“نداء الاونيسكو من أجل القدس والمقدسات والتراث في فلسطين”

الأونيسكو-بيروت في 31-3-2010

إن ما يحدث الآن من استيطان واسع وتهويد متواصل للضفة الغربية والقدس، ومن مساع لتسوية تصفوية للقضية الفلسطينية، وإن ما يحدث من تهجير فلسطيني جديد بسبب الجدار والإستيطان وتهويد القدس، أخذا يعيدان السؤال الأول: فلسطين لمن؟ والقدس لمن؟ أي أوجبا العودة بالقضية إلى مربّعها الأول.

إن كل الإعتبارات الوطنية الفلسطينية والعروبية والإسلامية كما المسيحية العربية والمشرقية تؤكد على الحق الثابت للشعب الفلسطيني في فلسطين كلها، وفي القدس غربها وشرقها. ومن ثم تؤكد على لا شرعية قيام دولة الكيان الصهيوني، ولا شرعية الإستيطان والتهويد وتهجير الشعب الفلسطيني قديماً وحديثاً ومستقبلاً.

ثم لو جئنا إلى القانون الدولي الذي هو فوق كل قرارات مجلس الأمن وكل اعترافاتٍ ديبلوماسية بما سمّي بدولة “إسرائيل”، يؤكد لا شرعية قيام هذه الدولة، كما لا شرعية كل ما استحدثته من تغيير ديمغرافي وجغرافي وسياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي في فلسطين.

القانون الدولي يحسم بأن الحق الحصري في تقرير مصير البلدان المستعمّرة يرجع لشعوبها الأصلية التي كانت تسكنها لحظة وقوع الإحتلال الإستعماري لها. هذا ولا يعترف القانون الدولي بأي تغيير لاحق للواقع القائم سواء أكان بالإزالة والبناء، أم بالإنقاص والزيادة، ناهيك عن إحلال شعب مكان شعبها الأصلي كما حدث في فلسطين.

هذا يعني لا شرعية كل ما حدث من هجرة يهودية واستيلاء على الأرض واستيطانٍ فُرِض بحماية حِراب الإنتداب البريطاني قبل العام 1948، ويعني لا شرعية لقرار التقسيم لعام 1947، ولا شرعية لقيام دولة الكيان الصهيوني، ولا شرعية لتهجير الفلسطينيين وسلب وطنهم. ومن ثم لا شرعية لأي اعتراف بكل هذا.

لقد أدّت هذه المخالفات الصارخة للقانون الدولي للميثاق الدولي ولميثاق هيئة الأمم المتحدة والميثاق العالمي لحقوق الإنسان إلى ما وصله الوضع في فلسطين الآن. بل يمكن القول أن ما وصله الوضع في فلسطين اليوم هو الثمن الذي يُدفع أيضاً بسبب الذين ظنوا أن باعترافهم بدولة الكيان الصهيوني فوق 78% من فلسطين سوف يوقفونها عند خطوط الهدنة ما قبل الخامس من حزيران/يونيو 1967، وسوف يقيمون على الباقي المحتل في 1967 دولة للفلسطينيين. ولكن الذي حدث كان العكس إذ راحت الضفة الغربية وشرقي القدس يتآكلان من خلال الإستيطان والتهويد، وفي ظل عملية التسوية التي راحت تعترف بتبادل الأراضي وإخضاع مصير هذا الباقي إلى المفاوضات.

وكان هذا نتيجة التواطؤ الأميركي-الأوروبي مع الكيان الصهيوني. وقد استخدمت الرباعية لتغطيته، كما عبّر عن ذلك بيانها الأخير الصادر من موسكو حيث اعترف بغربي القدس المحتل عام 1948 عاصمة لدولة “إسرائيل” وسلّم بإخضاع مصير شرقيها المحتل 1967 للمفاوضات بما فيه المدينة القديمة. فكان ذلك بمثابة مكافأة للإحتلال بدلاً من إدانته ومعاقبته. هذا ناهيك عن اعتراف إدارة أوباما بيهودية دولة “إسرائيل” أي لليهود فقط.

ولكن في المقابل يجب عدم إعفاء الوضع الرسمي الفلسطيني والعربي عموماً من المسؤولية تخاذلاً وتنازلات، كما لا يمكن إعفاء منظمة الأونيسكو موضوعنا اليوم من المسؤولية في السكوت عن، والتواطؤ مع، ما يجري من عمليات تدمير وحفريات ومصادرة للمعالم الدينية الإسلامية والمسيحية وللتراث الحضاري والثقافي وللآثار التاريخية في فلسطين بعامّة وفي القدس بخاصّة.

فعلى سبيل المثال ما معنى القرار الذي صدر عن المجلس التنفيذي للأونيسكو رقم 179، في العام 2008 بإشراك خبراء إسرائيليين مع خبراء أردنيين ومسؤولي دائرة الأوقاف الإسلامية لمناقشة الإقتراحات التفصيلية المتعلقة بحيّ المغاربة في القدس القديمة فكيف تعطي الأونيسكو مثل هذا الحق لسلطات الإحتلال التي راحت تهوّد حي المغاربة وتلغي ملامحه التاريخية والأثرية وهويته العربية؟

ثم ما معنى السكوت المتواطئ من قِبَل الأونيسكو ومديرتها العامّة إيرينا بوكوفا عن مصادرة الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم واعتبارهما من الآثار اليهودية، وما معنى السكوت المتواطئ مع ما يجري من حفريات تحت المسجد الأقصى وبناء كُنس من حوله ضمن مخططات هدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه.

لقد قامت الأونيسكو للحفاظ على التراث العالمي وهو ما يُلزمها به ميثاقها. فكيف راحت تتهرّب من مسؤوليتها في كل ما يتعلق بالحفاظ على التراث العالمي في القدس بخاصّة وفي فلسطين بعامّة. فهل نسيت أن مدينة القدس أُدرِجت في قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر؟ الأمر الذي يفرض عليها اتخاذ كل التدابير الضرورية لمنع سلطات الإحتلال من الإعتداء على الأماكن الدينية المقدّسة المسيحية والإسلامية، ومحو المعالم الحضارية والثقافية والتراثية لمدينة القدس.

لهذا إننا في المؤتمرات الثلاثة المؤتمر القومي العربي والمؤتمر العام للأحزاب العربية والمؤتمر القومي- الاسلامي نطالب منظمة الأونيسكو بتحمّل مسؤولياتها الكاملة إزاء سياسات الإستيطان والتهويد والإعتداء على الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية، وبخاصّة المسجد الأقصى. وعلى التراث العالمي المقدسي-الفلسطيني-العربي.

نعم يجب على الأونيسكو أن تقوم بما تفرضه عليها المبادئ التي قامت على أساسها ومن أجلها، كما يجب تذكيرها بسلسلة القرارات الصادرة عنها قديماً وعن المؤسسّات الدولية التي تطالب سلطات الإحتلال الصهيونية بعدم القيام بأيّة أعمال تنال من أصالة التراث الديني والثقافي والحضاري والعمراني والتاريخي لمدينة القدس.

وقبل أن أختم لا بد من إرسالِ تحذير شديد للسيدة إيرينا بوكوفا المدير العام للأونيسكو بألاّ تدفع فاتورة التآمر الذي جاء بها إلى هذا الموقع على حساب القدس وفلسطين، فتشلّ دور الأونيسكو عن ردع ما يقوم به الإحتلال من تهويد بحق القدس والخليل وبيت لحم كما يافا وعكا وسائر المدن والقرى الفلسطينية. فعلى السيدة بوكوفا التأكد بأنها إذا لم تقم بما يوجبه عليها التزامها بأهداف الأونيسكو فسترتكب جريمة تاريخية بحق القدس وبحق المسلمين والمسيحيين كافة كما بحق الأونيسكو وبحق سمعتها نفسها. ذلك لأن تهويد فلسطين بعامّة والقدس بخاصّة يمثل جريمة العصر في عالمنا اليوم.

ولكن ونحن نتوجه إلى الأونيسكو علينا أن نؤكد بأن الردّ الصحيح يكون باندلاع انتفاضة في الضفة الغربية تدعمها انتفاضات شعبية مليونية في كل البلاد العربية والإسلامية ومن قِبَل الرأي العام العالمي. نعم يجب أن تميد الأرض تحت الاحتلال وحماته الدوليين من خلال التظاهرات الشعبية الواسعة دفاعاً عن القدس وفلسطين واستنكاراً للتهويد والإستيطان وكل تواطؤ معهما أو تخاذل في ردعهما.

ولعل النظام العربي يصحو وضمير العالم يتحرّك.

ولعل آذان الأونيسكو تسمع.