلى لهذه الإنسانية، فوجدته في النبي محمد … وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد).

ويقول الشاعر الفرنسي لامارتين في كتابه “السفر إلى الشرق”: أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة واعية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود، ومن ذا الذي يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟! ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه عند النظر إلى جميع المقاييس التي تُقاس بها عظمة الإنسان؟!)

وينبه الكونت كاتياني في كتابه “تاريخ الإسلام” إلى خصلتين من خصال النبي يحاول البعض طمسهما، وهما المحبة والسلام، فيقول: أليس الرسول جديراً بأن تقدَّم للعالم سيرته حتى لا يطمسها الحاقدون عليه وعلى دعوته التي جاء بها لينشر في العالم الحب والسلام).

ويقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتابه “العرب”: لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] كان محمد رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق).

شهادة أخرى من توقيع المؤرخ غوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب”، حيث يقول: إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم؛ كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمداً مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله..) 1

إن أخلاق حبيبي محمد أكثر من أن تحصى، لذلك تجد شمائله مبثوثة في أكثر من كتاب ومصدر،فلم يستطع أحد أن يحصيها ويجمعها في مؤلف واحد، وسيرا على هذه القاعدة، ارتأيت التركيز على أمهات الأخلاق التي غيرت أعداء ألداء إلى موالين محبين، في أغرب وأسرع تغيير عرفه التاريخ في نفوس البشر.

الرفق والرحمة

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: أهل الجنة كل ضعيف متضعِّف لو أقسم على الله لأبرّه” كما جاء في الحديث النبوي الذي أخرجاه في الصحيحين عن حارثه بن وهب. المُحَبُّون عند الله هم المتواضعون لله، يرفعهم الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تواضع لله رفعه الله”. أخرجه الحافظ أبونعيم في الحلية بإسناد حسن. ولا يدخل الجنة “الجوَّاظ ولا الجَعْظَرِيُّ” كما روى أبو داود عن نفس حارثة مرفوعا بإسناد صحيح. وانظر حكمة استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذين اللفظين المنفرين العاتيين: الجواظ هو المَنوعُ للخير السمين المختال، والجعظري الفظ الغليظ.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لينا على المؤمنين، لينا لهم برحمة من الله الرحمن الرحيم. لم يكن فظا غليظ القلب. وقد من الله عليه بهذا الخلق العظيم في قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَو كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (سورة آل عمران، الآية: 159). كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيبا، وكانت هيبته تنخلع لها قلوب الجاحدين وتتطامنُ لها قلوب المؤمنين. ذات مرة غلبت رجلا هذه الهيبة التي خلعها رب العزة والكبرياء سبحانه على عبده حُلَّة ربانية، فتلعثم الرجل، فقال النبي الرؤوف الرحيم صلى الله عليه سلم: “إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد”. رواه الحاكم من حديث جرير وصححه. وقال عبد الله بن عباس: سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تُطروني كما أطْرَتْ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله”. أخرجه البخاري.) 2 .

قال الطبري رحمه الله: أولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس: وهو أن الله أرسل نبيه محمداً رحمة لجميع العالم: مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء به من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله) 3 .

قال أبو بكر بن طاهر في الشفا: زين الله تعالى محمداً بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن الله يقول : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )، فكانت حياته رحمة، ومماته رحمة، كما قال: “حياتي خير لكم وموتي خير لكم وكما قال: إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً”.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف)) 4 .

ومما يدل على أن رحمة النبي عامة للعالم؛ حديث أبي هريرة قال: “قيل: يا رسول الله! ادعُ على المشركين، قال: «إني لم أُبعث لَعَّاناً وإنما بُعِثْتُ رحمةً»” 5 .

وحديث حذيفة عن النبي أنه قال: أيُّما رجل من أمتي سببته سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي؛ فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة) 6 .

وجاء في الحديث عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: “إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ” 7 . وقد قال: أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة 8 . وقال السمرقندي: (رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ): يعني للجن والإنس. وقيل: لجميع الخلق، للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب.

– قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو رحمة للمؤمنين وللكافرين، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة .

– وحكى أن النبى قال لجبريل عليه السلام: هل أصابك من هذه الرحمة شىء؟ قال: نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله: ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ الشفا للقاضي عياض، ص 18.

وهذه بعض مظاهر محبته لجميع المخلوقات:

دفعه نزول العذاب على أعدائه

عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي قالت: “قلت للنبي هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال:” لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا”” 9 .

وقال أنس: “كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي فمرض فأتاه النبي يعوده فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: له أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»”.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي فقالوا يا رسول الله: “إن دوساً عصت وأبت فادعوا الله عليها. فقيل هلكت دوس، فقال النبي: “اللهم اهد دوساً وأت بهم””

الرحمة في الحرب والمغازي

ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفّار برأيه قتل.) 10 .

ويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزّروع والثّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت.) 11 ، وقد “وُجدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول الله، فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان” 12 ؛ ولهذا كان إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً) 13

رحمته للمؤمنين

وقد قال صلى الله عليه وسلم: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به” 14 ، وقال: “أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤُهُ، ومن ترك مالاً فهو لورثته” 15 .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم”. قال: “”يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟” قال: “أما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله”. قال: “فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة”. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: “فيراهما جميعا”.” 16

رحمته للناس جميعاً

عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله: “من لا يَرحَمِ الناس لا يَرحَمُه الله عز وجل” 17 . وعن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم يقول: “لا تُنزعُ الرحمة إلاّ من شقي” 18 . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله” 19 .

عن أبي هريرة رضي الله عنه “فيأتوني، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع” 20 . وهذه هي الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وهي أعظم الشفاعات التي تجري في ذلك اليوم، وهي خاصة به صلى الله عليه وسلم، مكرمة له من الله عز وجل، وهي المقام المحمود الذي وعده ربه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا -جلوسا على الركب-، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.” 21

رحمتهُ للشيوخ

عن أنس بن مالك قال: جاء شيخٌ يريد النبي فأبطأ القوم عنه أن يُوسِّعوا له فقال النبي: “ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقِّرُ كبيرنا” 22 . وعن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله: “ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا.” 23

رحمتهُ للبنات

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: “لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان فيتقي الله فيهنَّ ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة” 24 .

وعن أنس قال: قال رسول الله: “مَن عال بنتين أو ثلاثاً، أو اختين أو ثلاثاً حتى يَبِنَّ (ينفصلن عنه) أو يموت عنهن كُنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين” وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها، الإمام أحمد.

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: “خرج علينا رسول الله وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها.” 25

رحمتهُ للأيتام

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: “كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة” وأشار مالك أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى. متفق عليه. وعن أبي هريرة: أن رجلاً شكا إلى رسول الله قسوة قلبه، فقال له: “امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين.” 26

رحمتهُ للمرأة والضعيف

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: “اللهم إنِّي أُحَرِّج (أحرمه على من ظلمها) حقّ الضعيفين: اليتيم والمرأة” 27 . وعن عامر بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله فحمد الله وأثنى عليه، وذَكّر ووعظ ثم قال: “استوصوا بالنساء خيراً؛ فإِنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك” 28 .

وعن أنس قال: “إن النبي لم يكن يدخل بيتاً بالمدينة غير بيتِ أُمّ سُليم إلا على أزواجه، فقيل له. فقال: إني أرحمها، قُتل أخوها” 29 .

يقول أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: “جاء رجل إلى النبي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت رسول الله قط أشد غضباً في موعظة منه يومئذ، ثم قال: “أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة”” 30

رحمتهُ للأرملة والمسكين

عن أبي هريرة قال: قال النبي: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار”، ولفظ مسلم: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر” 31 . عن عبد الله بن أبي أوفى قال: “كان رسول الله يُكثِرُ الذّكر، ويُقِلُّ اللّغْوَ، ويُطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي له الحاجة” 32 .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجهِ رسول الله على المنبر، فما نزل حتى جيّش (جرى الماء) كل ميزاب بالمدينة، فأذكر قول الشاعر:وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه *** ثِمَالُ (غياث) اليتامى، عصمة للأراملوهو قول أبي طالب. البخاري.

رحمته لطلاب العلم والشفقة عليهم

عن أبي سعيد عن رسول الله قال: “”سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحباً مرحباً بوصية رسول الله، وأقنوهم” قلت للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علّموهم” 33 .

عن مالك بن الحويرث قال: “أتينا إلى النبي ونحن شَبَبَةٌ متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله رحيماً رفيقاً، فلما ظّنّ أنّا قد اشتهينا أهلنا أوقد اشتقنا [وفي رواية: فلما رأى شوقنا إلى أهالينا] سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلّموهم، ومروهم،… وصلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدُكم وليؤمُّكم أكبَرُكُم»” 34

رحمة النبي للأسرى

عن أبي موسى قال: قال رسول الله: “فُكُّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض” 35

رحمة النبي للمرضى والشفقة عليهم

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: “«حقّ المسلم على المسلم ستّ» قيل: ما هُنّ يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه»” 36 .

عن ثوبان قال: قال رسول الله: “«من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع» قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها»” 37 .

عن علي قال: سمعت رسول الله يقول: “ما من مسلم يعودُ مسلماً غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة” 38

رحمتهُ للحيوان والطير والدواب

عن أبي هريرة عن النبي قال: “غُفِرَ لامرأة مومسةٍ مرَّت بكلبٍ على رأس ركيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خُفَّها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك” 39 .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: “عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض” 40 .

عن أنس، عن النبي أنه قال: “ما من مسلم يغرس غرساً أو زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة” 41 .

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أضجع شاةً وهو يحدُّ شفرته، فقال النبي: “أَتُريدُ أن تُميتَها موتاتٍ هَلاَّ أحددتَ شفرتك قبل أن تُضْجِعَهَا؟” 42 .

وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته” 43 .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه قال: “«من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقِّها [إلا سأله] الله عز وجل عنها يوم القيامة» قيل: يا رسول الله فما حقُّها؟ قال: «أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فَيُرمى بها»” 44 .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه مرَّ بصبيانٍ من قريش قد نصبوا طيراً أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرَّقَوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا؛ إن رسول الله: “لعن من اتخذ شيئاً فيه الروحُ غرضاً” 45 .

وعن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله في سفرٍ، فانطلق لحاجته فرأينا حُـمَّرةً (عصفور أحمر اللون) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَفرش [أي تُرَفرِفُ بجناحيها وتقرب من الأرض] فجاء النبي فقال: “من فَجعَ هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها” ورأى قرية نملٍ قد حرَّقناها فقال: “«مَن حرَّق هذه؟» قلنا: نحن، قال: «إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار»” 46 .

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: “لعن الله الذي وسمه” 47 [الوسم الكي بحديدة].

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: أردفني رسول الله ذات يوم خلفه، وفيه: فدخل رسول الله حائطاً لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ فلمَّا رأى النبيَّ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي فمسح ذفراه (موضع عرق البعير) فسكت، فقال: “«من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ الله إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ (تتعبه)»” 48 .

وهذه نماذج يسيرة من أنواع رحمة النبي لأعدائه، وأحبابه، والمسلم، والكافر، والذكر والأنثى، والصغير، والكبير، والإنس، والحيوان، والطير، والنمل، وغير ذلك كثير لا يحصر في مثل هذا المقام. فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.


[1] انظر: قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل، ص (117-126)، وكتاب: ربحت محمداً ولم أخسر المسيح، عبد المعطي الدلالاتي، ص (109-110).\
[2] الإحسان، فقرة التواضع.\
[3] جامع البيان للطبري، 18/552.\
[4] الطبري في تفسير البيان 18/552.\
[5] رواه مسلم\
[6] صحيح أبي داود.\
[7] رواه الحاكم وبن شيبة.\
[8] رواه مسلم.\
[9] صحيح البخاري وصحيح مسلم.\
[10] المغني لابن قدامة 13/175.\
[11] تفسير بن كثير 1/227.\
[12] البخاري.\
[13] مسلم.\
[14] مسلم.\
[15] البخاري ومسلم.\
[16] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[17] مسلم.\
[18] الترمذي.\
[19] الترمذي.\
[20] متفق عليه.\
[21] رواه البخاري.\
[22] الترمذي.\
[23] الترمذي.\
[24] أبو داود والترمذي.\
[25] صحيح البخاري ومسلم.\
[26] الإمام أحمد.\
[27] ابن ماجة.\
[28] ابن ماجة والنسائي والترمذي.\
[29] البخاري.\
[30] صحيح البخاري ومسلم.\
[31] متفق عليه. \
[32] صحيح النسائي.\
[33] الترمذي وابن ماجة.\
[34] البخاري.\
[35] البخاري.\
[36] البخاري.\
[37] مسلم.\
[38] صحيح الترمذي.\
[39] البخاري.\
[40] متفق عليه.\
[41] متفق عليه.\
[42] الحاكم.\
[43] مسلم.\
[44] الحاكم والنسائي.\
[45] متفق عليه.\
[46] صحيح أبي داود.\
[47] مسلم.\
[48] أحمد وأبو داود.\