سياق الأحداث

خاض رجال ونساء التعليم بإقليم طاطا خلال الدورة الدراسية الثانية للموسم الحالي 2009/2010 سلسة من الأشكال النضالية: وقفات واعتصام وإضرابات متقطعة عن العمل ومسيرة حاشدة وإضراب مفتوح دام أكثر من أسبوع تخللتها مسيرات حاشدة للتلاميذ وأوليائهم، وتوج هذا الاحتجاج بحوار بمقر نيابة طاطا يومي 24 و25 مارس 2010 بين ممثلي الفروع المحلية للنقابات ومدير الموارد البشرية ورئيس قسم الاتصال بوزارة التربية الوطنية ومدير أكاديمية جهة كلميم السمارة، بحضور أعضاء منتدبين عن المكاتب الوطنية للمركزيات النقابية، وعلق على إثر نتائج هذا الحوار الإضراب المفتوح ورجع رجال التعليم إلى مقرات عملهم، وقد تعهد جلهم في التزام أخلاقي مسؤول بتعويض تلامذتهم فيما تبقى من الموسم الدراسي، مثمنين حسن تفهم أولياء أمورهم لهذا التوقف الاضطراري للدراسة.

خضوعا لمنطق التاريخ والجغرافية وزارة التربية الوطنية تقر

بعد مرور 32 سنة على إحداث نيابة وزارة التربية الوطنية بتاريخ 16/09/1978 التي كانت تابعة قبل ذلك لنيابة أكادير ثم تارودانت ثم تزنيت، وبعد نضالات الشغيلة التعليمية خلال هذا المدة الطويلة، آخرها المحطة الحالية حيث دام الإضراب 15 يوما ثم أكثر من أسبوع من الإضراب المفتوح عن العمل، واعتصام واصل فيه رجال التعليم الليل بالنهار، ووقفات ومسيرات حاشدة للتلاميذ و المدرسين، بعد كل هذا الزخم النضالي والصمود الأسطوري لرجال التعليم بطاطا الذي توج بحوار من قبل ممثلي الفروع المحلية للنقابات مدعومين بمنتدبين عن المكاتب الوطنية للمركزيات النقابية مع رئيس قسم الاتصال ومدير الموارد البشرية بوزارة التربية الوطنية، دام هذا الحوار 17 ساعة ما بين الليل والنهار حول ملف مطلبي قطب رحاه مطلب التعويض عن المناطق النائية والصعبة. بعد كل هذا المجهود البشري والتضحيات الكبيرة أقرت “وزارة التربية الوطنية أن إقليم طاطا منطقة نائية وصعبة وستعمل على إدراج كل العاملين بقطاع التعليم المدرسي به ضمن لائحة المناطق التي ستستفيد من التعويض المخصص لهذه الغاية”. بهذه العبارة الفضفاضة التي وردت في المحضر الذي وقعه مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة كلميم السمارة نائبا عن الوزارة مع ممثلي الفروع المحلية للنقابات.. بهذه العبارة أو لنقل النتيجة التي لا ترقى إلى تطلعات رجال و نساء التعليم الذين كانوا ينتظرون بعد نضالهم وصمودهم أن يحصلوا على التزامات من ممثلي الوزارة واضحة ودقيقة لا تقبل التأويل، وتستعصي على التملص منها، بعد تحديد آليات متابعتها وضبط تواريخ تنفيذها، تم إسدال الستار عن هذا المسلسل النضالي بطاطا.

بدهاء ومراوغة الوزارة “ستعمل…”

لكن، كما يبدو استطاعت الوزارة عبر خبرائها في المراوغة والدهاء امتصاص لهيب الاحتجاجات وإطفاء فتيل النضالات، ولمثل هذه المهام والغايات يعد المخزن أطره في أساليب الحوار والتفاوض والإمتاع في اللاإقناع وحسن تسويق الوعود والتملص من الالتزامات.

مهما تكن نتيجة هذا الحوار، فقد أصبح إقليم طاطا نائيا عند الوزارة والمركزيات النقابية عينا ويقينا بعدما كان مجرد خبر يسمعونه عبر شعارات المحتجين ومقالات الصحفيين وتقارير النيابة والمفتشين وكل من كتب له أن يزور هذا الإقليم العزيز، فأن تذكر ولو بسوء خير من أن لا تذكر أبدا.

وبهذه العبارة “وستعمل على إدراج كل العاملين بقطاع التعليم المدرسي به ضمن لائحة المناطق التي ستستفيد من التعويض المخصص لهذه الغاية” استطاعت الوزارة بدهاء أكبر ومكر أوضح أن تتملص من أي التزام أو أن تقطع على نفسها لرجال التعليم بطاطا أي وعد ستحاسب عليه غدا، إن لم يكن أمام النقابات المحلية فأمام كل الأجيال الآتية ممن سيعمل في قطاع التعليم، وهذا ما يثير مخاوف رجال التعليم الذين لم يخف أكثرهم تفاؤلا عميق استيائه من نتائج هذا الحوار. ووحده الزمن هو الذي سيكشف عن جدية الوزارة وصدق ممثليها في تحمل مسؤوليتهم لرد الاعتبار لرجال ونساء التعليم الصامدين في مثل هذه الثغور النائية والقاسية أو العكس.

ممثلو المركزيات النقابية والدور المريب

وهذه الأساليب في المراوغة والتملص من الالتزامات لم تكن بالسلوك الجديد على المسؤولين المركزيين، لكن الذي أثار استغراب رجال التعليم بطاطا هو دور المنتدبين عن المكاتب المركزية للنقابات، وتساءلوا بإلحاح ما دورهم في هذا الحوار؟؟ وقد كانوا سباقين إلى الوصول لطاطا قبل وصول ممثلي الوزارة، ربما دفعا لشبهة التواطؤ أو التوافقات المسبقة كما وقع في أكادير، حيث استقلوا نفس الطائرة وجمعتهم موائد الأكل ثم الحوار وتحدثوا نفس اللغة حتى لم يعد بالإمكان التفريق بين من يتحدث رسميا باسم الوزارة ومن يفاوض نقابيا باسم رجال التعليم.

أما في طاطا فقد وصل ممثلو المكاتب المركزية للنقابات سويعة قبل ممثلي الوزارة وقام كل واحد منهم بعصف ذهني لأتباع نقابته ومنخرطيها، لجس نبض نواياهم، واستقصاء نفسهم النضالي، ومنهم من حاول الترويج لمواقف مسبقة وآليات مهيأ لها سلفا، بغية التأثير على نفسية المحاورين المحليين بمثل مقولة: “النضال إذا طال له انعكاسات سلبية” تمهيدا لهم لقبول أية نتائج، وعدم الثبات بصرامة على سقف المطالب المسطرة، وهم يعرفون أن المحاورين المحليين بأيديهم كل أسباب القوة والضغط . فقد دخلوا الحوار بإضراب تاريخي مفتوح عن العمل، لم يعرف له قطاع التعليم في المغرب مثيلا في السنوات الأخيرة، بلغت نسبة المشاركة فيه أكثر من 97%، والتفاف نادر للشغيلة التعليمية حول مطالبها.

لكن بضربة استباقية مفاجئة استطاع ممثل الوزارة أن يفرض سقفه على النقابات حين هدد بالانسحاب من الحوار إن لم يقبل سقف وزارته في الاستفادة من التعويضات. فتمكن بذكاء من تسجيل هدف قاتل في مرمى النقابات حين كان دفاع مركزياتها هشا أو غير موجود.

فتساءل رجال التعليم بعقل الحيران و نفسية المتذمر: إذا كان ممثلو النقابات محليا حاولوا وسعهم في انتزاع أكبر قدر من الالتزامات من مثل هؤلاء الخبراء في اللف و المراوغة، فأين دور الكتاب الوطنيين و المنتدبين من الأجهزة المركزية في هذا الحوار؟؟ لماذا جاؤوا أصلا؟؟ هل هم طرف في تحمل المسؤولية مع فروعهم؟؟ أم مجرد شهود على إقرار إقليم طاطا منطقة نائية؟؟ وهذا الإقرار أصلا لا يحتاج إلى إشهاد فهو تحصيل حاصل من باب السماء من فوقنا والأرض من تحتنا.

مكاسب استراتيجية كبيرة ونتائج آنية لم ترق إلى مستوى التطلعات

بعد هذا الحوار الماراطوني والنضال التاريخي رجع رجال ونساء التعليم إلى قواعد عملهم سالمين من عنف ودعاية المخزن وتهديداته بالحرمان من الأرزاق والاقتطاع من الأجور غانمين بما حققوه من مكاسب استراتيجية وفاعلية ميدانية في العمل النضالي الصامد بالنفس الطويل، والتعبئة اللصيقة بروح الإقناع والحوار المسؤول، وتحمل القواعد المسؤولية المباشرة في اتخاذ القرار والثبات عليه، بعيدا عن المزايدات الفارغة وتثبيطات المتقاعسين.

فبغض النظر عن المكاسب الآنية المادية منها بالخصوص، فقد أعطت شغيلة التعليم بطاطا النموذج المشرق لما ينبغي أن تكون عليه الشغيلة في جبهتها النضالية والتفافها المستميت حول مطالبها. وأبانت هذه الخطوة النضالية أن الرهان الأكبر في العمل النقابي ينبغي أن يكون على النضال المحلي والصمود المحلي والحوار المحلي لانتزاع مكاسب عن قرب. أما التعويل على إملاءات المركزيات وتوافقاتها فهي مضيعة للوقت وتيئيس للنفوس وسراب يخيب الآمال.

فستظل هذه التجربة النضالية محفورة في ذاكرة رجال ونساء التعليم بطاطا وإن نالت حظها الأوفر من التعتيم الإعلامي المسموع والمكتوب، أما المرئي فلا حظ للشعب فيه بالمطلق، فهي مليئة بالدروس والاستنتاجات مما يستدعي الوقوف عندها بتؤدة وعميق تفكر وتبصر قصد استخلاص الفوائد والعبر.